المرأة الفلسطينية: المقاومة والتغيرات الاجتماعية
شهادات حية من لبنان 1965 - 1985

الكثيرون ممن كانوا يقولون "انسوا مرحلة عمان" (حين رحل الفلسطينيون من هناك إلى بيروت)، أخذوا يقولون "انسوا تل الزعتر"، والآن يقولون "انسوا بيروت"، كأن ليس هنالك رابط بينها. هنا وأنا في الضفة الغربية، في منطقة نابلس، أسمع أن بيروت اختفت، "لا تتكلموا عن بيروت". قد تكون بيروت اختفت، لكنني بنت فتح من الثورة: فتح لم تختف. لا نعرف تاريخنا.
2022-06-16

شارك
غلاف النسخة الإنجليزية من كتاب "المرأة الفلسطينية: المقاومة والتغيرات الاجتماعية" للباحثة الفلسطينية جهان حلو. المصور: يوسف القطب

جهان حلو*

حمدة عراقي واحدة من تلك الفلسطينيات والفلسطينيين اللذين تمكنوا من العودة بعد اتفاق أوسلو. تعيش الآن في نابلس بعد سنوات من النفي مع عائلتها في مخيمات لبنان. وكما الكثيرات ممن أجريت معهنّ مقابلات، عاشت المراحل المختلفة للنضال الفلسطيني في المخيم، بدءاً من النكبة نفسها في العام 1948 حين وصلت رضيعةً إلى لبنان، وحتى الاجتياح الإسرائيلي في 1982، وكانت ضابطة في سلاح اللاسلكي في حركة فتح.

عاشت حمدة تحت القبضة القمعية لـ "المكتب الثاني اللبناني" (مخابرات الجيش) في البداية، ثم رافقت نمو حركة المقاومة، والحصار الطويل لمخيم تل الزعتر الفلسطيني، والاجتياح الإسرائيلي ومجزرة صبرا وشاتيلا. حملها التزامها بالثورة على الالتحاق بدورات تدريبية في الكهرباء والمواصلات، وأصبحت عقيداً في قسم فتح اللاسلكي. وكانت عضواً في الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية وفي حركة فتح.

تروي:

عائلتي بالأصل من قرية في فلسطين بين حيفا وعكا تسمى نخلة النصف. اليوم يسكنها يهود روس ويسمونها "كريات موتزكن". اقتلعت عائلتي عام 1948. كان لديهم مشاكل حول الأرض مع البريطانيين قبل أن يأخذها اليهود. طَردنا الاحتلال الصهيوني. تعذب أهلي كثيراً للوصول إلى جنوب لبنان حين كنت أبلغ بالكاد بضعة أشهر. ترعرعتُ وأنا أعرف أننا نعيش كمنفيين في بيروت. في العام 1965 أجبرنا على الذهاب إلى مخيم تل الزعتر- كنا حوالي 13-15 عائلة، كلنا أقرباء.

كان من الصعب البناء في المخيم. بنينا غرفتين صغيرتين بسقف من الزنك... يخترقها الرصاص بسهولة، وفي فصل الشتاء لا نتمكن من سماع بعضنا البعض بسبب صوت المطر على السقف. في الصيف كان الجو لاهباً وفي الشتاء قارساً.

كنا ست فتيات وصبيين. وكان همّ والدي أن يطعمنا. العمل الوحيد المتوفر كان قطف البرتقال.

درست في مدرسة وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في منطقة النهر حتى السادس ابتدائي وأكملت المتوسطة في سن الفيل حتى "البريفيه". كان لدى الوكالة صفين بعد الصف السادس. أردت أن أسجل في مدرسة ثانوية لكن كانت الأمور صعبة، فبدأت العمل في "شركة غندور" للبسكوت.

كان وضع النساء في المخيم صعباً. بعض العائلات لم تكن تسمح للبنات بالخروج. النساء المتقدمات بالسن كنّ يعملن في حدائق الزهور القريبة. والنساء اليافعات يعملن في شركة غندور أو كخادمات.

لكننا تمكننا من الخروج وحدنا، لأنّ والدي ترعرع يتيماً، وكان لا يحب أن يزعج بناته. كان يقول، "لا بأس من ازعاج الصبيان، ولكن ليس البنات"!

"المكتب الثاني" اللبناني كان قمعياً جداً. كنا على سبيل المثال، لو أردنا أن نضع مسماراً أو نبني شيئاً، نحتاج للحصول على موافقة المكتب الثاني، وكان علينا أن نقدم إليهم رشوة. إذا أثار أحدهم المشاكل كانوا يحتجزونه مدة شهر ثم يطلقون سراحه ليتسبب بمشاكل إضافية – وبهذه الطريقة يستمر الناس بالدفع.

انضممت إلى حركة المقاومة حين عقد جيش التحرير الفلسطيني دورات تدريب وكانت هناك بنات يتدربنَ أيضاً. من شباك منزلنا الذي هو قريب من مخيم التدريب كنا نشاهد البنات في لباسهنّ العسكري وأردنا الانضمام، ولكن خفنا أن نطلب. كانت نسيبتي تقول لنا دائماً أن ننضم، فسجّلنا. اشترينا بذلاتنا العسكرية مقابل خمس ليرات من "البالة" (الثياب المستعملة) وبدأنا بالتدريب.

في العام 1965 أجبرنا على الذهاب إلى مخيم تل الزعتر. كان من الصعب البناء في المخيم بسبب ضغوط "المكتب الثاني" اللبناني (مخابرات الجيش) الذي كان قمعياً للغاية. بنينا غرفتين صغيرتين بسقف من الزنك... يخترقها الرصاص بسهولة، وفي فصل الشتاء لا نتمكن من سماع بعضنا البعض بسبب صوت المطر على السقف. في الصيف كان الجو لاهباً وفي الشتاء قارساً. 

انضممت إلى حركة المقاومة حين عقد جيش التحرير الفلسطيني دورات تدريب وكانت هناك بنات يتدربنَ أيضاً. من شباك منزلنا الذي هو قريب من مخيم التدريب كنا نشاهد البنات في لباسهنّ العسكري وأردنا الانضمام، ولكن خفنا أن نطلب. كانت نسيبتي تقول لنا دائماً أن ننضم، فسجّلنا. اشترينا بذلاتنا العسكرية مقابل خمس ليرات من "البالة" (الثياب المستعملة) وبدأنا بالتدريب. بقينا في المؤسسة لوقت طويل - من دون علم أهلنا. شاركنا بالقضايا الاجتماعية ومع عائلات الشهداء.

الانضمام إلى النظام اللاسلكي

عام 1975 كنت أعمل في قسم الخياطة عند "صامد" (مؤسسة اقتصادية فلسطينية) في حي "الفاكهاني"، البيروتي القريب من مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين. وكانت هناك دورات تدريب في استخدام اللاسلكي، ورشحتني المؤسسة للتدريب. تم اختيار الأوائل للعمل في العمليات المركزية، فتركتُ "صامد" وانضممت إلى العمليات.

ساجدة دغمان وناديا أبو عيسى وأنا كنا الأوائل في القسم. قُتِلت ناديا حين كانت تعمل في قسم اللاسلكي في بناية في حي الصنائع في بيروت، في غارة جوية إسرائيلية خلال هجوم العام 1982. كانت تقريباً كل البنات اللواتي يعملن في القسم قد أنهينَ الدراسة الجامعية، وكنت الأقل ثقافة وتعليماً وخائفة أن أفشل، لم أكن قد درست بقدر دراستهم، لكنني كنت مدمنة قراءة، وجرت الأمور جيداً. كانت هناك فتاة وضعها يشبه وضعي التعليمي، لكنها خافت وغادرت. لم يعجبني قولهم إنها لم تستطع أن تكافح لأنها فتاة.

انقطعت المواصلات مع المخيم حين بدأ الحصار الأساسي لتل الزعتر. جاءت مجموعة من الشباب لأخذ السلاح من وحدة العمليات. طلبتُ الإذن من أبو الوليد، رحمه الله، لأذهب إلى تل الزعتر، لكنه رفض في البداية وقبل عند إصراري. أعطاني بعض المقصات لأقص الشريط الشائك، وبعض الأشياء الأخرى بما في ذلك كتاباً، وقال إنه يمكنني الاحتفاظ به. أصبح كتابي.

ذهبنا بالسيارة إلى عاليه حيث مكثنا ثلاثة أيام. كانت هناك كمية كبيرة من السلاح مخزنة هناك ما زالت غارقة بالشحم، كنا نغلي المياه في قدور كبيرة ونسكبها على السلاح لنذوب الشحم. طبختُ للرجال- لم يكن هنالك صحون. ثم دخلنا إلى قصر كويتي في عاليه حيث السرير كبير بما يكفي لينام فيه أربعة أشخاص. حضرتُ لهم سلطة وبغلاف مجلة "فلسطين الثورة" صنعنا شكل كوز مخروطي، كما يفعلون في السوق، وأكلنا. مشينا في الليل من العبادية إلى تل الزعتر. كنا ستة عشر شخصاً، - كنت الفتاة الوحيدة. فيما كنا نمشي شعرت كأنّ شيئاً يمنعني من رفع رجلي. كان الرجال يحملون الكثير من السلاح. كنت أحمل الجهاز اللاسلكي ووزنه 7 كيلوغرامات ومعه بطاريته، وكان وزنها ربما كيلوغرامان، ومعهما سلاحي الشخصي. كنت خائفة ألا أستطيع اللحاق بالشباب. لذلك جعلوني أمشي مع المرشد وكلهم ورائي. في بعض الأحيان كان هناك بيوت فكنا نذهب صعوداً لتجنبها. مرة تشاركوا كلهم بسيجارة واحدة، يغطونها بأيديهم لكيلا يظهر الضوء. مرة أخرى اكتشف المرشد أننا نسير بالاتجاه الخاطئ فاضطررنا للرجوع. كان المرشد سيد الطريق.

وصلنا إلى نقطة حيث سمعت شباباً من المخيم ينادون، "من هناك"- كلهم كانوا جاهزين. قلت، "لا أحد يسأل من هناك إلاّ رجالنا". حين اقتربوا خفتُ ألا يكونوا رجالنا! لكن بعد ذلك سمعت تبادل قبلات! وصلتُ إلى البيت عند طلوع الشمس. كان هناك كلب إلى جانبي. طبعاً البيت لم يعد موجوداً، لقد احترق. كان أهلي في داخل مصنع حديد، والكلب لا يسمح لأحد بالدخول. لم يستطع والدي فتح الباب في البداية، وصرخت أمي "مع من جئت؟ لقد جلبت العار إلى العائلة، الجميع يتحدث عنك! أتمنى لو كان عندي ستة أولاد بدلاً منك! أمضيت كل الليل مع ستة عشر رجلاً؟".

استمرتْ في الكلام لكنها في النهاية سخّنت الماء واستحم الجميع. صنعنا أول اتصال لاسلكي بالأدوات والأجهزة الهوائية. استلمتُ برقية لاسلكية شخصية من أبي عمار تقول "نهنئكم بالوصول بأمان. فليكن الله معكم..."، بقيتْ في جيبي حتى آخر يوم. حين مشيتُ في المخيم، الذين يعرفونني كما الذين لا يعرفونني كانوا ينادون "مرحباً". أحد الشبان طلب يدي للزواج فقال له والدي "هذه رجل، هي بحاجة إلى رجل!" القوات اللبنانية (ميليشيا بشير الجميل اليمينية المسيحية) كانت تقتل الشبان، وحين رأينا شاباً تجاوز الرابعة عشرة من العمر كنا نهنئه. أصبحت لي شعبية كبيرة في المخيم، الجميع يريد التحدث معي.

انقطعت المواصلات مع المخيم حين بدأ الحصار الأساسي لتل الزعتر. جاءت مجموعة من الشباب لأخذ السلاح من وحدة العمليات. طلبتُ الإذن من أبو الوليد، رحمه الله، لأذهب إلى تل الزعتر، لكنه رفض في البداية وقبل عند إصراري. أعطاني بعض المقصات لأقص الشريط الشائك، وبعض الأشياء الأخرى بما في ذلك كتاباً، وقال إنه يمكنني الاحتفاظ به. أصبح كتابي.

أخذنا غرفة ووضعنا الجهاز على السطح الذي كان مدمراً. كان أدهم يقول إن القصف يجيء من هناك، فأخذت فوراً الجهاز وتمسكت به. أتت الضربة الأولى على الكابل الذي ينقل التيار من الجهاز الكهربائي إلى البطارية التي تعيد التعبئة، فصار عليّ أن آخذ الجهاز مع البطارية إلى مكان يمكنني فيه أن أعبئه- لم يكن هناك شاحن لأنه ضُرب ودُمّر. حملت الجهاز مع بطاريته وذهبت إلى المسجد، أنتظر أن يشحن ثم أعيده. كان المسجد في آخر الشارع. رأيت أهلي فقط كل ستة أيام، أصبح النهار والليل واحداً.

استمر ذلك لفترة، ثم قالوا لي أن أنام خلال النهار. لكن لم أستطع النوم لأن غرفة اللاسلكي كانت أيضاً غرفة القيادة، غرفة الاجتماعات وكل شيء كان فيها.

المصابون في المسجد عانوا كثيراً من الديدان والغرغرينا. أحدهم كان يمسك برجله، وعندما يضغط عليها كانت تظهر الديدان. تخيلوا شخصاً يعيش مع ديدان في جسمه. كانوا يقتلعون الديدان بقطع من الزنك. ضربت قذيفة مكاناً كان فيه حفرة مقبرة جماعية، وتطايرت الجثث إلى جانب المسجد حيث كان مركز "الهلال الأحمر". لم يتمكنوا من دفن أحد. كان لدي شقيقة أصيبت في رأسها، دفنوها في الملجأ حيث كان أهلي. كان يتم دفن الناس في أي مكان فارغ. حتى اليوم تقول والدتي أن يد شقيقتي كان يمكن رؤيتها، لم يدفنوها بشكل جيد.

ضربت قذيفة الدرج حين كانت هي وأمي تغلقان الباب. انفجر هاون فوقهم وأصاب يد أمي - حتى اليوم هناك شظايا فيها. أصيبت شقيقتي برأسها وماتت على الفور- كانت تبلغ من العمر 12 عاماً.

في اليوم الأخير قبل أن أرحل أحرقتُ كل أوراقي وذهبت إلى مكتب اللاسلكي. قمت بإطلاق النار على المفاتيح، ونزعت "الدبوس" من سلاحي ورميته.

كان يوم سقوط المخيم سيئاً جداً. لبست ثيابي وحملت طفلاً صغيراً، كانت أمي تمسكني عند "الفندقية" في الدكوانة (المدرسة الفندقية)، تضرب رأسها بالأرض وتسب. رحلنا في الشاحنات. أي طفل يبلغ من العمر العاشرة وأكثر كان يتعرض للركل من القوات اللبنانية، الذين بأسلحتهم كانوا يدفعون الناس من الشاحنة إلى الأرض. قتلت فتاة عمرها ثلاث سنوات حين داسوا عليها. أحد أفراد الميليشيا اللبنانية رفعها من شعرها ووضعها على حمار. أمي وأبي، شقيقي الباقي وأنا وصلنا بالسيارة إلى نقطة العبور التي كانت عند "المتحف" بجهد كبير.

حين وصلنا إلى المتحف كنا عطشانين. كان هناك قوات أمن بالقبعات الخضراء، قوات الردع (قوة تدخل الجامعة العربية) وقالوا لنا أن نغادر مباشرة. كانت هناك سيارات في شارع في بئر حسن تنتظر لأخذ الناس الذين أتوا من المخيم، سيارات من الكفاح المسلح. لكننا لم نذهب معهم، ذهبنا إلى بيت عمي.

بعد تل الزعتر ذهبنا لفترة إلى القاسمية (قرية قريبة من مدينة صور) وبعد ذلك إلى الدامور جنوبي بيروت.

المصابون في المسجد عانوا كثيراً من الديدان والغرغرينا. أحدهم كان يمسك برجله، وعندما يضغط عليها كانت تظهر الديدان. تخيلوا شخصاً يعيش مع ديدان في جسمه. كانوا يقتلعون الديدان بقطع من الزنك. ضربت قذيفة مكاناً كان فيه حفرة مقبرة جماعية، وتطايرت الجثث إلى جانب المسجد حيث كان مركز "الهلال الأحمر". لم يتمكنوا من دفن أحد. كان لدي شقيقة أصيبت في رأسها، دفنوها في الملجأ حيث كان أهلي.

خلال حصار بيروت في العام 1982 كنت أعمل في قسم العمليات المركزية في "الفاكهاني". مع الضربة الجوية الاسرائيلية الأولى اختفى الطابقان من فوق وانتقلنا إلى كلية الهندسة. دخلنا الكلية من الباب الخلفي، بقينا لفترة هناك، ولكن بعد ذلك تمّ قصفنا مرة أخرى. كانوا يستهدفون الطوابق الأرضية وملاجئ الغارات الجوية. انتقلنا من كلية الهندسة - كانت هناك دائماً بدائل. الشخص الذي يخرج حياً من مكان معين كان يذهب إلى مكان آخر... ذهبنا من كلية الهندسة إلى برج أبو حيدر...

أذكر الملجأ. كان هناك أقل من 3 أو 4 درجات من الحديد والباطون. اخترق القصف هذه القلعة وكسر الأدراج الحديدية. سائق أبو علاء، الذي كان معنا في ذلك الوقت، أصيب. كل الناس في البناية نزلوا إلى الملجأ معنا عندما بدأ القصف وحين تراجع هرب الناس، لكن حين استمر القصف من الجو، لم نستطع الرحيل. حين خفّ القصف قليلاً قال لنا أبو موسى، أحد القادة العسكريين، هذا وقت الرحيل. قلنا، "حين تذهب أنت، نذهب نحن". "أخرجوا،" صرخ! فرحلنا. قال لنا بأن يذهب كل واحد في اتجاه مختلف. في الصباح التالي ذهبنا إلى رأس النبع، إلى ملجأ بناية كانت لا تزال قيد الإنشاء. كان ملجأها سيئاً جداً وأصيب أيضاً!

مقالات ذات صلة

انتقلنا بين بنايتين أو ثلاث في رأس النبع. كان لدي حساسية لرائحة الدهان والباطون التي كانت سيئة جداً، طابقان تحت الأرض- حتى قلم "البيك" لا يكتب بسبب الرطوبة العالية. ثم ذهبنا إلى الحمرا. عندما وصلنا قلت لأسامة أنني لم أمر على ناديا في ذلك اليوم. كان صوتها يبدو حزيناً وشعرت أنه قد يكون لديها مشكلة، فطلبت منه أن يدع أحداً مكاني لأذهب لرؤيتها. قال أسامة "حسناً، هناك بعض اللحمة الطازجة، أيمكنك طهوها للشباب أولاً- لم يأكلوا منذ وقت طويل". طهوت اللحمة وانتظرت ليتناولوا طعام الغداء. كان أبو حسن يغسل يديه حين سمعنا صوت قذيفة. مسكينة ناديا! قتلت في ذلك الانفجار. انتظرنا حتى يزول الغبار وثم تعرفت عليها والدتها من رأس قدمها والحلق الذي كان يزين أذنيها. الكثير من الناس قتلوا بهذه القنبلة الفراغية.

بالنظر الآن إلى الخلف إلى مجزرة تل الزعتر، أقول إن عذابات الناس هناك لم تحصل على الاهتمام الذي تستحقه. تعذبوا كثيراً، لكنّ تجربتهم لم تُعرف بما يكفي للاستفادة منها، شارك الجميع في المخيم بعفوية في النضال وبقي صامداً.

لم يكن أبو عمار يبقى معنا لوقت طويل - كان يأتي ويذهب. أصبح كشخص مريض! كلما دخل بناية كان الناس يهربون، لأن أي بناية كان يُعرف أنه فيها كانت تُقصف. التقينا عند المرفأ خلال الرحيل من لبنان.

حين غادر مقاتلونا بيروت، رمى عليهم لبنانيون الأرز – كثير من الأرز، تسبب ذلك بأزمة رز!!

شقيقي مصطفى غادر لبنان مع آخر مجموعة من الفلسطينيين رحلت. قلت له، "ظننت أنك لن ترحل"، أجاب، "ألم تسمعي ذلك الرجل بشير يحلف ويهدد ماذا سيفعل للفلسطينيين الذين بقوا في لبنان!" (بشير جميل من حزب الكتائب اليميني، انتخب رئيساً للبنان في 23 آب/ اغسطس 1982 وفي ظل الاجتياح الإسرائيلي واغتيل في 14 أيلول/سبتمبر). ذهب شقيقي إلى طرطوس على الساحل السوري ومن هناك عاد إلى البقاع.

ليلة اغتيال بشير الجميل، نمت في الروشة، في بناية فيها لاجئين من مخيم ضبية. لم أرحل، بقيت، لكن كيف يمكنني البقاء؟ كنت أذهب في الصباح دون أن أعلم دبابات الجيش الاسرائيلي جاءت لتفتش المنطقة. بقيت مع ديبة، شقيقتي التي كانت تعمل في المستشفى.

بقيت لأرى أهلي وأؤمن لهم منزلاً. تل الزعتر اختفى. كنت في الفاكهاني حين وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا. في هذا اليوم التقيت فتاة عند نقطة الدنا، بمدخل صبرا. قالت لي: "وضعوا أمي وشقيقي إلى الحائط وقتلوهما على مرأى مني". حين قلت للناس كانوا يجيبون "لا تنشري الإشاعات". لم يصدقوني. لكن بعد 3 أيام أصبح الأمر معروفاً. أمي كانت تذهب يومياً مع الدفاع المدني وتساعد في التعرف على الجثث. كانت تعرف أناساً كثيرين من المخيم.

استلمتُ برقية لاسلكية شخصية من أبي عمار تقول "نهنئكم بالوصول بأمان. فليكن الله معكم..."، بقيتْ في جيبي حتى آخر يوم. حين مشيتُ في المخيم، الذين يعرفونني كما الذين لا يعرفونني كانوا ينادون "مرحباً". أحد الشبان طلب يدي للزواج فقال له والدي "هذه رجل، هي بحاجة إلى رجل!"

وفي النهاية، من لم يتم التعرف إليهم أخذوا إلى منطقة قرب السفارة الكويتية ودفنوا في قبر جماعي.

لم يكن لدي وظيفة. غادرت بيروت عام 1983 وذهبت إلى تونس حيث تم نقل خطيبي ومجموعته، لكنني لم أستطع أن أعمل إلى أن فتحوا فرعاً للاتحاد العام للمرأة الفلسطينية هناك. في حينه كنت قد ولدت بطارق. هناك سنة وشهر بين طارق وعلاء، ابناي.

الثورة غيرت شخصيتي

على الرغم من عدم تحصيلي للتعليم العالي الرسمي، شعرت أنه يمكنني أن أكون على المستوى الفكري ومستوى الوعي نفسه كفتيات الجامعة اللواتي من عمري. تعلمتُ الكثير من خلال القراءة. فتح - وليس المدرسة - علمتني أن أقرأ الكتب وألخصها. شعرت باستقلالي الشخصي، كل شيء فيّ تغير. لما كان لدي هذا الوعي لو لم أنضم إلى فتح بالتحديد وأشارك في العمل الجماعي. أفضّل العمل الجماعي وعمل اتحاد المرأة على العمل التنظيمي - عندما تتعامل مع ناس يفكرون بشكل مختلف عنك تستفيد أكثر.

الزواج

حين عدت من بلغاريا عام 1981 حيث كنت لتدريب الكادر مع مجموعة من الفلسطينيين، وجدت زوجي المستقبلي يزور أهلي، كان يعرفهم وقد سمع عني. وكان كل شيء يشير إلى أنه شخص طيب. تعرفت إليه قبل الزواج، كان يزور أهلي وكان يمكننا الجلوس معاً وحدنا في البيت. كان يستعير كتباً مني، كان لدي مكتبة في البيت في الدامور. كانت أمي تنتقدني: " أنظري إلى الفتيات الأخريات - يشترين الذهب وأنت تشترين الورق". كنت دائماً أشتري الكتب من المعارض في بيروت وقد صنع لي شقيقي رفوفاً خشبية لها.

خلال حصار بيروت في العام 1982 كنت أعمل في قسم العمليات المركزية في "الفاكهاني". مع الضربة الجوية الاسرائيلية الأولى اختفى الطابقان من فوق وانتقلنا إلى كلية الهندسة. دخلنا الكلية من الباب الخلفي، بقينا لفترة هناك، ولكن بعد ذلك تمّ قصفنا مرة أخرى. وحين غادر مقاتلونا بيروت، رمى عليهم لبنانيون الأرز – كثير من الأرز، تسبب ذلك بأزمة رز!!

بقيتُ لأرى أهلي وأؤمن لهم منزلاً. تل الزعتر اختفى. كنت في الفاكهاني حين وقعت مجزرة صبرا وشاتيلا. في هذا اليوم التقيت فتاة عند نقطة الدنا، بمدخل صبرا. قالت لي: "وضعوا أمي وشقيقي إلى الحائط وقتلوهما على مرأى مني". حين قلت للناس كانوا يجيبون "لا تنشري الإشاعات". لم يصدقوني. لكن بعد 3 أيام أصبح الأمر معروفاً. 

زوجي كان يقرأ أيضاً. كان يعاملني باحترام. في تونس كان وضعنا جيداً جداً لأنه كان لدي اتصال بالاتحاد العام للمرأة الفلسطينية. لكن حين ذهبنا إلى بغداد كان الجو مختلفاً. الناس الذين كنا نعرفهم هناك كانوا من حزب البعث و"جبهة التحرير العربية" (تنظيم فلسطيني تابع لحزب البعث في العراق). لم يرد زوجي أن يعلم أحد أني اسافر ذهاباً واياباً.

حين عدنا إلى فلسطين بعد اتفاق أوسلو كانت هناك خيبة أمل من الوضع العام. على صعيد شخصي، تزوج زوجي مرة أخرى، وعمل مع السلطة الفلسطينية.

بالنظر الآن إلى الخلف إلى مجزرة تل الزعتر، أقول إن عذابات الناس هناك لم تحصل على الاهتمام الذي تستحقه. تعذبوا كثيراً، لكنّ تجربتهم لم تُعرف بما يكفي للاستفادة منها، شارك الجميع في المخيم بعفوية في النضال وبقي صامداً.

كنا نلوم القيادة حين كنا في المخيم لكن حين رحلنا، الكثيرون ممن كانوا يقولون "انسوا مرحلة عمان" (حين رحل الفلسطينيون من هناك إلى بيروت)، أخذوا يقولون "انسوا تل الزعتر"، والآن يقولون "انسوا بيروت"، كأن ليس هنالك رابط بينها. هنا وأنا في الضفة الغربية، في منطقة نابلس، أسمع أن بيروت اختفت، "لا تتكلموا عن بيروت". قد تكون بيروت اختفت، لكنني بنت فتح من الثورة: فتح لم تختف. لا نعرف تاريخنا.

لو قدر لي أن أقوم بخيارات لحياتي مجدداً، لاخترت طريق المقاومة نفسه. لم أقترف أي أخطاء ولا أندم على شيء- كنت مقتنعة بكل ما فعلته.

______________________

*كاتبة من فلسطين، كانت عضواً في "المجلس الوطني الفلسطيني" وفي اللجنة التنفيذية لاتحاد المرأة الفلسطينية. وهي حالياً رئيسة "المجلس العالمي لكتب اليافعين - فرع فلسطين" (PBBY).

• تمت هذه المقابلة في رام الله، كانون الأول/ ديسمبر 2007
• شهادة حمدة عراقي جزء من كتاب صدر عن "مركز المرأة الفلسطينية للأبحاث والتوثيق" التابع لمنظمة اليونسكو (2009)، يوثّق لشهادات مناضلات فلسطينيات عشن في لبنان، أجرتها معهم جهان حلو.
• صدرت الترجمة الانجليزية للكتاب في ايار/ مايو 2022 عن دار نشر Spokesman Books العائدة لمؤسسة برتراند راسل. 

مقالات من فلسطين

"صُمِّمتْ لتفشل".. هل هذا أيضاً مصير المساعدة المصرية لإعمار غزة؟

منى سليم 2022-09-13

آلية الإفشال كانت متضمَنة في اتفاقية رعتها الأمم المتحدة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، واشترطت استئناف مفاوضات الصلح بين الفصائل برعاية مصرية، وتشكّيل ما سٌمي "حكومة الوحدة"، والتزام الأطراف الدولية بما...