"السويس".. بلد الغربة والثورة، والفرح ليسَ بقريبٍ

كان كبار السن يتذكرون كيف تكررت في 2011 نقاط الاشتباك مع القوات الاسرائيليّة في 1973، ولكنّها هذه المرة كانت ضد الاستبداد.
2022-04-12

منى سليم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
البطل المقاوم عبدالمنعم قناوي

يقولون عنها في مصر أنّها بلد الغريب، أمّا الرواية الأكثر تداولاً حول المسمّى فتتشابه مع ما تعرفه غيرها من مدنٍ عربيّةٍ يتغنى أهلها بمرور أحد المتباركين يوماً وترك بصمته على الطريق. وهو هذه المرة كان "سيدي عبد الله الغريب"، ذلك الاسم الأيقوني الذي يصلح إشارةً لكلّ من يسعى سواءً كان متوجهاً إلى الأراضي المقدسة بالحجاز أو يواجه في الشوارع دبابات العدوّ الخارجيّ مرةً، ومرةً أخرى رصاص المستبد المحليّ وقنابل الغاز.

يحكون أنّها كانت من قبل طريق مرور الحُجّاج، وأنّه لطالما هلك الكثيرون في انتظار المراكب إثر الحرّ والعطش، وحين "مرّ الغريب" حفر بئراً لا ينضب استسقى منه الجميع، ثمّ وفي سنوات الحرب الحديثة، حين حاصر الصهاينة المدينةَ، وأغلقوا ترعة المياه بهدف قطع الإمدادات عن الجيش، اتجه أهلها وفدائيوها ممّن سيحررونها بعد أيامٍ قليلةٍ للابتهال إلى مسجد الغريب، وبحثوا عن مدخل البئر فانبثقت منه المياه من جديد.

يحكون كما يحكي الناس دوماً، وبالطبع لا تأكيد عن قصص انبلاج المياه من البئر، ولكن ما هو ثابتٌ بصلابةٍ هي هذه السمة القدريّة في الانتقال من الغربة إلى الثورة، ومن الثورة إلى الغربة، وكان التجلّي الأخير مع انبلاج نور الثورة في 25 كانون الثاني/ يناير 2011، فكانت هي قِبلة الربيع. فماذا تبقّى؟

سويس المقاومة وحكايات الغريب

صباح 24 تشرين الأول/ أكتوبر 1973 وبينما كان كلّ المصريين يعيشون أجواء الترقب والفرح بالانتصار المتوقع، بدأ العدد القليل المتبقي داخل مدينة السويس يدرك أنّ شيئاً ما يُدَبَّر لكسر هذا الانتصار وأنّ عين العدوّ غالباً ترمي إلى السويس لتعلن منها أنهم ما زالوا على قوتهم.

جاءت القوات الصهيونيّة، وكان في انتظارهم أفراد "منظمة سيناء" وهم الفدائيون من أبناء مدينة السويس وأفراد من جنود الجيش الثالث وبعض جنود الشرطة ومن تبقى من أهالي السويس الذين لم يهاجروا.

 أعدّ الفدائيون عدة كمائن في مواقعٍ إستراتيجيةٍ. فهناك كمينٌ رئيسيٌّ وعدة كمائنَ فرعية، وفي إحداها أفرادٌ من القوات المسلَّحة والشرطة والمدنيين بقيادة أحمد أبو هاشم وفايز حافظ أمين من منظمة سيناء العربية، وفي ميدان الأربعين كمينٌ آخرٌ يضمّ محمود عواد قائد الفدائيين ومعه محمود طه وعلي سباق من المدنيين إضافةً إلى عددٍ من الجنود ورجال الشرطة. وآخرٌ بجوار مقابر الشهداء، ويضمّ محمود سرحان وأحمد عطيفي وإبراهيم يوسف إضافةً إلى عددٍ من الجنود ورجال الشرطة، ورابعٌ حول ميدان الأربعين به عبد المنعم خالد وغريب محمود غريب من منظمة سيناء ومعهم آخرون، وعند مبنى المحافظة كمينٌ آخرٌ يقوده نقيب الشرطة حسن أسامة العصر ومعه بعض الجنود.

السويس هي ثغر البحر الأحمر وعروسه، وعرفها العالم منذ عهد الفراعنة كمركز مرورٍ تجاريٍّ واسعٍ ومصنعٍ لبناء السفن.. مذّاك الحين وإلى اليوم، تعتبر المدخل الجنوبيّ الرئيسيّ لسياحة الحجّ والعمرة والتجارة، علاوةً على كونها تعوم على حقل بترول ممتدٍّ، وتنتشر على أرضها مصانع إنتاج وتكرير البترول، وفيها "هيئة قناة السويس" وما تمثّله كالمركز الثاني للدخل القومي على مستوى الجمهوريّة.

كانت خطة الفدائيين هي إدخال القوات الإسرائيلية في شركٍ ثم محاصرتها. وبالفعل بدأت الدبابات الإسرائيلية في السير بما يشبه النزهة داخل المدينة التي بدت خاليةً على عروشها حتى أنّ بعض الجنود الإسرائيليين نزلوا لالتقاط بعض التذكارات من الشوارع.

وفجأةً انطلق رجال الكمائن. كانت أشرس المواجهات في ميدان الأربعين حيث واجه محمود عواد ومجموعته رتلاً من الدبابات، وقام عواد بإطلاق ثلاث قذائف آر بي جي لم تكن مؤثرةً، وانتقل الكمين الذي كان يتمركز عند سينما رويال العتيقة لمساندة محمود عواد ومجموعته. وفي الوقت الذي كانت تتقدم فيه دبابةٌ من طراز "سنتوريون" العملاقة أعدّ البطل إبراهيم سليمان سلاحه وأطلق مباشرةً ليخترق برج الدبابة ويطيح برأس قائدها الذي سقطت جثته داخل الدبابة حين أطلق طاقمها صرخاتٍ مرعبةٍ وفرّوا مذعورين ومن خلفهم طواقم جميع الدبابات. وبعد تدمير معظم المدرّعات الإسرائيلية التي دخلت المدينة، تركّزت المعركة في مبنى قسم شرطة الأربعين بعد أن فرّ إليه جنود العدو، وتحرّكت كل الكمائن لمحاصرة القسم وإطلاق النيران عليه من كلّ جانبٍ، وحاول الجنود الاستسلام لكنّ المحاولة فشلت.

قسم الاربعين خلال المقاومة في حرب 1973

لم يعد أمام أبطال السويس إلا اقتحام القسم. جاءت المبادرة من الشهيد البطل إبراهيم سليمان بطل الجمباز ومعه أشرف عبد الدايم وفايز حافظ أمين وإبراهيم يوسف، وتمّ وضع الخطة بحيث يستغل إبراهيم سليمان قدراته ولياقته البدنية في القفز فوق سور القسم. لكنّ رصاصةً من العدو أسقطته شهيداً فوق السور وبقي جسده معلقاً يوماً كاملاً حتى تمكن الفدائيون من استعادته تحت القصف الشديد.

وجاءت المحاولة الثانية من البطل أشرف عبد الدايم وفايز حافظ أمين اللذين قررا اقتحام القسم من الأمام وبعد أن تحرّكا تحت ساترٍ من النيران، فتح العدو النيران عليهما ليسقط أشرف شهيداً على سلّم القسم ويسقط زميله فايز شهيداً بجوار الخندق داخل القسم.

وعند حلول ليلة 24 تشرين الأول/ أكتوبر كانت قواتُ العدوّ قد انسحبت بالكامل خارج السويس بعد أن تركت قتلاها ومدرعاتها سليمة، عدا المحاصرين في القسم. وقام البطلان محمود عواد ومحمود طه بإحراق المدرّعات الإسرائيلية خشيَة أن يتسلل إليها العدو.

كانت خطة الفدائيين السوايسة هي إدخال القوات الإسرائيلية في شركٍ ثم محاصرتها. وبالفعل بدأت الدبابات الإسرائيلية في السير بما يشبه النزهة داخل المدينة التي بدت خاليةً على عروشها حتى أنّ بعض الجنود الإسرائيليين نزلوا لالتقاط بعض التذكارات من الشوارع.

انتصرت السويس انتصاراً باهراً، ومنذ ذلك التاريخ تحتفل مدينة السويس كلّ عامٍ في الرابع والعشرين من تشرين/اكتوبر بعيدها القوميّ!

ابطال حرب 1973

السويس.. سنوات الرتابة والقهر

رويداَ رويداً لم تبقَ من آثار علامات النصر رسمياً فوق وجه المدينة غير الاحتفالات السنوية. فعلى مدار سنوات حكم محمد حسني مبارك، دائماً ما تمّ تصنيف السويس كإحدى أشهر المدن المغضوب عليها.أخذ الأمر بدايةً منحىً شديد الجدية مع إنشاء جهاز تعمير سيناء ومدن القناة الذي تصدّى لتخطيط المحافظة من جديد والاطمئنان إلى حالة مساكن السوايسة العائدين من سنوات الهجرة. وبمرور الوقت، بدأت المحافظة التي لطالما وفد إليها مواطنون من غير أهلها، في إنشاء الأحياء الجديدة، في حين أخذت الأيام تضع آثارها السيئة على حيّ الأربعين الذي امتدّ بشكلٍ عشوائيٍّ، في حين راحت شوارعه، هو ومناطق أخرى في مدينة السويس في التمدد دون تخطيط، دون مرافق، دون خدمات. والنتيجة أنّ السويس احتلت مرتبةً عاليةً بين المدن الأكثر حرماناً من الخدمات العامة، تشهد على ذلك شوارعها الضيقة والمليئة بالحفر، ومستوى المستشفى العام فيها وفق تقارير رسمية لوزارتَي الإسكان والصحة.

وما أشعل غضب الغاضبين أنّ هذا يحدث لمدينةٍ توقع أهلها كلّ اهتمامٍ بعد ما قدمته، ولمدينةٍ تمتلك الكثير من الخيرات دون أن تتمتع بها.

فالسويس هي ثغر وعروس البحر الأحمر وعرفها العالم منذ عهد الفراعنة كمركز مرورٍ تجاريٍّ واسعٍ ومصنعٍ لبناء السفن.. مذّاك الحين وإلى اليوم، تُعتبر المدخل الجنوبيّ الرئيسيّ لسياحة الحجّ والعمرة والتجارة، علاوةً على كونها تعوم على حقل بترول ممتدٍّ، وتنتشر على أرضها مصانع إنتاج وتكرير البترول، وفيها "هيئة قناة السويس" وما تمثّله كالمركز الثاني للدخل القومي على مستوى الجمهوريّة.

خلال حديث مطول لي معه، حكي لي "عبد المنعم قنّاوي" الفدائي الملقب بصقر السويس كيف مرت به الأيام، وهو أحد أبطال السويس، قضى 40 يوماً فوق جبل "عتاقة" لمراقبة العدو وتحذير الجيش المصري ثم عاد لينضم الى رفاقه في محاصرة قسم الأربعين، وبعد ما يقارب الـ 30 عاماً، عاد للقسم نفسه ليجلس على دكة خشبية صغيرة بعد أن سحب منه أحد ضباط الشرطة العاملين فيه رخصة سيارته الأجرة التي يعمل عليها في إقلال طلبة المدارس كل صباح. مر أحد المحامين فصدمه ما رأى، دخل للضابط، فخرج إليه واعتذر، هز البطل رأسه ببساطةٍ ورحل.

سويس الثورة

أمام ما سبق، لم يكن مُستغرَباً أن تحاول المدينة نفض البؤس الذي يلفها، ولم تكن البداية مع "25 يناير" بل إنّ الإرهاصات بدأت باكراً، فقد سجلت السويس أعلى معدلات الاحتجاجات العمّالية عام 2010. وعندما حاول الحزب الوطنيّ ـ الذي لطالما سقط رموزه في الانتخابات في السويس - تزوير الانتخابات بشكلٍ فجٍّ في نهاية 2010، قام السوايسة بفعلٍ "مميزٍ" لم يتكرر في سواها من المحافظات، وكان هو بالفعل عنوان ثورتها، حين قام حوالي 3000 مواطن في حوالي العاشرة مساءً، وبعد إعلان النتيجة، بمحاصرة مديريّة أمن السويس متهمين ضبّاطها بقيادة عملية التزوير لصالح الحزب الوطنيّ.

في يوم 25 كانون الثاني/يناير، وفي تمام الثانية عشر، بدأ التجمع في ميدان الإسعاف بحي الأربعين بعددٍ لا يزيد عن 100 ناشط سويسيّ وكانت قوات الأمن هي الأخرى بالطبع في الانتظار بعرَبَتي أمنٍ مركزيٍّ وصفٍّ واحدٍ من الجنود لعمل "حاجزٍ أمنيٍّ" وتطويق المحتجين الذين ووفق العادة والمتوقع لم يكن عددهم ليزيد عن 400 شخص ولا أن يمتدّ حضورهم لأكثر من ساعة.. لكنّ التقارير الإخبارية الأولى من هناك قالت أنّ العدد وصل لحوالي 2000 مواطن تزايدت أعدادهم حتى وصلت إلى حوالي 5 آلاف متظاهرٍ بعد صلاة العصر. وجاء رد الفعل سريعاً بزيادة عدد سيارات الأمن المركزي خاصةً وأنّ ميدان الإسعاف يجاور قسم الشرطة في حي الأربعين.

في تمام الرابعة والنّصف، وأمام تزايد الأعداد وارتفاع الحماسة تحولّت الوقفة الاحتجاجية إلى مسيرة اتجهت إلى مبنى محافظة السويس بعد أن دارت في شوارع الأربعين فانضم إليها المئات حتى وصل عدد المتظاهرين إلى 7 آلاف متظاهرٍ تقريباً.

عادوا إلى كلمة السر: "حيّ الأربعين". وأصبح من الواضح للقوّات الأمنية أنّها في مواجهة مسيرةٍ بمنطقةٍ شعبيةٍ تجدّد دماءها. فصدر القرار بفضّها بأي طريقةٍ، خاصةً بعد أن بلغهم أنّ المتظاهرين في القاهرة وصلوا إلى ميدان التحرير، ويحاولون الاعتصام فيه، في حين لم تشهد مدينةٌ أخرى غير السويس استمرار المظاهرات لساعاتٍ طويلة.

في هذه اللحظة أطلق "الأمن" وابلاً من القنابل المسيّلة للدموع والرصاص المطاطيّ لتفريق المسيرة وانهال جنود الأمن المركزيّ بالعصيّ والهراوات ومدافع المياه والخرطوش.. وهو ما جعل الصورة كما قال عنها أحمد الكيلاني، عضو "الجمعية الوطنية للتغيير" في السويس، تبدو وكأنّ السياسة انسحبت من الدائرة وأنّ عنفاً كبيراً سوف يبدأ. وفعلاً بدأت الإصابات الواسعة تصل إلى المستشفى، وكان أول الشهداء مصطفى رجب وبعده سليمان صابر وثالثٌ استشهد في اليوم التالي متأثراً بإصابته. بدأ أهالي السويس، شيوخاً وشباباً ومن كافة الأطياف بالانتفاض، وأصبح البطل هو رجل الشارع العاديّ الذي يتصرف بشكلٍ عفويٍّ ـ مكتشفاً فيه أن المقاومة هي سجيته الأولى ـ وعادت المجموعات لتشكيل نفسها، وشهدت السويس حرب شوارع وجاء رد فعل "المواطن السويسي" على غير ما توقعته القيادات الأمنيّة، فردَّ على العنف بالانتشار السريع واستخدام الطوب والزجاج والمولوتوف.

مواجهات يناير 2011

مصطفى رجب كان أول شهيدٍ في الثورة المصرية، وقد حكى صديقه ياسر محمود ورفيق لحظته الاخيرة: "خرجتُ في بداية اليوم بصحبة مصطفى للعب البلياردو بحسب اتفاقٍ بيننا، وقبل وصولنا إلى أحد النوادي بحيّ الأربعين، اعتذر لي مصطفى عن عدم قدرته على الذهاب للنادي عقب سماعه دويّ أصوات المظاهرات، حيث أصرّ على مشاركة آلاف المتظاهرين الذين كانوا موجودين في ميدان الإسعاف. وبعد سيرنا ما لا يزيد عن مئة متر فقط بشارع صدقي، بدأت قوات الأمن بإطلاق الرصاص المطاطي ورصاص الخرطوش لتفريق المتظاهرين، ورأيت مصطفى وهو يهتف بحماسٍ مع آخرين، دون أن يحاول الهرب خوفاً من أن تصيبه الرصاصات. ثم فجأة وجدته غارقاً في دمائه على الأرض وبجواره عددٌ كبيرٌ من المصابين. وبصعوبةٍ وصلت سيارات الإسعاف من شدّة الزحام، ونقلته بشكل مباشر إلى المشرحة بعد أن تأكدت من وفاته".

استمرت أحداث ذلك اليوم حتى ساعاتٍ متأخرةٍ من الليل، إلى أن تمكنت قوات الأمن من تفريق المتظاهرين. ولكن بقي الطرفان رهنَ شوارع حيّ الأربعين، فداخل أرجائه يقبع كلُّ طرفٍ ينتظر الصباح وما قد يأتي به.

ثاني أيام الثورة.. 26 يناير

جاء الصباح التالي يكسوه الغضب قبل الحزن. تجمّع ما يزيد عن 5 آلاف سويسيٍّ أمام المشرحة العامة بمنطقة الفرز بحي الأربعين، إلا أنّ الصّلف والتّعنت السلطويّ كانا هما العنوان. فالصور ومقاطع الفيديو من أمام المشرحة كشفت طول مدة بقاء المشيّعين متراصّين دون أن يتمكنوا من استلام جثة أيٍّ من الشهداء. وازداد الأمر سوءاً بعد أن سمعوا أنّ هناك نيةً أمنيةً لإخراج الجثامين في عرباتٍ تابعةٍ لجهاز الشرطة ونقلهم بشكلٍ فوريٍّ للمقابر. لكنّ الجنازات خرجت على الرغم من قوة الأوامر، وتحوّلت في طريق عودتها من المقابر إلى مسيراتٍ ثوريةٍ.

شهد مساء اليوم الثاني حرب شوارع فاقت سابقتها، ووصل عدد المعتقلين إلى 250 شخصاً، وشوهدت حالات سحلٍ لفتياتٍ وسيداتٍ ممّن قمنَ بتنظيم وقفةٍ احتجاجيةٍ أمام قسم الأربعين للمطالبة بالإفراج عن ذويهنّ، وازداد الغضب بوفاة الشهيد الثالث، "غريب الجمال"، متأثراً بالجراح التي أُصيب بها في اليوم الأول للثورة..

يوم 25 كانون الثاني/يناير 2011، بدأ أهالي السويس، شيوخاً وشباباً ومن كافة الأطياف بالانتفاض وأصبح البطل هو رجل الشارع العاديّ الذي يتصرف بشكلٍ عفويٍّ ـ مكتشفاً فيه أن المقاومة هي سجيته الأولى ـ وعادت المجموعات لتشكيل نفسها، وشهدت السويس حرب شوارع وجاء رد فعل "المواطن السويسي" بالردَّ على العنف بالانتشار السريع واستخدام الطوب والزجاج والمولوتوف.

 غريب الجمال "خبّاز"، ولديه 4 بنات كانت أكبرهنّ حينها في الثامنة من عمرها والصغرى لم تتجاوز التّسعة أشهر. يقطنون بمنطقة كفر محمد سلامة بحيّ الأربعين. في يوم الحادث ذهب إلى مقهى "أبو حلاوة" بشارع صدقي الذي يعدّ مقراً للعاملين بالمخابز، للبحث عن عملٍ له في أيّ مخبزٍ، فوجد المظاهرة فنزل للمشاركة فيها فكانت رصاصةٌ في قلبه هي الإجابة.

 تحول حيّ الأربعين من جديدٍ إلى ساحاتٍ لحرب شوارع، وتمركزت قوات الأمن حول قسم الأربعين وازداد عدد المعتقلين في داخله. ومنذ ذلك اليوم بدأت خيوط اللعبة تدور حوله، فكانت المحاولة الأولى بزجاجة مولوتوف لإحراق مقر الحزب الوطنيّ، وبدأ الأمن فعلياً في فقدان السيطرة وترددت الأخبار عن تحرك قوات أمن محافظات الإسماعيلية في طريقها إلى السويس، وقطعت بشكلٍ كاملٍ شبكات الاتصال عن المدينة وانتشرت كمائن الشرطة على الطرق الداخليّة والخارجيّة للمحافظة.

الثالث.. 27 يناير

في اليوم الثالث، استيقظت مصر وراح الجميع يسأل: "إلى أين وصلت الأمور بالسويس؟". وكان يفصل مصر عن جمعة الغضب نهارٌ وليل، وأصبحت السويس هي البوصلة.

ركّز الأهالي على حالة قوات الأمن المنهكة على مدار 48 ساعة، وانقسموا بطريقةٍ عفويةٍ إلى مجموعاتٍ. شهدت شوارع الأربعين إحراق 4 عرباتٍ مصفحة تمّ استدراجها الى شوارع جانبية ضيقة ولكن لم يجر استهداف المجندين، ثمّ جرى استخدام هذه السيارات فيما بعد كحواجز. وصل المتظاهرون لنقطة شرطة "المثلث" وحصلوا من داخل المقر على عصيٍّ وخُوذٍ لاستخدامها للحماية، ممّا دفع قوات الأمن لزيادة تمركزها أمام قسم الأربعين خوفاً من سيطرة المتظاهرين عليه، حيث أصبح هدفهم الضمنيّ غير المعلن. وكان كبار السن يتذكرون كيف تكررت نقاط الاشتباك مع القوات الاسرائيليّة في 1973، ولكنّها هذه المرة كانت ضد الاستبداد.

شهد مساء اليوم الثاني حرب شوارع فاقت سابقتها، ووصل عدد المعتقلين إلى 250 شخصاً، وشوهدت حالات سحلٍ لفتياتٍ وسيداتٍ ممّن قمنَ بتنظيم وقفةٍ احتجاجيةٍ أمام قسم الأربعين للمطالبة بالإفراج عن ذويهنّ، وازداد الغضب بوفاة الشهيد الثالث، "غريب الجمال"، متأثراً بالجراح التي أُصيب بها في اليوم الأول للثورة..

استمرّت المعارك حتى الرابعة صباحاً، خاصة بعد انتشار شائعة استشهاد الشيخ حافظ سلامة. وعلى الرغم من محاولة قياداتٍ أمنيةٍ نفي الأمر إلا أنّ مفعول الإشاعة كان قد سرى وانطلقت مسيراتٌ واسعةٌ تجوب الشوارع بحثاً عن دماء الشيخ حافظ سلامة. وفي توقيتٍ متقاربٍ، كانت تشكيلاتٌ من الجيش الثالث بدأت في النزول إلى الشارع، ولكنّها لم تتدخل لصالح أيٍّ من الطرفين، بينما حاولت قوات الأمن قُبيل الفجر تنفيذ أكثر من عملية اعتقالٍ عشوائيٍّ.

الحاسم.. جمعة الغضب 28 يناير

23 شهيداً ومئات الإصابات! خرجت المظاهرة الأكبر من مسجد الأربعين بمنطقة الإسعاف بقيادة الشيخ حافظ وجاء في خطبة الجمعة، من هذا المسجد نفسه الذي لعب دوراً كبيراً في أحداث الحصار في حرب 1973: "الدكتاتورية والاستبداد لا تقرّهما الشريعة الإسلامية أو المواثيق الدولية، وعلى وليّ الأمر أن يرضخ للشورى وإن لم يفعل فعليه أن يرحل". وكانت ملامح الغضب القائم كفيلة بأن تبدأ المظاهرة نواتها الأولى بما لا يقلّ عن عشرة آلاف شخصٍ.

وفي شوارع أخرى انطلقت مسيرات موازية كان أكبرها بشارعَي الجيش وصدقي، وردّت قوات الأمن باستخدامٍ كثيفٍ للقنابل المسيلة للدموع، قُدِّرَ عددها بـ 2000 قنبلة، وصل عددٌ كبيرٌ منها إلى داخل المنازل وتسبب في حالات اختناقٍ كثيرةٍ بعضها لم يتمّ إسعافه، ووصل عدد الإصابات في هذا اليوم إلى حوالي الـ600 وفق تقديراتٍ صحافيّةٍ وحقوقيّةٍ، علاوة على مقتل جندي أمنٍ مركزيٍّ وإصابة 4 ضباط أحدهم انتابه انهيارٌ عصبيٌّ ونُقِلَ لمستشفى السويس العام.

استمرت المعارك حوالي 20 ساعة، نجح المتظاهرون في الدخول إلى مقر الحزب الوطنيّ للمرة الرابعة وإلى جميع المؤسسات الحكوميّة، وتوافد الآلاف إلى مبنى محافظة السويس وتظاهروا أمامه. إلا أنّ المعركة الحاسمة والأكبر لاعتبار حماس الأهالي، هي التي خصت قسم شرطة الأربعين حيث استمر الكرّ والفرّ لأكثر من عشر ساعاتٍ، تعرّض خلالها المحتجزون للاختناق وتمّ نقلهم إلى الساحة الخارجيّة للقسم واستمرّ المواطنون في هجومهم، وبدأت قوات الأمن بالفعل في التراجع وتدارك الموقف خوفاً من سيطرة المتظاهرين على القسم وعلى ما فيه من أسلحة. فتمّ تقديم عرضٍ من خلال محامين نقابيين بالإفراج عن 30 معتقلٍ، قوبل بالرفض، ولم تتوقف المعارك إلا بعد انطلاق زغاريد سيداتٍ إعلاناً عن سيطرة المتظاهرين على القسم الذي تحوّل إلى ما يشبه المتحف.

وصف حسني أبو ضيف الصحافيّ في جريدة "الفجر" المعركة أمام قسم الأربعين قائلاً: "عندما وصلت المظاهرة لمقرّ القسم تراجع الأمن المركزيّ لداخله فأشعل المتظاهرون النار في إحدى عربات الشرطة، ثمّ أطلق ضباط المباحث الرصاص من أعلى القسم، فهربت قوة أمنٍ مركزيٍّ إلى مبنىً خلفه لم يكتمل بناؤه، واستسلم لواء أمنٍ مركزيٍّ وضابطان وأكثر من 50 مجنداً للمتظاهرين، فقاموا بحمايتهم وأدخلوهم إلى منازل مجاورة. وكان اللواء يقسم بعدم وجود ذخيرةٍ حيّةٍ معهم، وطلب الرحمة من المتظاهرين. قام المتظاهرون بتحطيم الحائط الخلفيّ لتحرير السجناء، وفي السادسة مساءً دخلت قواتٌ كبيرةٌ من الجيش إلى المدينة فرحّب بها المتظاهرون".

شهد هذا اليوم معركةً أخرى يتذكرها ثائرو السويس جيداً ويطالبون بالقصاص من مرتكبيها. فالأمر يتعلق بـ "ابراهيم فرج" رجل الأعمال الذي تربطه علاقاتٌ قويةٌ بالحزب الحاكم والجهاز الأمنيّ، والذي يقول السوايسة أنّه بدأ حياته "عجلاتيّ". الرواية تشير إلى أنّه أثناء اندلاع الاشتباكات بين قوات الأمن والثوار على قسم الأربعين، قام فرج وابنه ومعاونون له بإطلاق النيران على الأهالي من فوق أحد الأبراج السكنيّة التي يملكها ممّا أسفر عن مقتل ما لا يقلّ عن 8 أشخاصٍ بالرصاص الحيّ في هذا اليوم. ردّ الأهالي بالتوجه إلى معارض السيارات التي يملكها فرج المعروف بتجارته في "المخدرات" وحطّموا كلّ أملاكه وطالبوا بالوصول إليه والقصاص منه ومن ابنه.

رفع الأهالي أسماء وصور 26 شهيد من السويس و448 مصاب، كثيرٌ منهم إصاباتهم بالغة. خرجت المظاهرة الأكبر من مسجد الأربعين، وجاء في خطبة الجمعة من هذا المسجد نفسه الذي لعب دوراً كبيراً في مواجهات 1973: "الدكتاتورية والاستبداد لا تقرّهما الشريعة الإسلامية أو المواثيق الدولية، وعلى وليّ الأمر أن يرضخ للشورى وإن لم يفعل فعليه أن يرحل".

قرر أهالي السويس في يوم جمعة "الزحف" (11 شباط/ فبراير) أن يعلنوا قبل غيرهم أنها النّهاية الأكيدة، فذهبوا إلى مبنى المحافظة وصمّموا على إسقاط كافة صور رموز النظام من على بنايتها ومدخلها، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، وعلّقوا على كلّ جدرانها صور الشهداء وحاصروها أمام أعين الجيش بعد أن التزموا بالسلميّة وعدم التكسير وأعلنوها منطقةً محرّرةً. 

انتهى يوم "جمعة الغضب" حاملاً مشاعر النصر، بما تشمله هذه المشاعر من راحة تحقيق الكرامة وحرقة القلب على الدماء ونشوة الانتصار. انتهى "النظام" في السويس قبل غيرها من المحافظات. لم يعد هناك وجودٌ للأمن أو للحزب الحاكم أو حتى للمسؤولين. الشعب أولاً والجيش يحيط بالمدينة التي فكّت في أحد الأيام الغابرة الحصار عنه.

شهداء يناير 2011، السويس

أيام الصمود

بدخول المتظاهرين إلى ميدان التحرير عادت السياسة من جديدٍ إلى مدينة السويس التي كان الرأي العام الغالب فيها هو رفض أيّ محاولاتٍ من النظام لاسترضاء الشعب، وقد جاءت المسيرات اليومية معبّرةً عن هذا ورفع الأهالي أسماء وصور 26 شهيدٍ من السويس و448 مصابٍ، كثيرٌ منهم إصاباتهم بالغةٌ (في العين، وحالات متعددة من الشلل النصفيّ والكامل)، وذلك وفق إحصاءٍ صادرٍ عن مديريّة الصحة بالسويس بعد ارتفاع عدد المتوفين المتأثرين بجراحهم داخل المستشفى متدنِّ المستوى بما يخصّ الرعاية الصحية، والذي على الرغم من ذلك حاولت الأطقم الطبية فيه إسعاف ما لا يقل عن 3000 إصابة وفدت إليها خلال الأيام الصعبة. وقد أكدت التقارير الطبيّة أنّ غالبية الوفيّات ناتجةٌ عن الإصابة المباشرة برصاص أجهزة الأمن، في منطقتي الرأس والصدر. ومن بين من أصيبوا وتوفوا داخل المستشفى شريف رضوان وهو يعمل مهندساً في شركه النصر للبترول، وقد أصيب بشارع الجيش أمام قسم الأربعين في يوم 25 كانون الثاني/ يناير وتوفي بعدها بعدة أيامٍ متأثراً بجراحه في مستشفى السويس العام. حكى شقيقه تامر لمراسل جريدة البديل قائلاً: علمت من إحدى الفضائيات أنّ مظاهراتٍ حاشدةٍ تغلق شارع الجيش وتسير باتجاه ميدان الإسعاف، فاتصلت بشقيقي الذي يعود من هذا المكان، فأكّد لي أنّه يشارك في تلك المظاهرات لأول مرةٍ في حياته، وفي الليلة نفسها اتصل بي أحد المتظاهرين من تلفون شقيقي وأخبرني أنه سقط مضرّجاً بدمائه بعد أن أصابته رصاصةٌ اخترقت رقبته وتمّ نقله إلى المستشفى.

ومن بين من استُشهِد أيضاً محمد يوسف، ووالدته تعمل "بنبوطية"(تعمل على خدمة المراكب المارّة بقناة السويس). يحكي الأهالي عن هذه السيدة التي خرج ابنها في اليوم الأول فأصيب برصاصةٍ مطاطيّةٍ في ذراعه، وفي اليوم الثالث نزل فأصيب بأخرى في قدمه، ولكنّه صمم ونزل في يوم الجمعة، فكانت الرصاصة الحيّة القاتلة. وكان رد الأم: "صرخت بأبيه وإخوته أن ينزلوا في مظاهرات السويس والقاهرة وأيّ مكانٍ ولا يعودوا إلا بثأر أخيهم الصغير.

ولأنّه لهم دائماً البداية، فقد قرر أهالي السويس في يوم جمعة "الزحف" (11 شباط/ فبراير) أن يعلنوا قبل غيرهم أنها النّهاية الأكيدة، فذهبوا إلى مبنى المحافظة وصمّموا على إسقاط كافة صور رموز النظام من على بنايتها ومدخلها، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية، وعلّقوا على كلّ جدرانها صور الشهداء وحاصروها أمام أعين الجيش بعد أن التزموا بالسلميّة وعدم التكسير وأعلنوها منطقةً محرّرةً.

في 28 شباط/ فبراير 2011 صدر قرار وزير الداخليّة الجديد اللواء محمود وجدي الأول حول ملاحقة الضباط المتورّطين بعمليّات قتل المتظاهرين وخاصةً بالسويس، فتمّ نقل مدير المباحث الجنائيّة بالسويس العميد جمال عبد الباري إلى مديرية أمن 6 أكتوبر، وهو القرار الذي جاء مترافقاً مع صدور قرارٍ بإبعاد 15 ضابط شرطةٍ من مديريّة أمن السويس متهمين بتعذيب المعتقلين السياسيين وقتل المتظاهرين. كما صدر قرارٌ بناءً على بلاغٍ مقدّمٍ للنائب العام بملاحقة رجل الأعمال إبراهيم فرج وابنه والقبض عليهم والحجز على كافة ممتلكاتهم. وعند التفتيش عثرت قوات الأمن على مخزنٍ للأسلحة والبنادق والمتفجرات داخل مخبأ سريّ في قصره بمدينة السويس.

***

السويس، مدينة أشبه بموجة، تمتد ثم تنحسر، وتبقى دوماً في مرمى أماني الحالمين. 

مقالات من مصر

للكاتب نفسه