"المنفعة العامة": حين لا يملك المواطن شيئاً في وطنه

العامل المشترك في جميع المناطق المهدّمة هو العاصمة الإدارية الجديدة. بناء الكباري والجسور والطرق يرتبط في معظمها بالعاصمة الجديدة. المشروع الأكثر كلفة الذي تنفذه السلطة، يضم قصوراً رئاسية ووزارة الدفاع وجميع المباني الحكومية ومراكز للأعمال، وقدرة سكانية استيعابية قد تصل إلى 6 ملايين نسمة، جميعهم من "الصفوة".
2022-04-14

رباب عزام

صحافية من مصر


شارك
هدم الحي السادس من مدينة نصر

بينما تخطو "أمل" خطواتها الأولى على أرض الحديقة الصغيرة الملاصقة لمنزل عائلتها، سيطر الوجوم على وجه أبيها "حسن"، متسائلاً: "أي مستقبل ينتظرك يا صغيرتي بعد أن قررت السلطات إخلاء المنطقة وهدم منازلنا فوق رؤوسنا، أي أمل ينتظرك يا أمل؟"..

مِثل "حسن"، آلافٌ من الأسر المصرية تعيش في ترقب وقلق منذ مطلع العام الجاري. ففي كانون الثاني/يناير ومع بداية العام الجديد فوجئ أهالي الحيين السادس والسابع بمدينة نصر، وهي المدينة الواقعة شرق العاصمة القاهرة، على بعد كيلومترات قليلة من ميدان الثورة أو التحرير، بإخطارهم بقرار إزالة عقاراتهم ومحالهم لإعادة تخطيط المنطقة بالكامل. ساد الذعر وسط السكان، متسائلين عن السبب وراء القرار المفاجئ بينما لم توجه إليهم أي دعوات لمناقشة القرار قبل اتخاذه، بل تلقوا تصريحات نارية لـ ميرفت مطر - رئيسة حي غرب مدينة نصر- وهي المنطقة التي يتبع لها إدارياً الحيين المقرر إزالتهما، والتي ذكرت أنه تم حصر 4500 وحدة سكنية ومحال، تمهيداً لإزالتها لتعارضها مع مشروع التطوير. في حين قال إبراهيم صابر - نائب محافظ القاهرة للمنطقة الشرقية - إن هناك مقابلات مستمرة مع السكان لدراسة مقترحاتهم، وشرح خطة التطوير للمنطقة، ضمن مشروع تطوير المناطق "غير المخططة" بالعاصمة القاهرة.

اعترض "محمد" على تصريحات المسؤولين، خاصة تلك التي تؤكد أن الأجهزة المعنية رصدت عقارات آيلة للسقوط، بنيت منذ 70 عاماً، وأن المنطقة غير مخططة، ما يدخلها ضمن نطاق المناطق الخطرة أو العشوائية التي أعلن عنها "صندوق تطوير العشوائيات الحكومي"، مضيفاً: "منذ عقود نطالع قرارات الإزالة بشأن مناطق أخرى في القاهرة، وتهجير سكانها منها عنوة، ولم نتوقع يوماً أن تطالنا مثل تلك القرارات، فقد كان مبرر الحكومة سابقاً أن تلك المناطق إما مخاِلفة تقع على أملاك الدولة، أو مناطق عشوائية خطرة. لكن الآن لماذا مدينة نصر؟ وهي منطقة مخططة رسمية، أسسها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر!".

وبين محمد وحسن يقف السكان مهمومين بالغد والمصير، يستدعون في شجن مقولة الشاعر أحمد فؤاد نجم "حد ضامن يمشي آمن أو مآمن يمشي فين"، فما قصة الحيين السادس والسابع؟

البداية

تأسست المنطقة إبان حرب العام 1967 حينما أخلت القيادة المصرية مدن القناة الثلاث (السويس، الاسماعيلية وبورسعيد) من غالب سكانها (1)، لأنها كانت على خط المواجهة مع العدو الإسرائيلي آنذاك، ليُهجّر السكان طوعاً وقسراً لصالح المجهود الحربي والاستعداد لحروب الاستنزاف، ومنهم أُسر من محافظة السويس أعيد توطينها في المنطقة الجديدة. 

هكذا تشكل الحي السادس وهو عبارة عن منطقة سكنية وصناعية، تضم عقارات متوسطة الأسعار وبها بعض المصانع الهامة، مثل مصنعي "كوكاكولا" و"إيديال"، إضافة إلى جامعة الأزهر، وتعتبر منطقة محورية، فعلى بُعد 20 دقيقة يقع ميدان رمسيس الشهير بوسط العاصمة، وعلى الجانب الآخر وعلى بعد 30 دقيقة منها يقع "التجمع الخامس" وهو "كمبوند" المترفين. ومن المخطط أن تتصل بالعاصمة الإدارية الجديدة بعد استكمال تنفيذ الخط الكهربائي الأحادي ("المونوريل")، والذي سيضعها على بُعد 10 دقائق فقط منها، ما يجعلها في قلب المنطقة المزمع طرحها للاستثمار.

هجِّرت حوالي 4500 آلاف أسرة في العام 2017، مع توفير بدائل محدودة تمثلت في التعويض المالي الزهيد (لا يتجاوز 150 ألف جنيه عن الوحدة السكنية) أو الانتقال إلى إحدى المدن الجديدة على أطراف العاصمة أو الانتظار لحين الانتهاء من إعادة تأسيس وبناء المنطقة والحصول على شقة في أبراج جديدة لكن كمستأجرين وليس كمُلاك بقيم إيجارية مرتفعة 

الهدف من بناء العاصمة الإدارية الجديدة هو حماية النظام لنفسه ورجاله، وتفادي ما حدث في ثورة 2011. فلن يستطيع المحتجون الوصول إلى أسوار العاصمة الجديدة، ولن يستطيعوا أيضاً الاحتجاج ومحاصرة المباني الحكومية الهامة والمؤثرة المطلة على ميدان التحرير، والقصور الرئاسية التي استطاع المتظاهرون الوصول إلى بعضها وقت الثورة، بعدما يكتمل نقلها جميعاً إلى العاصمة الجديدة.

يحلل الوضع حقوقيون مهتمون بملف الحق في السكن، مفترضين أن السلطة الحالية تعمد إلى إزالة المواطنين من الطبقات الفقيرة والمتوسطة من المناطق وسط العاصمة إلى الصحراء، أو خارج حدود القاهرة التاريخية، رغبة في استكمال مخطط المشروعات الاستثمارية التي ستدر دخلاً ضخماً للسلطة، وذلك من خلال أداتها الأكثر تأثيراً، "قانون المنفعة العامة"، والذي طالما اقترن اسمه بأي قرارات إزالة أو تهجير.

المنفعة العامة

تسعى السلطات الحالية إلى إحداث تغيير سكاني كبير يطال محافظات القاهرة الكبرى (2)، عنوانه "القضاء على العشوائيات" (أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي خطّة للقضاء على العشوائيّات بشكلٍ نهائيّ في مصر في العام 2016)، وهو يهدف إلى إعادة تشكيل التركيبة السكانية لبعض المناطق من خلال نقل سكان "العشوائيات" من أحيائهم، وتسكينهم في أحياء بعيدة عن العمران وقلب العاصمة. كان هذا الهدف المعلن، لكن الواقع يشير إلى أن هدفه ليس القضاء على العشوائيات فحسب، بل يستخدم تلك الورقة كذريعة لهدم أحياء قديمة وإقامة مشروعات سياحية واستثمارية مكانها. وحسب المعطيات الرسمية، فقد تضخم عدد سكّان القاهرة الكبرى من 7 ملايين و349 ألف نسمة في العام 1980 إلى نحو 25 مليون و43 ألف نسمة مطلع العام الجاري. وساهم ارتفاع معدّل الخصوبة في تعزيز نموّ عدد السكان الطبيعي من ناحية، ومن جهة أخرى كان لتردي الأوضاع الاقتصاديّة في الرّيف والصعيد، أثراً في هجرة أعداد كبيرة إلى العاصمة وضواحيها، سعياً وراء الحصول على الخدمات والعمل. وكان المهاجرون من فقراء المحافظات ولم يكن باستطاعتهم الحصول على سكن مخطط في أحد الأحياء المتوسطة، لذا لعب كلٌ من الفقر والتعاضد العائلي دوراً في زيادة أعداد النازحين إلى المناطق العشوائية أو الشعبية، لتصل أعداد سكانها في العام 2014 إلى حوالي 40 في المئة من سكان القاهرة الكبرى وحدها. ووفق دراسة رسمية فإن النمو السكاني لبعض العشوائيات يرتفع بنسبة 34 في المئة سنوياً، حسب المنطقة.

تأسس "الحي السادس" من مدينة نصر إبان حرب العام 1967 حينما أخْلت القيادة المصرية مدن القناة الثلاث (السويس، الاسماعيلية وبورسعيد) من غالب سكانها، لأنها كانت على خط المواجهة مع العدو الإسرائيلي آنذاك، ليُهجّر السكان طوعاً وقسراً لصالح المجهود الحربي والاستعداد لحروب الاستنزاف، ومنهم أُسر من محافظة السويس أعيد توطينها في المنطقة الجديدة

وكان مسؤولون بمحافظة القاهرة قد أعلنوا في حزيران/يونيو من العام 2020، عن التخطيط لتطوير نحو 23 منطقة عشوائية، إضافة إلى 14 منطقة أخرى جرى العمل على حصر سكانها. ووفقاً للبيانات الرسمية فإن إجمالي المناطق العشوائية القابلة للتطوير بالعاصمة وحدها، يصل إلى 64 منطقة، يقع الجزء الأكبر منها في المنطقة الجنوبية بنسبة 56 في المئة منها، يليها المنطقة الغربية بنسبة 19 في المئة، فيما يصل حجم المناطق العشوائية في المنطقة الشمالية الى 11 في المئة، تليها المنطقة الشرقية بنسبة 14 في المئة. وقتها كانت السلطات قد أزالت بالفعل 14 منطقة، منها 5 مناطق بشكل كلي، و12 أخرى كان يجري إزالتها.

لذا استوجبت خطة السلطات إعادة رسم خارطة العاصمة وضواحيها. وخصصت الحكومة مجهوداتها لإعادة إعمار العشوائيّات، والقضاء على "المناطق غير الآمنة" في القاهرة خلال سنتين (وهو ما لم يتحقق بالكامل حتى الآن). وجاءت مناطق رملة بولاق، مثلث ماسبيرو، الحطابة، الدويقة، منشأة ناصر، جزيرة الورّاق، نزلة السمان، كورنيش النيل في حلوان، منطقة التبين، دار السلام ومصر القديمة، حي غرب مدينة نصر على رأس المناطق التي تقع ضمن خطة "التطوير"، وتعرّض عدد من سكانها للتهجير بالفعل، فيما ينتظر آخرون مصيرهم. وتعرف هذه المناطق بأنها مناطق شعبية ذات كثافة سكانية عالية.

لكن كيف تم ذلك؟

فعّلت الدولة القانون رقم 577 لسنة 1954 بشأن نزع الملكية للمنفعة العامة أو التحسين، والقانون رقم 10 لسنة 1990 بخصوص الشأن ذاته، وتعديلاته اللاحقة. وهَدَف القانون لمنح السلطة التنفيذية الحق في إخلاء مناطق عشوائية، أو شق طريق حيوي، أو إقامة مستشفى أو مدرسة، أو غيرها من المشروعات التي تخدم المواطنين، ولم يكن المشرِّع على علم بأن ذلك سيكون سبباً في نشوب مشكلات بين المواطنين والسلطة، ربما وصلت إلى حد ما يمكن وصفه بـ"حرب الأملاك". فالسلطة الحالية توسعت في استخدام المنحة التشريعية إلى الحد الذي شعر فيه المواطن بأنه بات مهدداً في مسكنه الخاص وأرضه وأنه لا يملك شيئاً في وطنه، كما أن التعويضات المدفوعة للمتضررين لا تتناسب مع قيمة ما فقدوه من ممتلكات.

القاهرة 2050

تَعتبر خطة تطوير القاهرة 2050 والتي أطلقت في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك وتحديداً في العام 2007، المناطق الجاري إخلاؤها قسرياً من سكانها، مناطق مناسبة للسياحة والمحال التجارية والمباني الإدارية فقط، وذلك من خلال جذب رؤوس الأموال الأجنبية والخليجية والمصرية. أما عن السكان فلا ترى الخطة ضرورة وجودهم في حيز تلك المناطق، سواء أكانت عائلات ممتدة أو حتى سكان جدد قطنوا فيها بعد استثمار كامل مدخراتهم في شراء أو تأجير منزل بنظام الإيجار القديم (3). وتكمن المشكلة الحقيقية في اتخاذ السلطة الحالية "خطة تطوير القاهرة 2050" "ورؤية " المستلهمة منها، واجهة لتنفيذ مخططات استثمارية كاملة على حساب السكان، بحجة التطوير، ومن هنا تبدأ في نقل السكان الحاليين إلى ضواحي القاهرة الكبرى في مناطق بعيدة عن العمران. وتشير التقديرات إلى انتقال نحو 850 ألف شخص بين عامي 2016 إلى 2021 إلى التجمعات السكنية الجديدة في ضواحي القاهرة، ما خلق لدى المهجّرين من تلك المناطق مشكلات كبيرة لعل أبسطها بُعدها عن أماكن عملهم ودراستهم ومراكز الخدمات في وسط المدينة، وأيضاً انتزاعهم من ذاكرتهم الممتدة لأجيال طويلة المرتبطة بالأماكن اجتماعياً وثقافياً.

ولم تستهدف خطة القاهرة 2050 تهجير السكان فقط، بل شملت تدمير ومحو مناطق تراثية وأثرية بداعي تحسين البنية التحتية، واستحداث مساحات خضراء في منطقة القاهرة الكبرى تصل إلى 50 فداناً. فالسلطة تزعم أنها تزيل العشوائيات بهدف حل مشكلات البيئة في المقام الأول وجعل القاهرة عاصمة خضراء، ليواجه قطاع الآثار والتراث المصري خلال السنوات الماضية موجة من التغييرات في إطار "تطوير البنية التحتية"، والسعي نحو مشاريع تراها الحكومة "لازمة لبناء مستقبل أفضل للمصريين". ولعل أبرز المناطق التي تعرضت بالفعل للتدمير الجزئي في إطار خطة التطوير هي "مقابر صحراء المماليك" (4)، والتي هدمت السلطات بعضاً منها ودمرت واجهات بعضها الآخر، لتنفيذ مشروع "محور الفردوس" من أجل ربط ميدان الفردوس في المنطقة الغربية وصولاً إلى العاصمة الإدارية الجديدة. أيضاً وصلت يد الهدم لأماكن أثرية داخل نطاق القاهرة التاريخية في الأزهر والحسين والعتبة والدرب الأحمر مثل وكالة العنبريين، التي هدمت في شباط/فبراير من العام 2019، وهي سوق تاريخية مهمة يعود وجودها إلى نحو 900 عاماً، وبيت المهندس التاريخي بشارع سوق السلاح بمنطقة الدرب الأحمر، الذي يزيد عمره عن 150 عاماً.

كيف يتم ذلك؟ فعّلت الدولة القانون رقم 577 لسنة 1954 بشأن نزع الملكية للمنفعة العامة أو التحسين، والقانون رقم 10 لسنة 1990 بخصوص الشأن ذاته، وتعديلاته اللاحقة. وهَدَف القانون لمنح السلطة التنفيذية الحق في إخلاء مناطق عشوائية، أو شق طريق حيوي، أو إقامة مستشفى أو مدرسة، أو غيرها من المشروعات التي تخدم المواطنين.

ولعل العامل المشترك في جميع المناطق المهدّمة هو العاصمة الإدارية الجديدة. بناء الكباري والجسور (5) والطرق يرتبط في معظمها بالعاصمة الجديدة. المشروع الأكثر كلفة الذي تنفذه السلطة، يضم قصوراً رئاسية ووزارة الدفاع وجميع المباني الحكومية ومراكز للأعمال، وقدرة سكانية قد تصل إلى 6 ملايين نسمة، جميعهم من النخبة و"الصفوة". وهي محاولة لنقل مركز السلطة السياسية والاقتصادية بعيداً عن العاصمة القديمة ومركزها في ميدان التحرير، تخلصاً من نزعتها التمردية الدائمة، ما يشكل أهمية أمنية واقتصادية لحتمية استكمال بنائها لدى السلطة الحالية.

الدولة كسمسار عمراني

البداية حسب أمنية خليل - الباحثة في أنثروبولوجيا العمران - جاءت مع قرار "مبارك" إنشاء صندوق تطوير العشوائيات عقب انهيار صخرة الدويقة بحي المقطم في العام 2008، والذي صنف في العام 2010، 400 منطقة سكنية في أنحاء مصر كمناطق غير آمنة على حياة سكانها. تلى ذلك مشاريع استثمارية هدفت إلى "الإحلال الطبقي العمراني" في المناطق المعلنة كغير آمنة، لتظهر على السطح في العام نفسه خطة القاهرة 2050، والتي أعلن عنها مصطفى مدبولي رئيس الوزراء المصري الحالي، وكان وقتها مسؤولاً عن هيئة التخطيط العمراني... ما قد يشير إلى استمرار السلطة الحالية في تنفيذ مخططات سلطة مبارك الذي قامت ضده ثورة كانون الثاني/يناير 2011. ورأت الباحثة أن الدولة تتعامل بمنطقين، أحدهما أمني في تشكيل شخص الدولة كسمسار يحمي حدوده الجغرافية من أي اضطراب أمني يهدد وجودها مثلما حدث في العام 2011، حينما عُطّلت المصالح الحكومية في وسط القاهرة نتيجة التظاهرات التي استمرت لسنوات حتى قدوم السيسي إلى رأس السلطة - حتى أنها أثرت على أهم مؤسسات الدولة وأدواتها، وهي مقر وزارة الداخلية القائم بوسط المدينة على بُعد خطوات من ميدان التحرير - وآخر اقتصادي في عملية الكسب وتحقيق الأرباح من خلال استغلال ممتلكات الدولة بشكل مكاني يخص ملكية الأراضي والعقارات وعمليات البناء والتشييد.

تكمن المشكلة الحقيقية في اتخاذ السلطة الحالية "خطة تطوير القاهرة 2050" "ورؤية " المستلهمة منها، واجهة لتنفيذ مخططات استثمارية كاملة على حساب السكان، بحجة التطوير، ومن هنا تبدأ في نقل السكان الحاليين إلى ضواحي القاهرة الكبرى في مناطق بعيدة عن العمران.

ويبدو أن الهدف من بناء العاصمة الإدارية الجديدة ونقل سكان المناطق العشوائية والشعبية المحيطة بميدان التحرير، هو حماية النظام لنفسه ورجاله، وتفادي ما حدث في ثورة 2011، فلن يستطيع المحتجون الوصول إلى أسوار العاصمة الجديدة، ولن يستطيعوا أيضاً الاحتجاج ومحاصرة المباني الحكومية الهامة والمؤثرة مثل مبنى التليفزيون المصري ("ماسبيرو") أو وزارة الداخلية أو مبنى البرلمان المصري المطل على ميدان التحرير أو حتى القصور الرئاسية والتي استطاع المتظاهرون الوصول إلى بعضها وقت الثورة، بعدما يكتمل نقلها جميعاً إلى العاصمة الجديدة.

وتشرح "خليل" أن الإحلال الطبقي العمراني بدأ في مصر في عقد السبعينات من القرن الماضي، بين مجموعة من السماسرة وبعض السكان من الفقراء مقابل تعويضات مالية لإخلاء مقارهم وإعادة بنائها بطريقة عصرية مربحة. لكن مع مرور السنوات اتخذت السلطة نفسها مسألة الإحلال كهدف رئيس لها، على حساب طبقات ومجاميع لا تملك اقتصادياً أن تقاوم طردها واحتلال مساحاتها. كما أن مظاهر الإحلال العمراني الطبقي تحمل جرائم مجتمعية واضحة وصريحة من الطبقات الحاكمة المهيمنة على مواقع القوى وأصحاب رؤوس الأموال ضد الطبقات الأكثر فقراً والأقل تمكيناً في المجتمع المصري.

نماذج للإحلال.. الشوارع الخلفية للتحرير

في العام 2011 كانت منطقة "مثلث ماسبيرو" من أكثر المناطق تأثيراً بالثورة وتأثراً بها، وهي ملاصقة لميدان التحرير تماماً من جهة، وقريبة من وزارة الخارجية ومبنى التليفزيون المصري والقنصلية الإيطالية من ناحية أخرى. وعلى الرغم من تصوير إخلاء المنطقة كمشروع تطوير تشاركي، إلا أنه كان عملية إخلاء قسري كاملة، هدفها الأول الإحلال الطبقي العمراني للمنطقة والتي تعود إلى عصر المماليك في القرن الـ15 الميلادي. وبالفعل هجِّرت حوالي 4500 آلاف أسرة في العام 2017، مع توفير بدائل محدودة تمثلت في التعويض المالي الزهيد (لا يتجاوز 150 ألف جنيه عن الوحدة السكنية) أو الانتقال إلى إحدى المدن الجديدة على أطراف العاصمة أو الانتظار لحين الانتهاء من إعادة تأسيس وبناء المنطقة والحصول على شقة في أبراج جديدة لكن كمستأجرين وليس كمُلاك بقيم إيجارية تتراوح ما بين 1400- 2050 جنيه، وهو ما لن تستطيع الأسر الفقيرة تحمله. وقد اتخذت حوالي 900 أسرة في نهاية المطاف، قراراً بالعودة، ويرحّل الباقون ما بين المدينة الحكومية "حي الأسمرات" أو يبحثون عن سكن آخر بعد الحصول على التعويض المالي الزهيد.

ولم يكن مثلث ماسبيرو الوحيد الذي تعرض لإزالات في وسط العاصمة. فمن المخطط له وفق مقابلات شخصية، إزالة كتل سكنية موزعة بين مناطق عابدين والظاهر والعباسية وبعض مناطق سكنية من القاهرة التاريخية أيضاً، بغية تطوير المنطقة وتحويلها إلى مدينة تاريخية وسياحية فقط. ويستطيع المواطن التوجه إلى رئاسة الحي الذي يقطن فيه للتعرف على ما إذا كانت وحدته السكنية تقع ضمن ما يسمى بخطة التنظيم الجديد من عدمه، ولكن على الرغم من ذلك تبقى الخطة قيد التحديث الدائم وبالتالي لا يشعر كثير من المواطنين بالأمان، الأمر الذي اضطر العديدين إلى طرح وحدته السكنية للبيع في تلك المناطق، كخطوة استباقية تفادياً لدخولها ضمن مناطق الإزالات أو التطوير.

المنطقة الجنوبية.. التبين نموذجاً

يطرح بعض الحقوقيين تساؤلاً حول ما إذا كان سكان "منطقة التبين" التابعة لجنوب العاصمة سيتعرضون قريباً للإخلاء أو التهجير القسري، بعدما قررت الحكومة المصرية تصفية قلعة الحديد والصلب، وطرح أراضيها وأصولها للاستثمار والبيع. ومن ضمن تلك المناطق التي تعود إلى ملكية شركة الحديد والصلب، منطقة التبين والتي بنيت على مئات الأفدنة منها (تمتلك الشركة في المدينة ما يزيد عن 790 فدان) كمساكن للعمال والموظفين التابعين لها. ومع مرور الوقت أصبحت مدينة سكنية، ارتبط سكانها مع جيرانهم بروابط اجتماعية واقتصادية وطيدة، وأصبحوا جزءاً لا يتجزأ من التركيبة السكانية لها، وعلى الرغم من ذلك فقد يواجهون الآن خطر التهجير القسري أيضاً من ضمن خطة السلطات لبيعها وطرحها للاستثمار المباشر، خاصة وأن المنطقة القريبة من حي حلوان أصبحت الآن ضمن المناطق المزمع تطويرها بالكامل نظراً لموقعها شديد التميز على ضفاف النيل وارتفاع ثمن أراضيها، وهي الغنية أيضاً بالمواد المعدنية اللازمة في صناعات عدة.

لم يكن مثلث ماسبيرو الوحيد الذي تعرض لإزالات في وسط العاصمة. فمن المخطط له وفق مقابلات شخصية، إزالة كتل سكنية موزعة بين مناطق عابدين والظاهر والعباسية وبعض مناطق سكنية من القاهرة التاريخية أيضاً، بغية تطوير المنطقة وتحويلها إلى مدينة تاريخية وسياحية فقط.

.. وما بين التبين في جنوب العاصمة وماسبيرو، يبقى المواطن في حيرة شديدة من أمره، منتظراً دوره في التهجير القسري دون إنذار، رغبة في "تطوير" وتجميل القاهرة، حسبما ترتئي السلطات وذريعتها "المنفعة العامة".. ويظل المصري الفقير غريباً في وطنه.

______________________

 1) كان التهجير الأول وقت العدوان الثلاثي في العام 1956، طال ما يقارب 136 ألف مواطناً، بينما جاء التهجير الثاني وقت الهزيمة في العام 1967، ومر بمرحلتين: الأولى اختيارية وهجر فيها 130 ألف مواطن، بينما الثانية قسرية وهجر فيها 590 ألف مواطن، وفقا لما ذكرته الباحثة أسماء محمد في بحث لها بعنوان: "سكان مدن القناة بين الاستقرار والتهجير". للمزيد انظر الرابط: https://bit.ly/3Oa3Js1
 2) هو كيان إداري يشمل محافظات (القاهرة، الجيزة، القليوبية) التي تعد امتداداً عمرانياً طبيعياً للعاصمة، وتشترك في شبكة مواصلات واحدة، منها مترو الأنفاق. 
 3) نظام إيجاري يستأجر فيه المواطن الوحدة السكنية مدة 59 عاماً ويحق للورثة من الدرجة الأولى استخدام محل السكن فقط بعد وفاته ثم تسلم إلى المالك.
 4) مقابر سجلت ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو وتعود للقرن السابع الميلادي، وتضم جبانات سلاطين وأمراء من المماليك وشخصيات تاريخية وكثير من العامة.
 5) باشرت السلطات بناء 40 جسراً تتركز فقط في شرقي المدينة حتى العام الماضي.

مقالات من مصر

للكاتب نفسه