مسألة الحضانة في لبنان: أبويّة تستمكن بـ"جنايات" القوانين الطّائفية

الحضانة أكثر المسائل ظلماً من الأحوال الشخصيّة والاجتماعيّة عموماً في لبنان. وتخضع ضمن طوائف لبنان الدّينيّة الـ18 لـ15 قانوناً، يُنهي صلاحية الأم في الحضانة بموجب "سقف" لأعمار الأطفال. ولا يزال النظام الأبويّ في لبنان يحترف ابتزاز الأم بطفلها، محفّزاً ومنتقماً من أعظم هشاشاتها العاطفية. وكم من أم مضطهدة في منزلها، تعرف ماذا ينتظر المطلقات، فتمسك عن طلب الطلاق خوفاً من حرمانها الأطفال.
2022-06-23

جودي الأسمر

كاتبة صحافية وباحثة من لبنان


شارك
| en
سعاد عبد الرسول - مصر

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

قلّة من اللّبنانيين لا تُجمع أنّه عند وقوع الطلاق، تنحاز قوانين الحضانة للآباء. وكثير منهم يعرف ويعترف أنّ انحيازها الذكوريّ ناجم عن مرجعيتها لمحاكم الطوائف، بضمانات المادة 9 الشهيرة من الدستور (1). تزعم هذه القوانين التّمنيع الإلهيّ، وتستبعدها السلطات الدينية والسياسية عن التعديل، مستعيدة أسطوانة "الأزمة" و"أولويّات البلاد" التي لا ترقى لها مسألة الحضانة، كأنّها لا تقرّر حياة آلاف الأمهات والأطفال!

تشغل الحضانة أكثر المسائل ظلماً من الأحوال الشخصيّة والاجتماعيّة عموماً في لبنان. وتخضع ضمن طوائف لبنان الدّينيّة الـ18 لـ15 قانوناً، يُنهي صلاحية الأم في الحضانة، بموجب "سقف" لأعمار الأطفال: 12 سنة للذكر والأنثى عند السُّنّة، وسنتان للذكر و7 سنوات للأنثى عند الطائفة الشيعية، وسنتان عند الطوائف الكاثوليكيّة، فيما يعتمد الرّوم الأرثوذكس سن الحضانة 14 سنة للذكر و15 سنة للأنثى. وتسري التباينات عند بقيّة الطوائف، لكننا سنعالج المسألة عند الطوائف الاربعة الكبرى المذكورة - فهي تشكّل الغالب الأعمّ لديموغرافيا لبنان- في ضوء المنعطفات، وحتى النجاحات الطفيفة والاخفاقات، والنّضال السّاري، وكلّه طافح بالدلالات.

"زانية" و"مجنونة" ولا مشاهدة!

تُسلب الأم الحضانة، والطفل الحضن باكراً بـ"مباركة" وبل بـ"أمر" قانونيّ من الطّائفة. وفي حالات منتشرة تُحرم الأم مجرّد رؤية الأولاد. وأرست بعض الطوائف معايير تحقيريّة للأم، فالطائفتان الكاثوليكيّة والشيعية، تتعاملان مع الحضانة وفقاً لحاجة الطفل البيولوجيّة، وتعرّفها بـ"الرّضاعة" لغاية سنّ السنتين.

وواقع الحال، أنّ المحكمة الجعفريّة في لبنان التي تشتهر بالحدّ الأدنى لسنّ الحضانة، تستند فقط إلى الآية القرآنيّة "والوالداتُ يُرضِعنَ أولادهنَّ حولينِ كاملينِ" (2)، فتختزل "الأمومة" بـ"إرضاع" الابن والابنة، وتلحق بالأخيرة 5 سنوات إضافيّة في كنف الأم. أمّا الكاثوليك، فيعطون للمحكمة الروحية "السلطة الاستنسابية" في تحديد ما يسمونه "الحراسة" (الحضانة) من الزوجين وفق ما تقتضيه مصلحة الطفل بعد بلوغه السنتين.

الملفت في المحكمة الجعفريّة، أنّ هذا التعسّف لا يطابق قوانين العراق حيث إقامة المرجع الشيعي علي السيستاني الّذي يتبعه الكثيرون من الشيعة في لبنان، ملتحقين بأحكام المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى. فالعراق-المرجع يبدو أقل تشدّداً، بتحديده عشر سنوات سنّاً للحضانة لدى الجنسين.

لا يزال مطلب "قانون مدنيّ للأحوال الشخصية" يفتح أبواباً لامتناهية من إساءة الفهم أو التظاهر به. يسلّط المعارضون للقانون، وأكثرهم رجال دين، اتهامات "غبّ الطلب" ضدّ الحملات والنشطاء الداعمين للقانون، وجلّها أنّ هؤلاء يخالفون "الحكم السماوي"، وتالياً فهم كفّار لا يتّفقون مع الهوى الجمعيّ "المؤمن"- ولو ارتضى بالظّلم أو مارسه، ويهددون بتخريب المجتمع والأسرة، دون نسيان تهم العمالة للسفارات الأجنبيّة.

أمّا عند الكاثولكيك، فيبدو القانون رائعاً في مراعاة "مصلحة الطفل" وتالياً مراعاة شطر هام من المصلحة العاطفيّة للأم، إلّا أنّ الاستثناءات الفضفاضة والجاهزة لتفسيرات يسوقها "الأقوى" سرعان ما ستظهر في الفقرة 2 من المادة 125 في قانون المحكمة الروحية، حيث "تُمنع الأم من حراسة الأولاد" لعدّة أسباب في مقدّمها "إذا كانت ناشزة أو سيئة السلوك"، وهذا ما يُأوَّل في مُعاش أمهات كثيرات بـ"زانية" و"مجنونة". وقد تكون الأم زانية ومجنونة معاً، لأنّ الأب شاء، والمحكمة الروحية ستصدِّق، مع إنّ الزّنا يستحيل فعلياً إثباته في أحكام كافّة الديانات. وسيفسّر "الجنون" أنّ الأم "غير قادرة على تربية الولد وصيانته" وقد يثبته الطليق باعتبار أنها تتناول مهدئات للأعصاب.

هذه المهزلة المتسلسلة بإيقاع أبويّ، تتجرعها سيدة اسمها "إلسي" (3)، وهي أم من الطائفة الكاثوليكية. فبعد اتهامها بالزنا، قامت الأم باختبار الحمض النووي وثبت أنّ الطفل ابن زوجها. وحين فشلت محاولته الأولى، قدّم الأب للمحكمة الروحيّة أوراقاً مزوّرة من طبيب نفسي يشخّص حالتها بـ"المضطربة عقلياً". علماً أنّ القصة ما كانت خرجت للعلن لولا عائلة تعتني "إلسي" "المجنونة" بتربية أطفالها. تضامنت العائلة مع مآسي الأم التي حكمت لها المحكمة الروحيّة بمشاهدة ابنها 6 ساعات أسبوعياً فقط وفي مخفر مدينة زحلة!

صنوا "الدين، السياسة" و... لا حضانة ولا مشاهدة!

"يا ليتها الرصاصة بقلبي. أنا مشتاقتلك كتير يا عمري. يا ماما قوليله لله ياخذني لعندك!".

هذه لمحة عن صرخات القهر تتدفق من فيديو انتشر بتاريخ 5 شباط / فبراير 2020 هاجت وماجت على إثره مواقع التواصل الاجتماعي في لبنان. تجثو لينا جابر منهارة أمام قبر ابنتها مايا، التي حُرمت منها حيّة وميّتة. مُنعت الأم حضور جنازة ابنتها المتوفاة قبل 62 يوماً. لكن كيف؟ أصيبت الابنة البالغة 15 سنة بطلق ناري لم تُعرف أسبابه حتّى اليوم. وسَيّج الأب القبر مخصوصاً ليمنع طليقته حتّى من لمسه!

 جاءت الأم تنتحب مع عجزها المديد من خلف السياج الحديدي، تصوّرها ابنتها الثّانية الّتي نسمع شهقات بكائها خلف العدسة. وعلاوة على ذلك، سوّغ الأب أفعاله باتهامه الأم بـ"الخيانة الزوجية"، وانضم إليه شيخ من المحكمة الجعفرية يصف بكاء الأم المنهارة بـ"العواطف المهترئة والعفنة"! (4)

تشتهر المحكمة الجعفريّة في لبنان بالحدّ الأدنى لسنّ الحضانة، مستندة فقط إلى الآية القرآنيّة "والوالداتُ يُرضِعنَ أولادهنَّ حولينِ كاملينِ" فتختزل "الأمومة" بـ"إرضاع" الابن والابنة، وتلحق بالأخيرة 5 سنوات إضافيّة في كنف الأم. أمّا الكاثوليك، فيعطون للمحكمة الروحية "السلطة الاستنسابية" في تحديد ما يسمونه "الحراسة" (الحضانة) من الزوجين وفق ما تقتضيه مصلحة الطفل بعد بلوغه السنتين. 

على صفحتها في فايسبوك، قالت مبادرة "الحملة الوطنية لرفع سن الحضانة لدى الطائفة الشيعية" إن لينا حُرمت رؤية ابنتها منذ سنتين بقرار صادر عن المحكمة الجعفريّة. والأمر ينسحب على كلّ الطوائف، حيث مشاهدة الطّفل تحدَّد باجتهاد منحاز للأب، ولا تتخطّى المشاهدة في أحسن الأحوال 48 ساعة أسبوعيّاً. وهذا الوجع ليس هامشاً، ويقترن في حالات كثيرة بإلزام الأم بمشاهدة الطفل في المخفر.

"أمر واقع" فرضته المحكمة الشرعية السنّيّة في طرابلس على "مطيعة الحلّاق"، برؤية ابنها طه في المخفر 6 ساعات أسبوعيّاً، "بتدخّل من نائب سابق ينتمي إلى تيّار دينيّ نافذ". الأم رفضت: "المخفر ليس المكان اللائق بطفلي"، فراحت تشاهده خلسة قرب المدرسة. وبمرور 8 سنوات حان موعد التخرّج، فلم تشئ تفويت المناسبة "ولو جئتُ زحفاً"، تقول. مطيعة التي لم ترتدِ الحجاب يوماً، دخلت المسرح متخفّية وراء برقع أسود وغطّت كفّيها بالسواد. "حملتُ له قرآناً صغيراً، وكيساً من الشوكولاته هدية. اقتربتُ من ابني بحذر، وتعمّدت تغيير مشيتي حتّى لا يكشف أحد أمري".

ومنذ نحو 13 عاماً، آثرت الكاتبة الصحافيّة "بادية فحص" رفض المشاهدة المهينة هذه. بادىء الأمر، هدّدها الزوج بعدم رؤية الأطفال، ثمّ نفّذ وعيده، فـ"الشرع معه". ثم مُنحت الحق برؤية طفليها إياد (كان وقتها عمره عامان وسبعة أشهر) وعلي (سبعة أشهر) بين 24 و48 ساعة أسبوعيّاً، على أن تحضرهما قوى الأمن. لكن الأم رفضت. وكشفت بدون تردّد تبعات قرار "ذئب المحكمة الجعفريّة" من تعرضها للتحرّش في المخافر وتعنيف لفظي وشتائم... التجأت أخيراً الأم لدقائق مقتنصة على باب المدرسة ترى الطفلين، لأنّ إدارة المدرسة لم تسمح لها بالكلام معهما مخافة إثارة غضب الأب الذي توعّدها.

عند الكاثولكيك، يبدو القانون رائعاً في "مراعاة مصلحة الطفل" وتالياً مراعاة شطر هام من المصلحة العاطفيّة للأم. إلّا أنّ الاستثناءات الفضفاضة والجاهزة لتفسيرات يسوقها "الأقوى" سرعان ما ستظهر في الفقرة 2 من المادة 125 في قانون المحكمة الروحية، حيث "تُمنع الأم من حراسة الأولاد" لعدّة أسباب في مقدّمها "إذا كانت ناشزة أو سيئة السلوك"، وهذا ما يُأوَّل في مُعاش أمهات كثيرات بـ"زانية" و"مجنونة".

هكذا، تدفع ابنة رجل الدين الشهير الراحل، السيد هاني فحص، فاتورة قاسية في أمومتها. هي بنظر المحاكم الدينيّة أمّ، وهي أيضاً ابنة الشيخ المعروف بالموقف المعارض للحزب الأقوى نفوذاً في لبنان، وقد دعمت هذه الجهة السياسية طليق فحص، و"مات والدي بدون أن يرى حفيديه".

لا يقف الاضطهاد عند هذا الحد. فإن بقي الطّفل ضمن سنّ الحضانة، ستُمنع الأم عن الحضانة كلّيّاً إن كانت على غير دين الأب. وإن تزوّجت رجلاً بعد طليقها (عند السّنّة تحتفظ الأم بالحضانة لغاية بلوغ الطفل/ة الخامسة) أو في حال كان الزوج محْرماً للطفل/ة)، فيما الأب يحقّ له الزّواج بمن يريد، ويحتفظ بالأولاد.

ظاهريّاً، لم تنكر السلطة الدينية الشيعيّة المظالم، فهي "تدين" القرارات الصادرة عن "عدد كبير من قضاة المحكمة الجعفرية في لبنان"، وذلك بلسان رئيس المحكمة الشرعية في المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى السيد علي مكي، وقد نفى في مقابلة "وجود أي سند شرعي يحدّد مدة للوالدين المتنازعين لرؤية أطفالهما" (5).

الكلام جيد، لكنه لا يميط الظلم.

عمليّاً، لا خطوة إصلاحية واحدة تُحسب للمحكمة الجعفريّة في قضايا الحضانة. وقد مرّ على هذه المقابلة أكثر من سنة، وجاءت بعد أكثر من سنة ونصف (2020) على إعلان رئيس المحكمة الجعفرية، الشيخ محمد كنعان، اقتراح سُمّي آنذاك بـ"ورقة إصلاحيّة" يعتمد على "دفتر شروط" يقرره الزوجان عند تسجيل الزواج، ويتيح للزوجة أن تشترط الحضانة في حال وقوع طلاق. لكن بحجة انتشار "كورونا"، بقي الدّفتر وشروطه حبيس الأدراج. والمبادرة اكتفت بـإطلاق "قنبلة صوتية"، فالمحكمة الجعفريّة تغطّ في سبات تشريعيّ عميق.

منعطف 17 تشرين

حتّى اليوم، وكلّ يوم أكثر، تؤكّد محادل الحضانة أنّ هالتها الطّائفيّة وهمٌ، تتكرس به وتستديمه أحزاب طائفيّة بهدف حفظ مرجعيّتها السياسيّة الّتي تشتغل لصالح المنظومة الأبويّة، والتي يفعّلها الذكوريون من رجال دين وآباء وغير الآباء.

مسألة تداولها المجتمع اللّبنانيّ وخصوصاً الشيعيّ، حين استقال في 19 تموز/يوليو 2019 نواف الموسوي من كادر العلاقات الدولية لـلحزب الشيعيّ العقائديّ ومن عضوية مجلس النواب اللبناني، وذلك بسبب نزاع حول حضانة الأطفال بين ابنته وطليقها الّذي اعتدى عليهم بقوّة السّلاح، فقام النائب بتهديده أيضاً بالسلاح. انقسمت الآراء بين مَن يعتقد أنّه أُجبر على الاستقالة حتّى لا يُحرَج الحزب، وبين من رأى أنّه استقال من تلقاء نفسه حتّى لا يُحرِج نفسه أمام الحزب. وتفترض الحالتان انحياز الحزب لصالح الطّليق لا الأم.

وفي تشرين الأول 2019، قضت الناشطة النسويّة "نادين جوني" (29 سنة) بحادث سير، فانبرت الحملات النسوية الغاضبة تعيد قضيّة الحضانة للواجهة، وتفنّد أبوية المحاكم الدينيّة. نضال لطالما تقدّمته نادين بالصوت واليافطات المرفوعة، بعد أن حرمتها المحكمة الجعفريّة باكراً من طفلها كرَم. وجاهدت الأم "حتّى النفس الأخير" في سبيل رؤية ابنها أو النوم بقربه. وكانت تُدوّن على صفحتها على "فايسبوك" تفاصيل المعاناة، إلى أن وقعت النهاية الدراماتيكية وتحوّلت الصفحة إلى مساحة تأبين، واقترن هاشتاغ اسمها بقصص تشجّعت مطلقات محرومات من الحضانة لإخراجها أكثر فأكثر للعلن.

وبحلول أيام على وفاتها، تلاحمت قصّتها الساخنة والآلاف من مثيلاتها، مع "لحظة" التغيير في انتفاضة 17 تشرين/أكتوبر 2019. أُعطيت الحركة المطلبيّة حول الحضانة نفساً جديداً ظهّر مآسي المسألة بأدوات "الثورة" على منصّات التواصل الاجتماعيّ. ولا عجب بأن يشكّل كفاح وموت نادين قصّتها النّموذجيّة، موسومة بـ#حضانتي_ضدّ_المحكمة_الجعفريّة. والجديد كذلك، وخصوصاً، أنّ هذا الشّعار شكّلته دعوات لفصل القرار الدّيني عن حضانة الطّفل، وكلّ شؤون الأسرة من خلال إقرار "قانون مدنيّ موحّد للأحوال الشّخصيّة".

وتستمرّ منذ نحو ثلاث سنوات "المعركة" بين السّلطة الدّينيّة الشّيعيّة والحملات الّتي تسعى لـ"مدننة" وتوحيد قوانين الحضانة، أهمّها: منظمة "كفى"، منظمة "أبعاد"، منظمة "Fe-male"، وأخرى تعُنى بالحقوق المدنيّة عموماً، فضلاً عن منصّات إعلاميّة مناصِرة.

ومع كشف الفساد الأخلاقي والمالي في المحاكم ولدى من يسندها، تعمل في مسار حقوقيّ موازٍ منظّمة "كفى" على تحشيد المناصرة لمشروع قانون مدنيّ موحّد للأحوال الشّخصيّة أطلقته في أواخر 2019 ضمن حملة عنوانها "صار بدها قانون مدني موحد للأحوال الشخصية"، يعطي صلاحية التطبيق المطلقة للمحاكم المدنية. وفي حالة الانفصال، ينصّ مشروع القانون على خطّ اتفاقية طلاق مشتركة بين الزوجين لدى كاتب العدل، تتضمن بالتفصيل كيفية تنظيم إقامة الأولاد والإنفاق. وتتواصل السمة "المشتركة" للسلطة الوالدية، فإذا كان الطفل "قاصراً مميِّزاً" لا تُتخذ القرارات إلا بالتشاور معه، مع إعطاء الأولوية لإقامة الطفل مع والدته في منزل الأسرة (6).

لكن مطلب "قانون مدنيّ للأحوال الشخصية" لا يزال يفتح أبواباً لامتناهية من إساءة الفهم أو التظاهر به. يسلّط المعارضون للقانون، وأكثرهم رجال دين، اتهامات "غبّ الطلب" ضدّ الحملات والنشطاء الداعمين للقانون، وجلّها أنّ هؤلاء يخالفون "الحكم السماوي"، وتالياً فهم كفّار لا يتّفقون مع الهوى الجمعيّ "المؤمن"- ولو ارتضى بالظّلم أو مارسه، ويهددون بتخريب المجتمع والأسرة، دون نسيان تهم العمالة للسفارات الأجنبيّة.

وفي ضوء هذا التخوين الأزلي، كانت "الحملة الوطنية لرفع سن الحضانة لدى الطائفة الشيعية" التي أسستها زينة ابراهيم عام 2012 (وشاركتها نادين جوني) تحرص على سياسة عدم قبول التمويل، وهذا يستأنس بتجربة "شبكة حقوق الأسرة" (توصلت لتعديل قانون الحضانة السني عام 2011) ليس في الامتناع عن التمويل فحسب، بل بمحاولة تعديل القانون في قلب المحكمة الدينية، بدعم من شيوخ منفتحين. وعلى الرغم من ذلك، لم تسلم الحملة من هجوم شيوخ في المجلس الإسلامي الشيعيّ، وقد اتهمها البعض بإضمار أجندة "إسرائيلية"، تهدف إلى "إيذاء البيئة المعادية لإسرائيل" من خلال "الطرق الاجتماعية الدخيلة" (7) !

انتصارات "من قلب الطائفة"

عام 2011، عدّلت "شبكة حقوق الأسرة" القانون الطائفيّ السنّيّ من خلال رفع سنّ الحضانة إلى 12 سنة للذكور والإناث، وفي الواقع هو آخر انتصار في تعديل سنّ الحضانة عند السّنّة.

يجدر تناول التّجربة السّنيّة في كلّيتها واختلافها المنهجيّ عن الحراك المنبثق عن انتفاضة تشرين.

ففي عام 2005، أسست "شبكة حقوق الأسرة" المحامية "إقبال مراد دوغان". وتعمّدت حملتها الضاغطة تجزئة قوانين الأحوال الشخصيّة، مبتدئة بسنّ الحضانة عند الطائفة السنية تحت عنوان "13-15"، بالتوازي مع إعداد حركة مطلبيّة عابرة للطوائف.

وتوصلت الحملة في حزيران/يونيو 2011 لرفع سن الحضانة عند السنّة من 7 سنوات للصبيان و9 سنوات للفتيات، إلى 12 سنة للجنسين، وذلك بقرار من المجلس الشرعي الإسلاميّ الأعلى بغالبية أعضائه (14 صوتاً مقابل 13)، وقد اتخذ القرار مفعوله بعدما أقره المجلس النيابي في آب/أغسطس 2011، بموجب إقرار القانون رقم 177 الرامي إلى تعديل المادة 242 من قانون تنظيم القانون الشرعي السني والجعفري.

"قرّرت الشبكة التعديل من داخل المحاكم الدّينيّة، مع أنّ هدفنا المثاليّ والواجب هو قانون مدني موحد للأحوال الشخصية، لكن مآسي المرأة والطفل لا تنتظر، وهذا لا يعني أنّ حملتنا لم تتعرض لمعارضات وتمييعات ومماطلات طوال 6 سنوات، وبالأخص من النواب السّنّة" (8) بحسب دوغان، التي توجّهت مباشرة إلى المحاكم الشرعية وتحدثت للشيوخ. وقد شقّت في محاججة الدّين بالدّين سبيلاً لاقى نجاحه. وشكّلت النّاشطة حالة تقدّميّة في معارضة القوانين الدّينيّة في لبنان، لأنّها ابنة رجل دين، والبعض يراها وجهاً من "النسويّة الإسلاميّة".

وعلى الرغم من وعودهم، ماطل أصحاب القرار طويلاً في إنفاذ التعديل. وحين "طفح الكيل"، تجمهرت الحملة في اعتصام حاشد يوم 5 حزيران/ يونيو أمام باب دار الفتوى، وقد علمت أنّ المجلس الشرعي الاسلاميّ ينعقد في آخر اجتماع قبل بدء العطلة الصيفية. سريعاً، أقفل المفتي باب الدار، ولم يلبّ الاعتصام طلب المسؤولين بالمغادرة، ولسان حال الناشطات والنشطاء "نحن ننتظر هذا التعديل منذ خمس سنوات، فهل يضيرنا الانتظار لبضع ساعات إضافية؟". بحلول ثلاث ساعات، خرج المفتي معلناً بنفسه التعديل، فسجّلت الحملة انتصاراً.

وكانت "شبكة حقوق الأسرة" انطلقت من دراسة قوانين الحضانة في جميع البلدان العربية، فاستجْلت أنّ قانون الحضانة في لبنان هو الأكثر ذكوريّة. وفي اجتماع عام 2006، دعا رئيس المحاكم الشرعية جميع القضاة إلى منزله. وأجمع هؤلاء على غياب أي نص ديني له علاقة بسنّ الحضانة، كون المذاهب الشرعية تترك الباب للاجتهاد في هذا الموضوع. ولا شكّ أنّ هذا الاجتماع شكّل منعطفاً مفهوميّاً، تتظهّر اليوم ضرورة التذكير به على مستويين: دحض المخاوف العالقة في العقلية المتديّنة، ومخالفة الفكرة السّائدة بأنّ الطّائفة السنية أغلقتْ باب الاجتهاد!

ليس الوضع موحداً عند المسيحيين!

تبدو الطّائفة الأرثوذكسيّة الأكثر تقدّميّة لناحية سنّ الحضانة (ارتفع من 9 إلى 15 سنة للبنات، ومن 7 إلى 14 للصبيان)، علاوة على أنّها تُراكِم خطوات نحو الأمام: العمل جارٍ اليوم في "بطريركية إنطاكية وسائر المشرق" على مشروع قانون جديد يساوي سنّ الحضانة إلى الـ15 عند الجنسين، ويحصر حضانة الأخوة عند واحد من الزوجين، حتّى يُتمّ جميع الأولاد سن الحضانة. هذا ما كشفه (9) رئيس المحكمة الروحية الأرثوذكسية في مطرانية طرابلس والكورة وتوابعها، الأب الدكتور ابراهيم شاهين، فـ"قد أظهرت عشرات القضايا الأذى النفسي الملحق بالأخوة الذين ينفصلون بفعل سنّ الحضانة. ونحن نتوخّى مصلحة الطفل الفضلى فوق كلّ شيء".

عام 2011، عدّلت "شبكة حقوق الأسرة" القانون الطائفيّ السنّيّ من خلال رفع سنّ الحضانة إلى 12 سنة للذكور والإناث، وفي الواقع هو آخر انتصار في تعديل سنّ الحضانة عند السّنّة. ففي عام 2005، أسست "شبكة حقوق الأسرة" المحامية "إقبال مراد دوغان". وتعمّدت حملتها الضاغطة تجزئة قوانين الأحوال الشخصيّة، مبتدئة بسنّ الحضانة عند الطائفة السنية تحت عنوان "13-15"، بالتوازي مع إعداد حركة مطلبيّة عابرة للطوائف.

"قرّرنا العمل على التعديل من داخل المحاكم الدّينيّة، مع أنّ هدفنا هو قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية، لكن مآسي المرأة والطفل لا تنتظر. تعرضت حملتنا لمعارضات وبالأخص من النواب السّنّة. توجّهنا مباشرة إلى المحاكم الشرعية وتحدثنا للشيوخ"، فكانت محاججة الدّين بالدّين سبيلاً ناجحاً. ودرست "الشبكة" قوانين الحضانة في جميع البلدان العربية، فاستجْلت أنّ القانون في لبنان هو الأكثر ذكوريّة. 

على النقيض، لا تزال مسألة الحضانة عند الكاثوليك مستعصية، ولم يتخلّلها أي تعديل.

الأسباب متضافرة، منها المستجدّ في تلبّد علاقة المحكمة الروحية بالفاتيكان في السنوات الست الأخيرة، ومنها بنيويّ متعلّق بالقانون، ومنها ثقافيّ مترسَتهُ تصوّرات خاطئة حول سلطة المحاكم.

أوّلاً، يتركّز الجدل الحاليّ في أروقة الرهبانيات والمحاكم الروحيّة في مسائل ما قبل الحضانة، وخصوصاً صعوبة الطلاق الّذي يـُسمّى بـ"البطلان"، وانفجار تكاليفه بالدولار تزامناً مع الأزمة النقدية في لبنان، بالاضافة لملفّات الفساد الإداري، ومغبات التستّر على الخوري المتحرش الذي جرّمته الفاتيكان وفرنسا. لذا فإنّ نزاهة المحكمة الروحية مهزوزة عند الفاتيكان أكثر من أي وقت مضى، و"الأهداف" ليست الحضانة.

ويتكشّف التخلّف في بنية القانون نفسه، إذ لا يخصّص جزءاً لحضانة الأولاد بعد الانفصال. أمّا سنّ الحضانة المحدّد بسنتين، فهو إسقاط ذكوري على سنّ الرّضاعة، وهو وارد في فصل "السلطة الوالدية وحراسة الأولاد حتى بلوغهم سنّ الرّشد"، ويُقرأ ك"توزيع مهام" على الوجه الآتي: "الإرضاع يختصّ بالأم. أمّا سائر حقوق وواجبات السلطة الوالديّة فمحصورة مبدئيّاً بالأب" (المادة 123).

تبدو الطّائفة الأرثوذكسيّة الأكثر تقدّميّة لناحية سنّ الحضانة (ارتفع من 9 إلى 15 سنة للبنات، ومن 7 إلى 14 للصبيان)، علاوة على أنّها تُراكِم خطوات نحو الأمام: العمل جارٍ اليوم في "بطريركية إنطاكية وسائر المشرق" على مشروع قانون جديد يساوي سنّ الحضانة إلى الـ15 عند الجنسين، ويحصر حضانة الأخوة عند واحد من الزوجين، حتّى يُتمّ جميع الأولاد سن الحضانة.

ومن نافل القول، أنّ الكاثوليك وكلّ اللبنانييّن يلازمهم الموروث الثقافيّ الزّاعم بأنّ أحكام الكنيسة الروحية تمثّل الفاتيكان مع كامل هيبته السماويّة. الحقيقة مغايرة، وهي تمنح فرصاً معتَبرة لإصلاح مسار الحضانة عند الكاثوليك، لأنّ محاكم "الكرسيّ الرسوليّ"، التي يرأسها البابا مباشرة "تشمل سلطته الروحية والإدارية (فقط) كلّ المؤمنين في العالم الكاثوليكيّ" كما أنّ "محكمة الروتا الرومانية الرسوليّة" المنبثقة عن الكرسي الرسولي تمثّل محكمة الاستئناف الأعلى للكاثوليك، و"الوحيدة" في العالم التي يحق لها أن تنتج الاجتهاد الكنسيّ، ولكنّها "لا تنظر في المفاعيل المدنيّة للزواج كالنفقة والحراسة والحضانة (إذاً، فإنّ الحضانة بتعريف الفاتيكان مسألة مدنيّة!) والمشاهدة والاصطحاب وغيرها". والمفارقة العجيبة، أنّ هذه التعريفات معروضة على الصفحة الرسميّة الخاصة بالمحاكم المارونيّة (10)!

خلاصات: تمييز متعدّد

في سياق موازٍ، يَثبت أنّ الحالة السّنّية هي الوحيدة الّتي تقدّمت من خلال حراك شعبيّ، وذلك بخلاف الحالات الأخرى لتعديل قوانين الأحوال الشخصيّة (الأرثوذكس 2003، الإنجيليون عام 2005 والدروز عام 2017) التي تسقطها السلطات الدينيّة العليا وتتشابك مع دوائر نفوذ خارج لبنان، ما لا يعني أنّها لا تتّسق مع مطالبات لبنانيّي هذه الطوائف.

غير أنّ الانجاز السنّي، على أهميّته، لا ينفي أنّ قراره كان ولا يزال "مملوكاً" بأيدي سلطات ذكوريّة، من مجلس النواب، إلى رئيس الحكومة، وطبعاً المفتي. ويتحدّث أيضاً الباحث سامر غمرون عن محاولة قضاة الشّرع حماية سلطاتهم، وذلك بعد دخول هؤلاء في مواجهة مع قضاة الأحداث، في السنوات ما بين 2007 و2021 "كان بعض قضاة الأحداث قد اعتبروا أنّ تطبيق قواعد الحضانة الدينية من قبل المحاكم الشرعية قد يضع بعض الأطفال في حالة خطر تستدعي تدخلّهم. وفرض هذا العامل منطقاً تنافسياً بين المنظومتين القضائيتين حول الجهة المؤهّلة حماية الطفل، ما ضاعف القلق الموجود عند القضاة الروحيين والشرعيين".

من جهة ثانية، سمح هذا التغيير بتشخيص عوامل هيكليّة مستمرة، وقابلة للاستثمار:

تعيش المؤسسات القانونية الدينية تخبّطات إزاء الدور "التشهيري" والضاغط على وسائل التواصل الاجتماعيّ الذي تمارسه منذ عقدين الحراكات النسوية والحقوقية، فهي موضعت هذه المحاكم الدينية والناطقين باسمها في موقف دفاعيّ مستمر.

ومهّد للتغيير الشرعيّ عند السّنة وجود قضاة "إصلاحيين" ولو بعدد أقلّيّ، تقول دوغان والعديد من الناشطات النسويات، أنّهم كانوا "حلفاء" لهنّ من داخل المحكمة.

لا يزال النظام الأبويّ في لبنان يحترف ابتزاز الأم بطفلها، محفّزاً ومنتقماً من أعظم هشاشاتها العاطفية. كم "إلسي" و"مطيعة" و"لينا" و"بادية" و"نادين" في لبنان يُحرمن أطفالهنّ بقوانين طائفيّة جائرة. وكم من أم مضطهدة في منزلها، تعرف ماذا ينتظر المطلقات، فأمسكت عن طلب الطلاق خوفاً من حرمانها الأطفال.

في العام 2015، وحال الحضانة لم يتغيّر، راجعت "هيومن رايتس ووتش" 101 حالة من قرارات المحاكم المسيحية والإسلامية والدرزية، فوجدت أنّ المحاكم الدينية "نادراً ما كانت تنظر في سلوك الأب عند الفصل في قضايا الحضانة، بينما كانت تدقق في سلوك المرأة بطرق تعكس تحيزات أو تنميطات اجتماعية. ونتج عن هذا رفع احتمالات إسقاط الحضانة عن المرأة أكثر مما عن الأب" (11).

في انتفاضة "تشرين الاول 2019"، أُعطيت الحركة المطلبيّة حول الحضانة نفساً جديداً ظهّر مآسي المسألة بأدوات "الثورة" على منصّات التواصل الاجتماعيّ. والجديد كان انتشار دعوات فصل القرار الدّيني عن حضانة الطّفل وكلّ شؤون الأسرة من خلال إقرار "قانون مدنيّ موحّد للأحوال الشّخصيّة".

التمييز ليس جنسانياً فقط، بل أبعد، فإذاً أبشع من ذلك. سلطات الحضانة المرعية الإجراء في لبنان تميّز بين الأمهات أنفسهنّ، وبين الأطفال أنفسهم، وبين الذكور والإناث من الأطفال في العائلة نفسها، على قاعدة طائفيّة يجب التأسيس لإزالتها. وهذا يجري...

من ناحية أخرى، تصطدم بصائص الأمل بجدار طائفي سميك. ورغماً منه، وبسببه، لا تزال الحراكات المطلبيّة تحرّك المياه الراكدة، فتراكم النضال لأجل الحضانة، ولها وعليها أيضاً أن تستفيد من هوامش النجاح. ولبلوغه فإن المسار متناثر بين الطوائف، ومعلّق بفضاءاتها الاجتماعيّة التي تُعرِّضه لإحباطات متوالية... وهذا دليل عافية، لأنّ المهم أنّه لا يقف! 

محتوى هذه المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________________

 1- تقول المادّة 9 من الدستور اللبناني: "حریة الاعتقاد مطلقة والدولة بتأدیتها فروض الإجلال الله تعالى تحترم جمیع الأدیان والمذاهب وتكفل حریة إقامة الشعائر الدینیة تحت حمایتها على أن لا یكون في ذلك إخلال في النظام العام وهي تضمن أیضاً للأهلین على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصیة والمصالح الدینیة".
2- الآية 233 من سورة "البقرة"
3- https://bit.ly/3NslykN
4- المدن – "عذابات النساء "دفتر شروط المحاكم الجعفرية: الإصلاح قنبلة صوتية" (almodon.com)
5- https://al-akhbar.com/Community/302629
6- https://kafa.org.lb/ar/media/358
7- فاطمة الموسوي وسارة البنّا "تعديل سن الحضانة لدى الطوائف في لبنان"
8- مقابلة أجريت عبر الهاتف مع المحامية إقبال دوغان، حزيران/ يونيو 2022
9- مقابلة أجريت عبر الهاتف مع الأب ابراهيم شاهين، حزيران/يونيو 2022
10-الصفحة الرسمية للمحاكم المارونية: http://bkerki.org/tribunalmaronite.html
11- https://www.hrw.org/ar/news/2015/01/19/266120

مقالات من لبنان

للكاتب نفسه