"الوارد والخارج".. قراءة في قوائم الإفراج عن السجناء السياسيين في مصر

تساؤلات حول "أرقام" رئيسية لا بد من استحضارها قُبيل المشهد السياسي العام المرتقب في مصر الآن والمتعلق ببدء "حوارٍ" دعا إليه رئيس الجمهورية وتُشارك فيه ـ حتى الآن ـ أطياف واسعة من المعارضة المدنية المصرية، وفق عدة شروط ومحدِّدات يأتي على رأسها - وتحت عنوان "الضرورة الواجبة" - خروج أعداد واسعة من سجناء الرأي من كافة التيارات من غير المتورطين في العنف.
2022-07-05

منى سليم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
سومر الهنداوي - العراق

لمن المُلك اليوم؟ ننظر لقوائم السجناء السياسيين فنستدل على الجواب دون عناء. تفاقَم هذا الملف في مصر على مدار ما يتجاوز التسع سنوات، وتحديداً منذ 3 تموز/ يوليو 2013 وحتى الآن، وسط تقديرات حقوقية استقرت طويلاً عند حدود ال 60 ألف معتقل، نفت صحتها السلطة، وعند مساعٍ للتوسط وملامح استجابة لضغوط انتهت ـ في كلا الحالتين ـ إلى إفراجات لم تزد كل مرة عن بضع مئات.

لا يقدِّم هذا التقرير بطبيعة الحال حصراً رقمياً ـ لا بد منه يوماً ـ للأعداد الكاملة لمن القي القبض عليهم على خلفية رأي سياسي، أو من تورط حقاً في عنف (أو لم يتورط)، وأعداد من استردوا حريتهم على امتداد الوقت وفق آليات مختلفة.

إنما هي تساؤلات حول "أرقام" رئيسية لا بد من استحضارها قُبيل المشهد السياسي العام المرتقب في مصر الآن والمتعلق ببدء "حوارٍ" دعا إليه رئيس الجمهورية وتُشارك فيه ـ حتى الآن ـ أطياف واسعة من المعارضة المدنية المصرية، وفق عدة شروط ومحدِّدات يأتي على رأسها - وتحت عنوان "الضرورة الواجبة" - خروج أعداد واسعة من سجناء الرأي من كافة التيارات من غير المتورطين في العنف.

جولات السلطة والساسة

• الطلقة / الانطلاقة الأولى: 2016 - 2017

"التوقيع على قرار بالعفو عن مجموعة الشباب التي قدّمها إلينا أعضاء "المجلس القومي لحقوق الإنسان" وتضم 330 شاباً، والإعلان عن تشكيل لجنة عفو رئاسي تساعد الرئيس على تفعيل تلك الآلية واستمرارها".

هذه كانت إحدى القرارات والتوصيات الصادرة عن أولى مؤتمرات الشباب في العام 2016.
وهي ما يمكن اعتبارها البداية الحقيقية والتفاعل الرسمي المباشر مع هذا الملف الذي لم يعد من المجدي معه الإنكار، خاصةً في ظل انتقادات دولية مستمرة. ولم يخلُ هذا المؤتمر المستحدث من حضور سياسي لأسماء محسوبة على صفوف المعارضة المصرية.

سبق ذلك التاريخ موجات محدودة لإخلاءات لعل أشهرها كان إعلان الصحف الرسمية قبل المؤتمر الإفراج عن 165 شاباً ممن صدر بحقهم أحكام عاجلة عام 2016 بتهمة التظاهر ضد التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين للملكة السعودية.

بدأت في الشهر ذاته أولى اجتماعات "لجنة العفو الرئاسي" التي كان من المفترض بها وفق هذا المسمى أن تنصب على مساعدة رئيس الجمهورية في تشكيل قوائم يحق له قانوناً إصدار أحكام بالعفو العام والجزئي عنها، بينما ينص القانون أنّ سلطة إخلاء سبيل المحبوسين احتياطياً تقع ضمن اختصاص النيابة العامة وسلطتها.

هنا كانت مساحة الالتباس الأولى في عمل تلك اللجنة التي تم ابتداعها رغم وجود مؤسسة تابعة للدولة منوط بها تلك المهمات، وهي "المجلس القومي لحقوق الإنسان" الذي أشار له الرئيس بنفسه.

وفي تصريحات أولى، تحدث الرئيس السياسي لذلك المجلس، الليبرالي "أسامة الغزالي حرب" عن الالتزام بصحيح القانون، لكن الأمر سرعان ما انتقل للحديث عن رفع قوائم بالمطلوب إخلاء سبيلهم من سراي النيابة إلى رئيس الجمهورية نفسه. وهو ما كشف عن التباس آخر في المهام ليس منفصلاً بطبيعة الحال عن الانتقاد الرئيسي الموجه للسلطة الحالية في مصر حول استخدام تدبير "الحبس الاحتياطي" كسبيل لملاحقة وعقاب المعارضين وقد امتد التدبير من 6 أشهر كأقصى مدة لقرارات تجديد الحبس ليصل إلى سنتين.

شهدت المحاكم والسجون المصرية ظاهرة مرور عامين على المحتجزين دون توجيه دلائل وقرائن تدعم الاتهامات وتسمح بتحويلهم إلى المحكمة، ومن ثم لحقت بها ظاهرة ثانية وهي "التدوير"، حيث يحصل السجين السياسي على قرارٍ بإخلاء السبيل بعد قضائه عامين رهن القيد، لينتقل اسمه في اليوم نفسه إلى ذمة قضية أخرى يبدأ من عندها رحلة حبس جديدة.

ولم تكن تلك هي المشكلة الوحيدة التي قابلتها اللجنة الأولى، وإنما حدث انزلاق لمساحة من التصريحات على لسان أعضائها لتصنيف من هم المستحقون/ غير المستحقين للتدخل والوساطة. فبينما هناك من تندرج أسماؤهم على قضايا عنف وإرهاب كبرى ويشتكون من انعدام إجراءات التحقيق العادل، فإن أغلبية السجناء، ومن كافة التيارات السياسية، يواجهون اتهامات "جنائية" ثابتة كـ"الانضمام لجماعة إرهابية" و"تعطيل الطرق" و"تكدير السلم العام". وهناك تصنيفات أخرى تشمل الانضمام لتيار الإسلام السياسي، ومن ثَمّ التورط /عدم التورط في عمليات إرهاب وعنف.

هكذا ودون قصدٍ تورطت "لجنة الوساطة" في أن تتحول أمام الرأي العام لجهة فصل وحكم. وفي ضوء ذلك فلم يكن من المستغرب أن تشهد الأيام الأولى لعملها خلافات بين أعضائها. ولم يستمر عمل "الغزالي" كرئيس سياسي للجنة لأكثر من ستة أشهر، وقد شهدت تلك الفترة صدور قرار بالقبض على ابن أخيه وتوجيه اتهامات له.

أما عن الحصاد الذي يمكن حصره، ووفق تصريح الغزالي نفسه، فهو إطلاق سراح 100 سجين سياسي ضمتهم القائمة الأولى التي أعلن عنها رئيس الجمهورية في المؤتمر. وفي الاجتماعات التالية مع ممثلي مؤسسة الرئاسة تمّ تقديم قائمتين، الأولى تضم أسماء 530 محكوم بأحكام نهائية، والثانية تشمل 89 اسماً لسجناء تحت سن 18 عاماً. أما عدد من تمّ إخلاؤهم بالفعل من تلك القوائم فهو 32 شخصاً، وهذا من مجمل من أخلي سبيلهم عبر آليات أخرى خلال تلك الفترة، من بينها إعلان الجريدة الرسمية عن العفو عن 175 شاباً في ضوء أعمال لجنة العفو الرئاسي. وفي عام 2018 أعلن عن الإفراج عن 330 شاباً كتوصية جديدة من اللجنة ذاتها.

• الطلقة / الانطلاقة الثانية: 2020 – 2021

في كانون الثاني/ يناير 2021 أعلن "محمد أنور السادات"، السياسي والنائب البرلماني السابق الذي سبق وأن تعرض للتنكيل، عن عودته للحياة السياسية وتشكيل ما عُرف بمجموعة "الحوار الدولي" التي تهدف إلى توضيح موقف الدولة المصرية من ملف الحريات أمام المؤسسات الدولية والترويج لما أعلنت عنه تحت مسمى "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان". ثم سرعان ما أصبح من أولى مهام تلك المجموعة هي الوساطة من أجل خروج المعتقلين. تزامن ذلك مع الحملة الدولية التي شنت في كانون الأول/ ديسمبر 2020 من أجل الإفراج عن حقوقيين بارزين أعضاء في جمعية "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية".

على مدار الشهور التالية، نشط "السادات" ومن معه وأصبح مكتبه مقصد كافة السياسيين وأهالي المعتقلين من أجل تقديم بيانات ذويهم وأعضاء تياراتهم. وتوالى بالفعل إعلانه عن قرارت إخلاء عشرات النشطاء والصحافيين وغيرهم، من النيابات العامة والدوائر القضائية، ومن ثم إدراج اسم الرجل وآخرين في تشكيل جديد لـ "المجلس القومي لحقوق الإنسان" من أولى مهامه إعادة النظر في ملف السجناء السياسيين. وفي حوار صحافي مع "السادات" في آب / أغسطس 2021، قال: عملنا على مدار 7 أشهر على تقديم قوائم طويلة ووفقاً لها تم الإفراج عما يقارب 200 شخص.

استمر عمل هذا الإطار في الأشهر التالية وشمل الإعلان عن خروج أسماء رئيسية. لكن تعرض حضور "السادات" السياسي لهزةٍ كبرى مع الكشف عن ظروف الوفاة الملتبسة لاستشاري اقتصادي لحزبه هو "أيمن هدهود"، بعد ثلاثة أشهر من اختفائه قسرياً، وإتهام أسرته للأجهزة الأمنية بالتورط في قتله.

تزامناً مع ذلك أخذت شخصية أخرى في الظهور على الساحة وتردد اسمها في "الوساطة" من أجل خروج المعتقلين، وهو المخرج السينمائي والبرلماني السابق "خالد يوسف" الذي قام أحد الإعلاميين الموالين للسلطة بعرض مقاطع مصورة شخصية له قبل سنوات تبعتها موجة تضامن معه ضد اختراق الحياة الشخصية واستخدامها كوسيلة للعقاب على المواقف السياسية. ومن ناحية أخرى تمّ وصمه من قطاعات نسوية وحقوقية واسعة باعتباره يسيء معاملة النساء.

غاب ليعود بداية العام الحالي. وبعد شهرين ارتبط اسمه وآخرين بمحاولات توسط من أجل خروج 40 ناشطاً سياسياً، فُعِّل القرار بالنسبة لأغلبهم وجُمّد بالنسبة لآخرين، من بينهم المحامي الحقوقي "عمرو إمام".

وفي ضوء ذلك استمر التمهيد والوساطة من أجل بدء الموجة الثالثة والأكثر أهمية وخطورة، التي انطلقت مع حضور عدد من قيادات المعارضة المصرية، من بينهم المرشح الرئاسي السابق "حمدين صباحي" ورؤساء أحزاب بل وسجناء سياسيين سابقين، لمأدبة إفطار بحضور رئيس الجمهورية في نيسان/ إبريل الماضي حيث أعلن الرئيس عن الدعوة لـ "الحوار الوطني" وإعادة تفعيل "لجنة العفو السياسي" بمشاركة ثلاثة أسماء من صفوف المعارضة وآخرين.

• الطلقة / الانطلاقة الثالثة: 2022 ـ حتى الآن

على الرغم مما تبدو عليه هذه الموجة الأخيرة من اعتبارها الأقوى لجهة التمثيل السياسي، حيث أعلنت "الحركة المدينة المصرية" ـ جبهة سياسية تضم عشرة من أهم أحزاب المعارضة المصرية ـ قبولها للحوار وفق شروط، مع ضرورة المضي قدماً قبل ذلك في اتخاذ خطوات واسعة لإنهاء ملف المعتقلين، فإن الحصاد على مدار شهرين يبدو شحيحاً، بينما الأنظار تتجه نحو تنفيذ الوعد المنتظر بخروج دفعات كبرى قبل بدء ذلك الحوار.

صدرت قرارات عفو عن 5 من قيادات وشباب المعارضة. وفي حوارات صحافية متتالية تتابع الحديث بين المعارضين المنخرطين في ذلك الجهد عن تقديم قوائم تشمل قرابة 2000 سجين سياسي كدفعة أولى مطلوب استردادها لحريتها. ووُعد بخروج 1078 معتقلاً من بينهم أسماء ناشطين تعتبرها السلطة "شائكة" كعلاء عبدالفتاح وأحمد دومة...

 هذا بينما تشهد النيابات العامة قرارات بإخلاء عشرات الأسماء من السجناء السياسيين دون حصر مدقق. أعلنت لجنة العفو المعدلة/ المفعلة عن ثلاث آليات أمام الناس للتقدم بأسماء ذويهم، مع الاعتماد على منصة "مؤتمر الشباب" لتقديم البيانات وإدراج خانة جديدة باسم لافت هي "مبادرة الرئيس للإفراج عن الشباب المحبوسين على ذمة قضايا ولم تصدر بحقهم أي أحكام قضائية"، وهي الصلاحية التي من المفترض أنها حصراً تعود للنائب العام والسلطة القضائية... فيمكن اعتبار ذلك بمثابة تغوّل للسلطة التنفيذية.

بالمقابل، وفي إحصاء تفصيلي أعدّه شباب "حزب الكرامة"، وحصلت "السفير العربي" على نسخة منه، نقرأ حصاداً دالاً يشير إلى إخلاء سبيل 117 مُتهماً. وقامت محكمة الجنايات بإخلاء سبيل 128 مُتهماً في قضايا مُختلفة إضافة إلى الـ 5 متهمين ممن تم العفو عنهم بقرار رئاسي، بما يجعل مجموع من أطلق سراحهم 250 مُتهماً في قضايا رأي أغلبهم تشملهم القوائم المقدمة من لجنة العفو الحالية. ثم يشير الإحصاء إلى رقم "صادم" وهو عرض 402 مُتهم جديد في قضايا جديدة أمام نيابة أمن الدولة العليا. ووفقاً لهذا، فإن عدد من تم القبض عليهم خلال شهرين يقارب ضعف من تم الإفراج عنهم!

الحرية المستعادة خارج المساعي السياسية

بالطبع، هناك إخلاءات تتم من النيابات والمحاكم بشكل دوري ولا يمكن إحصاؤها، في ضوء تشعب أطياف السجناء على ذمة تلك القضايا، حيث اتفقت روايات أغلب المخلى سبيلهم أنّ الغالبية العظمى لغير المنظمين في أيٍ من التيارات السياسية الرئيسية، وخاصةً ممن أوقفوا خلال ما هو متعارف عليه بـ "مواسم القبض" التي تشمل على سبيل المثال لا الحصر ذكرى "25 يناير" و"30 يونية".

من ناحية أخرى، يصعب حصر الأعداد في ظل تعدد النيابات العامة على مستوى الجمهورية علاوةً على انخراط دوائر القضايا في مباشرة جلسات تجديد الحبس الاحتياطي (في ظل القانون الجائر) عوضاُ عن التفرغ للنظر في الموضوع.

وعليه تصبح الصفحات المتفرقة لمحامين مصريين مختصين بالقضايا السياسية هي المصدر الرئيسي للمتابعة على مدار السنوات الماضية، حيث يجري الإعلان عن إخلاء سبيل أفراد أو عشرات من السجناء السياسيين من سراي النيابة العامة في المحافظات المصرية المختلفة.

 وفي مرات قليلة جرى الإعلان والاحتفاء بعدد واسع من الإخلاءات، لعل أشهرها ما جاء بتاريخ تشرين الثاني / نوفمبر 2020 حين أصدرت محكمة جنايات القاهرة قرارها باستبدال الحبس الاحتياطي لما يتجاوز 300 من المحتجزين - بينهم صحافيون وسياسيون - بتدابير احترازية لفترات غير محددة، في كافة القضايا التي تم نظرها في صباح ذلك اليوم.

وهكذا ينضم هذا الرقم لقائمة الأرقام السابقة والتالية التي تنتظر آلية تحقيق مؤسسي مستقل جاد. فإن كان عدد من يتم نظر قضاياهم في يومٍ واحد أمام دائرة واحدة هو 300 سجين سياسي، فما هو العدد الشامل؟ ولم لا تُعلن الدولة عما لديها في مواجهة التقديرات الحقوقية من داخل مصر وخارجها؟

وفى سياق متصل يمكن إلقاء الضوء على واقعة القبض على ما يقارب 4800 شخص مباشرة قبل ذلك، وتحديداً في 20 أيلول/ سبتمبر2019، تاريخ الذكرى الأولى للدعوة للتظاهر التي أطلقها الفنان المصري "محمد علي" وشهدت آنذاك ووفق تقديرات حقوقية القبض على ما يقارب 4000 متظاهر على امتداد المحافظات بالدعوة الأولى علاوة على ما يقارب نصف هذا العدد في 2020، وتقديرات حول الإفراج عن الغالبية العظمى منهم - ما يتجاوز 5000 سجين سياسي - عبر النيابات العامة على مدار السنوات الماضية دون إعلانٍ عن ذلك.

وماذا عن الضغوطات الخارجية كتأثر العلاقات المصرية الأمريكية بعد وصول بايدن للرئاسة وانتقاداته لملف حقوق الإنسان في مصر، وغيرها...

وهذه كلها معطيات مختلفة، تسمح بعشرات التأويلات، لكن ما هو ثابت في واقعة خروج أكبر دفعة وهي أولئك ال300 معتقل على سبيل المثال، أنه لا حرية أكيدة أو دائمة. فبعد أيامٍ قليلة من قرار الإخلاء، انكشف الحجاب عن "تدوير" عدد من السجناء في قضايا جديدة وأن إخلاء سبيلهم لم يكن إلا حبراً على ورق، ومن بينهم الصحافي الشاب المعروف باسم "محمد أكسجين"، .وكأن هناك أسماء غير مسموح بخروجها من جانب أجهزة بعينها.

ومن "التدوير" إلى مصطلح آخر عرفه هذا الملف وهو "القضايا الثلاجة"، أي تلك التي تظلّ مفتوحة وتستقبل متهمين جدداً بين الحين والآخر، كما لو أنّ الأمر هو تخزين وحفظ. والمحتجزون في "قضايا الثلاجة" لا رابط يجمعهم، ولا يعرف أغلبهم بعضه البعض، كما أنّ ظروف اعتقالهم وأسبابها ليست واحدة . أرقام قضايا الثلاجة يحفظها السجناء والمحامون والسياسيون والنشطاء عن ظهر قلب، ويضم كل منها ما يتجاوز مئات المتهمين.

وبعد كل ذاك يأتي الملف الأكثر وجعاً وإثماً وهو ملف "المختفين قسرياً" ومعه يحضر مرة أخرى مصطلح "ثلاجة"، لا للتدليل على قضية ما، وإنما عن أماكن غير معلومة تشمل أعداداً غير معلومة من الأرواح.

قراءة في حصاد الحصاد

في العام 2016، قدّرت "الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان" عدد السجناء السياسيين في مصر بـ 60 ألفاً، وهو يمثّل 56 في المئة من مجمل السجناء في البلاد البالغ عددهم 106 ألفاً. وهو العدد الذي لا يمكن إعتماده بثقة كاملة الآن ولكن يمكن القول "عشرات الآلاف" من السجناء السياسيين في مصر، دون حصر أكيد..

في مقابل ذلك لا تقدّم الحكومة أرقاماً رسمية، ولكن يخرج بين الحين والآخر إعلاميون موالون للسلطة لطرح أرقام دون التعريف بمصدرها، بهدف التدليل على عدم صحة المقولات الدولية والحقوقية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، قال مذيع تليفزيوني شهير في نهاية عام 2019: "عدد السجناء في مصر 114 ألف سجين، 84 ألفاً منهم صدرت أحكام نهائية ضدهم، و30 ألف حبس احتياطي وفقاً للقانون، وهو ما يعني أنه من بين 100 مليون مواطن هناك نسبة 0.1 في المئة فقط معاقباً، وبهذا تعتبر مصر من أقل دول العالم في عدد المساجين، بينما أمريكا من أعلى دول العالم في عدد المساجين"، مشيراً إلى سجن 700 من أصل كل 100 ألف مواطن أمريكي.

إضافةً إلى ذلك يتم رسمياً استعراض أرقام رئيسية ممن شملتهم قرارات رئيس الجمهورية بالعفو العام والجزئي في مناسبات اجتماعية ووطنية عديدة على مدار السنوات، تقدّر بما يقارب 10 آلاف سجين. ووفق استعراض قدمته إحدى الجرائد المحلية، فقد استفاد من تلك القرارات ما يقارب 500 من السجناء على خلفية قضايا التظاهر.

هذا بينما تقلل التقديرات الحقوقية بشكل كبير من حضور "السجناء السياسيين" في تلك القوائم أو على أقل تقدير عدم القدرة على حصرهم في ظل نية السلطة عدم التمييز بين السجناء السياسيين والجنائيين وعدم الاعتراف بوجود "سجناء رأي" في مصر.

وما بين هذا وذاك يمكن القول  -في أفضل تقدير - أنّ عدد من استردوا حريتهم عبر آلية العفو ووفق تصريحات السياسيين الفاعلين في لجان العفو والوساطات على اختلافها، لا يزيد عن 1000 سجين، وهي التقديرات التي تقارب تلك التي أدرجتها الصحف المحلية شبه الرسمية، وكذلك هناك تقدير تقريبي آخر عن أن عدد من تم إخلاء سبيلهم من قبل سراي النيابة أو المحاكم كدفعات جماعية كبرى قد يتخطى الـ 6000 سجيناً..

وشهدت مصر على مدار السنوات التسعة إخلاء سبيل نشطاء رئيسيين من بينهم ماهينور المصري (ألقي القبض عليها ثلاث مرات) وإسراء عبد الفتاح وأحمد ماهر مؤسس "حركة 6 إبريل" وحسام مؤنس (المتحدث باسم "التيار الشعبي") وغيرهم، بينما لا زالت السجون تضم أسماء أخرى على رأسها علاء عبد الفتاح (ألمضرب عن الطعام منذ 88 يوماً، وأحمد دومة ومحمد القصاص وعبد المنعم أبو الفتوح...).

هذا بينما لم تقدّم حتى الآن المؤسسات الحقوقية أو غيرها في مصر اجتهاداً مدققاً حول أعداد من استردوا حريتهم من سجناء سياسيين بشكل عام علاوةً على الدلالة الأخطر، وهو عدد المتهمين الجدد.

..

لائحة تلخيصية

هكذا هي الصورة عشية الوعد/ الخَطر أي قبل أيامٍ معدودات من إتمام السلطة لدعوتها لـ "الحوار الوطني"، وكذا تعليق المعارضة لحضورها ـ رغم القبول بأصل الدعوة ـ بشرط خروج أعداد واسعة من المعتقلين.

 إلى الآن لم يبدأ الحوار ولم تخرج دفعات واسعة ايضاً.

لا زال الجميع في مصر بانتظار ما سيأتي. وهناك حركة "بندول" (رقاص ساعة الحائط) تتذبذب بين وجهتي نظر تحمل كل منهما أمارات الوجاهة والوجع. فهناك من يرى أن كل جهدٍ مع تلك السلطة التي يعترض عليها ويعارضها، باتجاه خروج المعتقلين هو أمر أساسي وضميري، ولا يعني القبول بما يرفضه. وهناك من يرى أنه لا يصح السقوط في فخ استغلال هذا الملف على خصوصيته من أجل استدراج المعارضة لمشهد يُفقِدها دورها والتزامها بالمواجهة من أجل التعبير الصحيح عن مصالح ملايين البشر، وبما يسمح من ناحيةٍ أخرى للسلطة بالاستمرار في سياساتها، فتُفرج وقتما تريد عمن تريد دون اعتماد أصول، ودون حسابات أو ضغوط ممكنة. أليس ذلك ما يسمونه بـ "نظم الاعتباط"، وهي ممارسة مقصودة ومحسوبة ولها وظائفها؟

ويبقى الفيصل بين المسارين وإمكانية تلاقيهما في مسار ثالث هو مقدار ما قد يتحقق على الأرض من ذاك الأمل المنتظر. 

مقالات من مصر

للكاتب نفسه