أعوام "السلام الدافئ" مع اسرائيل والأثر الاقتصادي.. مصر مثالاً

تعيش مصر اليوم أزمة حقيقية مع إلقاء الحرب الأوكرانية الروسية بذيولها على كلفة استيراد مصر للقمح. من جانب آخر بدأت امتدادات موجة التطبيع الأعتى والأقل تحفظاً التي تقول بها الأسرة الحاكمة بدولة الإمارات العربية، في ترك أثرها على اقتصاديات الزراعات الاستهلاكية بين مصر وإسرائيل، حيث دخلت الأخيرة لتحتل حصة الحاصلات الزراعية المصرية في الخليج وتنافسها.
2022-05-12

منى سليم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
ضياء العزاوي - العراق

معاهدة سلام عمرها يناهز الأربعين عاماً، يتوازى تاريخ توقيعها رسمياً مع تاريخ رفضها شعبياً. وما بين هذا وذاك ظل الملف الاقتصادي هدفاً واضحاً يشهد محاولات دائمة لتطويره عبر السنوات، من أطراف ثلاث هي على الترتيب إسرائيل وأمريكا ومصر.

وقبل قليل، وتحديداً قبل سبع سنوات، جاء "عبد الفتاح السيسي" رئيساً لمصر، وأدخل معه إلى قاموس العلاقات الصهيو-عربية مصطلحاً جديداَ له وقع عجيب. قال: "السلام الدافئ". فهل السلام ـ كمعنى ـ يحتاج إلى دفء؟ أم هي ترجمة لمرحلة جديدة تريد أن تعلن عن نفسها وتبحث عن مجازٍ لغوي يخفي مآلاتها التي يأتي "البيزنس" بالطبع على رأسها؟

بدأت منذ منتصف الثمانينات الفائتة اتفاقات رسمية بين الحكومتين، ومشروعات مشتركة في عدة مجالات على رأسها الزراعة. وانطلقت مساعي للاستفادة من انتقال مصر من النموذج الاشتراكي إلى اقتصاد السوق الحر، بخلق دائرة علاقات اسرائيلية مع رجال أعمال مصريين. وظلت حركة الصادرات والواردات في خانة بيع المواد الخام المصرية وعلى رأسها النفط، ثم تَبدّل الحال اليوم لتصبح مصر أكبر مستورد للغاز الطبيعي من الأرض المحتلة. هو ملف يخطو خطوات واسعة في اتجاه التوسع والترابط، وما يصفه الطرفان والرعاة من الغرب والداعمين من الخليج بالخطة "الإقليمية الاستراتيجية"...

ميزان السلام والحرب

1967. من هنا تبدأ الرواية الحقيقية للقصة. فوفق مصادر بحثية صهيونية ارتفعت التكاليف العسكرية بعد أيام الحرب الستة من 7 إلى 20 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الإسرائيلي، ووصلت بعد حرب 1973 إلى 30 في المئة، وبقيت في مستويات شبه ثابتة على الرغم من توقيع الاتفاقية، ثم بدأت رحلة التراجع لتصل إلى 15 في المئة في نهاية الثمانينات و10 في المئة في منتصف التسعينات، وصولاً إلى 7 في المئة قبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية نهاية العام 2000.

تحضر الدولة المصرية في تلك الأرقام الصهيونية مرتين، الأولى بالسلب باعتبارها صاحبة الحرب الأكثر كلفة على اقتصاد العدو، والثانية بالإيجاب عند حسبان أثر التبادل التجاري اللاحق في تعويض تلك الخسائر بأثر رجعي، وهو ما بدأ متحفظاً إلى أن وصل إلى مرحلة "الدفء" ثم ما يليه.

في آذار/ مارس 2022، كانت صورة وزراء الخارجية العرب الأربعة من مصر والإمارات والبحرين والمغرب متشابكي الأيدي مع الطرف الإسرائيلي ونظيره الأمريكي، شديدة الغرائبية إلى جانب الاستفزاز. صورة أعادت للأذهان الأحلام الصهيونية منذ عقد المؤتمر الاقتصادي في عمان 1995 وطرح عنوان "بدائل التنمية في الشرق الأوسط الجديد"...

يقول تقرير صادر في العام 2019 عن "معهد أبحاث توني بلير للتغيير الشامل" حول آفاق التعاون الاقتصادي المصري الإسرائيلي، أن لملف الطاقة دوماً نصيب الأسد في كفتي ميزان الصادرات والواردات بين الجانبين بينما تأتي عناصر أخرى مثل الكيماويات والمنتجات الزراعية والألياف الصناعية وبعض المواد الخام في مرتبة أدنى.

انتقلت الصادرات الإسرائيلية إلى مصر من 20 مليون دولار في العام 1994 إلى 50 مليون دولار بنهاية العام 2005. بعد هذا التاريخ ومع إبرام اتفاق يسمح لمصر بالاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة الإسرائيلية مع الولايات المتحدة ("كويز")، ارتفعت الصادرات إلى أكثر من 200 مليون دولار بنهاية العام 2011 و2012 أي 0.4 في المئة من إجمالي الصادرات الإسرائيلية، ثم تراجعت إلى 100 مليون دولار في 2016 -2017، أو 0.1 في المئة من إجمالي الصادرات. وأرجع التقرير السبب في ذلك إلى الانخفاض الحاد في الواردات المصرية من الكيماويات والبلاستيك من إسرائيل.

أما في الاتجاه العكسي، أي الصادرات المصرية إلى إسرائيل، فيشير التقرير إلى أنه منذ العام 1988 تركَّز معظمها على النفط بقيمة حوالي 20-30 مليون دولار في السنة بما يعادل حوالي 0.1 في المئة من إجمالي الواردات الإسرائيلية. ومنذ العام 2005 توقفت تقريباً واردات النفط وتمّ استبدالها بالغاز الطبيعي، بحجم سنوي يتراوح بين 150 و250 مليون دولار أمريكي أي حوالي 0.5 في المئة من إجمالي الواردات الإسرائيلية.

بعد ذلك، ومع توقف واردات الغاز من مصر في أوائل عام 2010، انخفضت القيمة الإجمالية للصادرات المصرية إلى إسرائيل إلى حوالي 50 مليون دولار ثم انخفضت إلى 15 مليون دولار في عام 2016 فاقتصرت على المنتجات الزراعية والغذائية، وهو ما يمثل إجمالاً أقل من 3 في المئة من مجمل الصادرات المصرية للعالم.

معادلات القسمة والضرب

لا يمكن قراءة هذا الأرقام دون النظر لحجم العائد الضائع الممكن لمصر تحقيقه إزاء صفقات أخرى كان يمكن إبرامها أو خسائر كان يمكن تجنبها في حال وضوح القرار السياسي بعدم التطبيع.

إنها "قراءة كاذبة" كما يصفها مصطفى عبيد محرر كتاب "بيزنس التطبيع" في العام 2010، إذ يرى أن التحليل المالي لتجارة مصر وإسرائيل انطلاقاً من واقع بيانات قطاع التجارة الخارجية في مصر يعطي انطباعا إيجابياً للوهلة الأولى. فحتى العام 2005 كانت الصادرات المصرية لإسرائيل تمثل ما يوازي ضعف الواردات منها. لكن ذلك الانطباع يزول مع التحليل التفصيلي لهيكل الصادرات المصرية والواردات الإسرائيلية.

في العام 2013 صدر القرار الأول من وزيرِ زراعةٍ مصري بوقف عمل اللجنة الزراعية المشتركة التي قدّمت منذ العام 1981 سلسلة "نصائح" لإصلاح قطاع الزراعة المصري، على رأسها زراعة الحاصلات الاقتصادية المربحة والابتعاد عن تلك غير المربحة مثل الفول والقمح والعدس والذرة، والتركيز على زراعة الخضراوات والفاكهة وتصديرها والشراء بثمنها الحاصلات الاستراتيجية التي تحتاجها مصر، خاصة القمح!!

كانت كلمة السر هي استغلال المواد الخام. في العام 2000 أشار مركز معلومات وزارة التموين والتجارة الخارجية المصري أنّ 90 في المئة من الصادرات هي مواد خام، وهو عكس الوضع في ميزان الاقتصاد الاسرائيلي. ففي العام نفسه بلغ حجم الصادرات الإسرائيلية 28 مليار دولار مثلت الصادرات الصناعية منها ما قيمته 26.3 ملياراً، كان الجزء الأكبر منها يتعلق بالتكنولوجيا التي ارتفع حجمها من 2.5 مليار دولار عام 1995 إلى 13 مليار دولار عام 2000.

بقيت مصر بالفعل في خانة استغلال المواد الخام سواء بالتصدير أو الاستيراد أو الشراكة. وفى ضوء ذلك تراكمت في الجسد المصري الملفات الملتهبة بشراً وهيكلاً. ففي ملف الزراعة على سبيل المثال، كانت البداية مع زيارة أرييل شارون قائد الثغرة وحصار الجيش الثالث في مدينة السويس عام 1973. وصل إلى القاهرة في العام 1981 لكن بصفة جديدة هي "وزير الزراعة"، وبعد عدد محدود من الزيارات التي تضم خبراء ووزراء من الجانبين، تمّ الإعلان عن تأسيس أول مشروع مشترك، هو المزرعة النموذجية "جميزة" وسط الدلتا. مرت خمسة أعوام من زراعة الفواكه داخل مصر ببذور إسرائيلية، وبدأت سريعاً الدعاية عن تميّز الخوخ والشمّام الإسرائيلي إلى حد أن يقول وزير الزراعة المصري يوسف والي: "لولا التعاون مع إسرائيل ما أكل المصريون التفاح بثلاث جنيهات". انحسرت هذه الدعاية سريعاً لسبيين، الأول هو إحجام الحكومة الصهيونية عن التوسع في تكرار تلك المزارع على نطاق واسع واستيراد منتجاتها، واكتفت بتصدير البذور، وقال الخبير الصهيوني "موشيه ساسون" المسؤول عن تطوير المشروعات: "وصلنا لاستنتاجين، الأول أنه من الممكن تحقيق تحسن ملحوظ للإنتاج الزراعي المصري، الثاني أن الاستثمارات المالية والتنظيمية المطلوبة تجعل هذا الجهد بالنسبة لنا دون جدوى". وهكذا توقف المشروع، ومرت السنوات سريعاً لتكشف فاجعة ما ترتب على استيراد شركات مصرية ومديريات الزراعة في عدد من المحافظات للبذور الإسرائيلية والربط بينها وبين انتشار أمراض خطيرة في مصر، فكانت حملات صحافية وسياسية تحت عنوان "والي.. وزير المبيدات والبذور المسرطنة". ويقول تقرير رسمي صادر عن مديرية الزراعة في الإسماعيلية في العام 1989، أنّ المزارعين الذين استخدموا التقاوي الإسرائيلية ظهرت في زراعتهم مخاطر وآثار جانبية خطيرة على المحاصيل والأرض والإنسان، وأنّ نسبة كبيرة من هذه التقاوي بها ملوثات بدرجة معينة مما قد يُرجع لها الزيادة بانتشار الفشل الكلوي. وقد ثبت للخبراء الزراعيين أنّ البذور "نهى" و"ريتا" هما الأخطر.

توالت في مصر على مدى ثلاثين عاماً وأكثر، الحملات الصحافية والسياسية الكاشفة لمخاطر التعاون الزراعي مع إسرائيل بشكلٍ خاص. وفي العام 2013 كان القرار الأول من وزير زراعة مصري بوقف عمل اللجنة الزراعية المشتركة والتي قدمت منذ العام 1981 سلسلة نصائح بهدف إصلاح قطاع الزراعة المصري والتعاون، وجاء على رأسها زراعة الحاصلات الاقتصادية المربحة والابتعاد عن زراعة الحاصلات الاستراتيجية غير المربحة في مصر، مثل الفول والقمح والعدس والذرة، والتركيز على زراعة الخضراوات والفاكهة وتصديرها، والشراء بثمنها الحاصلات الاستراتيجية التي تحتاجها مصر خاصة القمح، بالإضافة إلى إلغاء الدورة الزراعية، وإلغاء نظام التوريد الاجباري للحاصلات الاستراتيجية لصالح الدولة التي كان قد فرضها النظام الناصري.

وتعيش مصر اليوم أزمة حقيقية مع إلقاء الحرب الأوكرانية الروسية بذيولها على كلفة استيراد مصر للقمح. من جانب آخر بدأت امتدادات موجة التطبيع الأعتى والأقل تحفظاً التي تقول بها الأسرة الحاكمة بدولة الإمارات العربية، في ترك أثرها على اقتصاديات الزراعات الاستهلاكية بين مصر وإسرائيل، حيث دخلت الأخيرة لتحتل وتنافس حصة الحاصلات الزراعية المصرية في الخليج التي بلغت العام الماضي وحده 242 ألف طن بقيمة 176 مليون دولار، بينما يبلغ إجمالي صادرات الحاصلات الزراعية المصرية حوالي أربعة آلاف طن بقيمة 2.2 مليون دولار.

 في ملف الزراعة مثلاً، كانت البداية مع زيارة أرييل شارون قائد الثغرة وحصار الجيش الثالث في مدينة السويس عام 1973. وصل إلى القاهرة في العام 1981 لكن بصفة جديدة هي "وزير الزراعة"، وبعد عدد محدود من الزيارات التي تضم خبراء ووزراء من الجانبين، أُعلن عن تأسيس أول مشروع مشترك، هو المزرعة النموذجية "جميزة" وسط الدلتا.

 توقف المشروع، ومرت السنوات سريعاً لتكشف فاجعة ما ترتب على استيراد شركات مصرية ومديريات الزراعة في عدد المحافظات للبذور الإسرائيلية والربط بينها وبين انتشار أمراض خطيرة في مصر، فكانت حملات صحافية وسياسية تحت عنوان "والي.. وزير المبيدات والبذور المسرطنة". 

أما في ملف بيع الغاز المصري لإسرائيل على سبيل المثال، فتظهر جداول التسعير الفرص الضائعة من عدم بيعه وفق السعر العالمي السائد آنذاك، فالاتفاقية التي وقعتها الحكومة المصرية عام 2005 مع إسرائيل تقضي بتصدير 1.7 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي لمدة 20 عاماً، بثمن يتراوح بين 70 سنتاً و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية، بينما يصل سعر التكلفة إلى 2.65 دولار. بالطبع تخضع تلك الحسبة لإمكانات الإسالة فى مصانع إبكو ودمياط على شاطئ البحر المتوسط... لكن، ومن جانب آخر، ومع قرار إلغاء الاتفاقية المصرية الإسرائيلية عقب "انتفاضة 25 يناير 2011"، اضطرت الحكومة المصرية للالتزام بشرط جزائي مجحف أدى إلى الذهاب بها للتحكيم الدولي وتغريم الاقتصاد المصري 1.8 مليار دولار.

رجال الأعمال

بالتوازي مع كل تلك المراحل وما ينتج عنها من معادلات، كان حضور رجال الأعمال هو المساعد الحيوي الفاعل، ففي العام 1999 نشرت جريدة مصرية مستقلة قائمة تمّ تسريبها من أحد الأجهزة الأمنية حول عدد رجال الأعمال المتعاونين مع إسرائيل، فضمت 263 ما بين مستورد (135) و مصدّر (108) بالإضافة إلى قائمة أخرى تضم أسماء رجال أعمال إسرائيليين مروا إلى السوق المصري عبر شراكة صورية لتأسيس شركات مساهمة مصرية، وكان من أبرز المجالات التي شهدت تلك الظاهرة هي النسيج والملاحة عبر شركات للحاويات في الإسكندرية.

كان الحدّ من التعامل بين رجال الأعمال وإسرائيل على مدى خمسة وعشرين عاماً يتم عبر سلاح "الفضح"، ولعبت فيه الصحافة الدور الرئيسي انطلاقاً من الرفض الشعبي للتطبيع أيّاً كان المسوغ السياسي له. غير أنّ هذا لم يكن ليتم في غفلة عن رؤية الدولة التي كانت تعمل على استخدام رجال الأعمال وإعطائهم الضوء الأخضر حيناً وتحجيمهم كنوعٍ من الضغط السلمي في حين آخر. وكان أشهر تلك اللعبة هي زيارة وفد من رجال الأعمال المصريين لتل أبيب عام 1991 في إطار دعم مصر للسلطة الفلسطينية الناشئة واتفاق أوسلوا كمدخل للتسوية النهائية.

وكانت "كويز" هي الثمرة الرئيسية بالنسبة للمتعطشين للربح في السوق المصري، وهو بروتوكول تم توقيعه في شباط/ فبراير 2005، ويُسمح بمقتضاه للشركات المصرية بالتصدير إلى السوق الأمريكية دون جمارك، بشرط وجود نسبة مكون إسرائيلي تصل إلى 35 في المئة، وفق تقرير مختص صادر عن البنك الدولي. فمع بدء تنفيذ الاتفاقية ارتفعت القيمة الإجمالية لصادرات المنسوجات والملابس من مصانع المناطق الصناعية المصرية المؤهلة من حوالي 500 مليون دولار عام 2006 إلى 900 مليون دولار في عام 2011، أي بزيادة مقدارها 45 في المئة. ومنذ ذلك الحين لم يحدث مزيد من النمو في صادرات المناطق الصناعية المؤهلة، وظل المستوى مستقراً أو شابه الجمود بعد ضغوط حكومية مصرية عام 2012 لتخفيض المكوِّن إلى 10 في المئة.

مع قرار إلغاء الاتفاقية المصرية الاسرائيلية عقب "انتفاضة 25 يناير 2011"، اضطرت الحكومة المصرية للالتزام بشرط جزائي مجحف أدى الى الذهاب بها للتحكيم الدولي وتغريم الاقتصاد المصري 1.8 مليار دولار.

ارتفعت عائدات اسرائيل من صادرات المواد الخام والعناصر الداخلة في الصناعة من 35 مليون دولار إلى 68 مليون دولار بحجم يصل أيضاً إلى 40 في المئة، وهو ما يعني ـ حسب التقرير ـ تساوياً في الفرص، و"أنها كانت من أنجح التجارب للتعاون الاقتصادي بين الطرفين". غير أنه ومن جانب آخر اتجهت الآراء المعارضة، فضلاً عن رفض مبدأ التطبيع، للإشارة إلى أنّ سريان تلك الاتفاقية جاء مع إلغاء الطرف الأمريكي عام 2005 لنظام المحاصصة في وارداته من النسيج، وهو ما كان يمكن معه أن تحصل المنسوجات المصرية على فرصة للمنافسة الحرة دون اشتراطات خاصةً في ظل الجودة المشهود بها لها دولياً، وعبر مصانع قطاع الأعمال العام التابعة للدولة، وهي صناعة رئيسية ورائدة وعاصمتها مدينة "المحلة" الشهيرة، ولم تكن بحاجة للقبول بصفقة التوأمة مع الطرف الصهيوني، إضافةً إلى ما كشفت عنه السنوات من مساهمة تلك الاتفاقية في أن تكون باباً خلفياً للتجسس وتمرير أنواع مختلفة من المواد المخدرة إلى الشارع المصري.

المتغير الأكبر

كل تلك الأرقام السابقة والحسابات كانت قابلة للتأويل والاحتمال إلى أن دخل إلى المعادلة متغير أكبر، هو المرادف الرقمي لمصطلح "السلام الدافئ"، حيث عُقدت صفقة بين الحكومة الإسرائيلية، وشركة مصرية ليست بعيدةً عن أجهزة الدولة، يترأسها رجل أعمال شهير بصفقات التطبيع في مجال النسيج، وهو ابن ضابط حربي سابق مقرب من الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك. أما اسم الشركة فهو "دولفين"، في تشابه مقصود مع شركة الطاقة الأولى في دولة الإمارات. وعليه تستقبل مصر منذ بداية عام 2018، يومياً 450 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي الإسرائيلي، في صفقة مداها الزمني 15 عاماً وبقيمة 1.5 مليار دولار سنوياً. تصف الحكومة الإسرائيلية تلك الصفقة بـ "الخيالية" باعتبارها أقوى ما تم إنجازه حتى الآن في ملف العلاقات بالمحيط العربي تحت شعار "الأرض مقابل السلام"، وهي الخطوة التي جاءت بدورها بعد إغلاق ملف ترسيم الحدود البحرية بين الطرفين دون أن تستجيب السلطة في مصر لمطالب سياسية وأكاديمية وشعبية بضرورة الالتجاء للتحكيم الدولي لما رأوه من توغل على حساب حصة مصر من هذا النطاق الأهم الذي تدور من حوله المعارك المعلنة وغير المعلنة بالمنطقة، أي غاز شرق المتوسط.

وبالنظر للصفقة نفسها، ناهيك عن التقييم السياسي الإستراتيجي لتلك الخطوة، فالهدف الاقتصادي المصري المنتظر تحققه هو تحول مصر لواحدة من أكبر مصادر إسالة الغاز الطبيعي عالمياً. وفي هذا الشأن تقول منصة Oil price إنّ مصر من الكيانات الواعدة في إنتاج الغاز الطبيعي، لكنّها تقلل من إمكانية دخولها عالم التصدير بشكل واسع لسببين، الأول هو تزايد الاستهلاك المحلي، بما يشير إلى إمكانية الاحتياج مستقبلاً لبيع الغاز القادم من إسرائيل للحكومة المصرية نفسها، كما ومن ناحيةٍ أخرى تشير المنصة إلى ضغط المنافسة الكبيرة التي تلاقيها مصر في مجال توريد الغاز المباشر والمُسال إلى أوروبا، بما يؤثر على حجم التوقع من العائدات داخل سوق الغاز الطبيعي الدولي، حيث كانت حصة مصر حتى نهاية 2020 أقل من 20 في المئة من حجم تجارة الغاز المُسال، كما أشارت المنصة في سياق التدليل إلى اضطرار إلغاء مصر أكثر من مزاد أعلنت عنه لشحنات الغاز المسال بسبب تدني الأسعار المعروضة.

القمة الأخيرة

في آذار/ مارس 2022، كانت صورة وزراء الخارجية العرب الأربعة من مصر والإمارات والبحرين والمغرب متشابكي الأيدي مع الطرف الإسرائيلي ونظيره الأمريكي، شديدة الغرائبية إلى جانب الاستفزاز. صورة أعادت للأذهان الأحلام الصهيونية منذ عقد المؤتمر الاقتصادي في عمان 1995 وطرح عنوان "بدائل التنمية في الشرق الأوسط الجديد"، والسعي لتأسيس بنك إقليمي بقيمة 12.5 مليار دولار تم جمع 70 في المئة منها شرط الالتزام بتوقيع اتفاقيات سلام، وكان الهدف من سعي مصر والأردن هو إدخال كل من لبنان وسوريا لبدء مشروعات مشتركة.

جاء سريان الاتفاقية المصرية الاسرائيلية مع إلغاء الطرف الأمريكي عام 2005 لنظام المحاصصة في وارداته من النسيج، وهو ما كان يمكن معه أن تحصل المنسوجات المصرية على فرصة للمنافسة الحرة دون اشتراطات خاصة في ظل الجودة المشهود لها بها دولياً، وعبر مصانع قطاع الأعمال العام التابعة للدولة في مدينة "حلوان".

فهل خلق "السلام الدافئ" بدائل أخرى، خاصةً في ظل "الانهمار" الساخن من جانب دول الخليج، وما هو حجم الدور المصري في تلك الصورة، هل هي اعتبارات اضطرارية كما ذهب البعض أم قد تسفر الأيام عن كشف جديد ومتغيرات أكبر؟

..

لم يتضح كل شيء بعد ولكن ما على الأرض يشير إلى وجود نية للذهاب قدماً بذلك الطريق شبه الممهد الطريق المسدود، حيث خسارات عربية سياسية واقتصادية فادحة.

______________________

مصادر

- تقارير "معهد توني بلير للتغيير الشامل" عن آفاق التعاون الاقتصادي المصري الإسرائيلي
Israeli-Egyptian Trade: In-Depth Analysis | Institute for Global Change
- تقارير مركز الدراسات الإستراتيجية جامعة تل أبيب
ـ For a summary of this research, see Yitzhak Gal, “El-Sisi and Egypt’s Economic Future: Fundamental Challenges, Bold Moves, and High Risks”, Institute for National Security Studies, strategic assessment 18, no. 2 (July 2015), Pages 21–36.
2 Yossi Zeira et al., “The Economic Costs of the Conflict to Israel: The Burden and Potential Risks”, in Economics and Politics in the Israeli Palestinian Conflict, ed. Arie Arnon and Saeb Bamya (The AIX Group, 2015), 74.
- تقرير البنك الدولي حول الصادرات والواردات المصرية
https://wits.worldbank.org
- كتاب "بيزنس التطبيع" الصادر عام 2010 عن دار ميريت للنشر للكاتب الصحافي "مصطفى عبيد"
- جريدتي الأسبوع والشعب المصريتين في الفترة من 1995 الى 2005

مقالات من مصر

للكاتب نفسه