هذا ليس تطرفاً!

تعيين زاوية النظر، وتعيين الموقع الذي تنطلق منه وجهة النظر تلك أو الموقف، أمران بالغا الأهمية حين يكون الموضوع أساسياً.
2022-03-03

نهلة الشهال

أستاذة وباحثة في علم الاجتماع السياسي، رئيسة تحرير "السفير العربي"


شارك
"الشتاء"، نبيل عناني - فلسطين

"من الواضح أن نضالنا، نضالَ الشعوب المستعمَرة ضد الكولونيالية، نضالَ الشعوب الملونة ضد العنصرية، أعقدُ بكثير، بل ومن طبيعة أخرى تماماً مقارنةً بنضال العامِل الفرنسي ضد الرأسمالية الفرنسية".

كان ذاك "ايميه سيزير"، الشاعرُ المارتينيكي العالمي، وأحد رموز إشراق الوعي المناهض للاستعمار، وصائغُ مفهوم "الزنوجة" الذي فصّله الشاعر السنغالي، العالمي هو الآخر، ليوبولد سنغور ـ وقد أصبح فيما بعد أول رئيس لجمهورية بلاده بعد استقلالها.

تلك كانت مقولة سيزير في اشتباكه مع الشاعر الفرنسي، العالمي كذلك، لويس أراغون، الشيوعي المنضبط، والذي لم تهز قناعاته اليقينية الفظائعُ التي ارتكبها ستالين، حين كشفها بيان سوفييتي أدلى به خروتشوف... على العكس من سيزر، الشيوعي هو الآخر، والنائب في البرلمان الفرنسي أيام عز قوة الحزب الشيوعي الفرنسي.

مناسبةُ هذه الاستعادة لواقعة عمرها 70عاماً، ولكنها ما زالت فصيحةً وراهنة، ليست الممارسات العنصرية المقزِّزة ضد الملونين والسمر، من أفارقة وهنود وعرب، على حدود بلدان اللجوء للفارين من أوكرانيا، وفي عز الأزمة الطاحنة التي تلفهم جميعاً وتسحقهم، بل هي ردود الأفعال على النقد كما عبّر عنه فلسطينيون تجاه تقرير "منظمة العفو الدولية" الذي صنّف ممارسات إسرائيل كسياسة فصل عنصري، "أبارتهايد"، (وقد نشرنا في "السفير العربي" النص في هذا الصدد بعنوان "تفكيك ماذا؟" بالإنجليزية والفرنسية والعربية). وكأن السادة المستنكِرين للنقد – وهم كتاب وصحافيون وسياسيون أوروبيون بالدرجة الأولى، وينتمون إلى المعسكر المؤيد لنضال الشعب الفلسطيني، وليس إلى معسكر الأعداء - يستكثرون على الفلسطينيين ألا يكتفوا بالمنجز الذي أتت به المنظمة الحقوقية الدولية، علماً أن الفلسطينيين ثمّنوا بالطبع التقرير المذكور، ولكنهم تجرؤوا على تفحص حدوده وعلى تناول تناقضاته.

وقالوا - أي الفلسطينيون – إن مشكلتهم مع التقرير تتعلق بمنطلقاته وليس بأخطاء هنا وهناك، وباختلاف على بعض النقاط.

ومسألة المنطلقات، أو زاوية النظر والتحليل من جهة، والموقع الذي يقف فيه من تصْدر عنه، من جهة ثانية، هي الأساس في السياسة، وبتجاهلها والتعمية عليها تصبح السياسة – كما هي غالباً – بازاراً فحسب للعرض والطلب.

وللتذكير أيضاً، فلم يمضِ بعد وقت طويل على ابتداع فكرة "حل الدولتين" حتى ننسى ما ترتب عليها - وما يزال - من إعاقة لنضال الشعب الفلسطيني، وحرف له بوضع "مقاييس" جديدة للنظر إليه وإلى ما هو مقبول منه، وهو باختصار متجسدٌ اليوم في "السلطة الفلسطينية" التي تشتغل كوكيل أمني وسياسي واقتصادي لإسرائيل، فيما تتغول هذه الأخيرة أكثر فأكثر في كل فلسطين، ولا دولتين ولا من يحزنون.

ولا يكفي أن يقال إن إسرائيل جُنّت من تقرير "أمنستي" وقبله تقرير "هيومن رايتس ووتش" الذي أكد الخلاصات نفسها، ولم تُبقِ على شتيمة ولا على تهديد إلا واستخدمته. علماً كذلك أن استرضاءها والتخفيف من حنقها استدعى تصريحات مخجلة من المنظمة الدولية، نسفت المنجز نفسه.

صحيح أنهم "حقوقيون" و"غربيون" و"رسميون" بمعنى الإجازة من السلطات، وأنه من غير المنتظر أن يصدر عنهم ما يفوق نقدهم هذا، أو يتجاوزه. وصحيح أننا يمكن من جهتنا أن نوظّف موقفهم ونستخدمه في سجالاتنا وصراعاتنا الكثيرة لكسب التفهّم والتأييد لنضال الشعب الفلسطيني في العالم، لكن كل ذلك هو أحد مستويات العمل السياسي الفلسطيني المقاوِم، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يؤدي إلى إسكات الصوت المستقل، ذاك الذي أسماه شاعرنا إيمي سيزر بأنه من "طبيعة مختلفة".

تعيين زاوية النظر، وتعيين الموقع الذي تنطلق منه وجهة النظر تلك أو الموقف، أمران بالغا الأهمية. وكمثال "منهجي" لتوضيح الفكرة، موضوع "الفساد"، وهو أساسي تماماً في مسألة التنظيم الاجتماعي والدولة. فلو اعتبرناه معضلةً تتعلق بسوء "الحوكمة"، أو اعتبرناه مجرد نهب، وغياب لمؤسسات المحاسبة وقوانينها، ونقص في الشفافية... لفاتنا تماماً التقاط كيفية اشتغال الفساد، من جهة، ووظائفه من جهة ثانية، أي "مبرر" وجوده، باعتبار كل ذلك الذي وُصف سابقاً أعراض لأصل، وأما الأصل فهو أن الفساد ليس نتيجةً فحسب، بل هو جزء بنيوي أساسي من ركائز "النظام" كما هو قائم، سواء أكان أنيقاً أو مبتذلاً، وبغض النظر عن الأيديولوجيا التي يعلن تبنيه لها. أي أن اقتلاع الفساد يتطلب تغيير أسس ذلك النظام، الذي يعتمد عليه بمقدار اعتماده على القمع مثلاً (أو أكثر في أحيان كثيرة)، وبمقدار اعتماده على الادعاء والدعاية والكذب (الإقناع بالصوابية أو "الشرعية") بكل الأدوات المصاحبة لها، وعلى كسب المؤيدين. وهذا لا ينفي أهمية الانخراط في محاولة تحقيق منجزات، كالقوانين وأدوات الرقابة وهيئات المحاسبة الخ.. لأنها تحسّن شروط الحياة اليومية للناس. وقد اهتم "السفير العربي" بإنجاز دراسة في هذا الصدد، نشرها في كتاب أصدره بالعربية والإنجليزية والفرنسية. ويقول فيه " يتعلق الفساد بسؤالٍ هو: كيف تحكم السـلطات القائمـة؟ والفساد ليس عرَضاً يمكن معالجته بذاته وبتدابير تخصه، بل موظّف لتمكين الحاكم/ الحكام، ولاستدامة سلطتهم وهيمنتهم. وهو قد يكون أشد فعالية من القمع، متنوع الأشكال، الذي ينهال على المجتمع، ومن الإخضاع بالتدجين، وبتيئيس الناس من التغيير، كما بإفقارهم. يتغلغل الفساد في كل مكان ويُشرِك معه بدرجات متفاوتة عدداً واسعاً من الناس، أو يقودهم إلى التواطؤ معه، أو على الأقل إلى القبول به لتيسير حياتهم".

كما اهتم "السفير العربي" مؤخراً بإصدار "دفتر" عن المسألة النسوية بالعربية والإنجليزية، يتفحص هنا أيضاً طبيعتها وأسس وجودها، غير منكرٍ لأي منجز قد يمكن تحقيقه لمزيد من المساواة في حقوق العمل والأحوال الشخصية وكافة ميادين الحياة، أو لدرء الأذى والظلم وكل صنوف العنف الذي يصل إلى الاستباحة. ولكنه يتبنى زاويةً في النظر تعتبر أن المسألة في أصلها تتعلق ليس بالمساواة بالذكور وإنما بإقرار ما "تعنيه المساواة من الوصول إلى إنسانية النساء الكاملة، أي امتلاكهنَّ لزمام أمورهنَّ. تلك هي الحرية، ومعها القيم الأساسية التي يقاتل الإنسان من أجلها، وعلى رأسها الكرامة، وهي تشمل جوانبَ واسعة اتساع الحياة نفسها. وتلك القيم متداخلةٌ ومتشابكة فيما بينها، بل ومتناقضة أحياناً، بحيث يبدو مستحيلاً أن يجري تناولها الواحدة بعد الأخرى أو بشكل منعزل. وهكذا فسريعاً ما نصل إلى أن مجابهة انعدام المساواة المتعدد الذي تعاني منه النساء يتطلب نقداً شاملاً للمنظومة السائدة نفسها التي تشمل ميادين العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية والجنسية والتعليمية... وأن الأمر لا يتحقق من دون قلب النظامين الرمزي والمعرفي اللذين بُنيا بشكل واضحٍ ضد النساء".

مقالات ذات صلة

... وهكذا، يستخلص نص الباحثتين الفلسطينيتين، سهير أسعد ورانيا محارب، إن "التقرير امتنع عن تحديد الاستعمار الاستيطاني الصهيوني والأيديولوجيا الصهيونية على أنهما أصل نظام الفصل العنصري في إسرائيل وأصل جوهره القيمي. لو حدث إيحاء بأنّ نظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا وناميبيا المحتلّة يخلو من الأيديولوجيا العنصرية، لكان ذلك اعتبر سخيفاً اليوم. لكنّ المفارقة هي أنّ هذا بالضبط ما يقوله بعض الفاعلين عن الفصل العنصري (الأبرتهايد) الإسرائيلي. إن تقديم قراءة لمسألة الفصل العنصري تخلو من الإقرار بوجود الاستعمار الاستيطاني تعني الدعوة إلى "مساواة ليبرالية"، دون إنهاء الاستعمار".

ها قد قيل كل شيء! تلك هي المقاربة الفلسطينية للقضية الفلسطينية! 

مقالات من العالم العربي

للكاتب نفسه

جبل النار!

يُروى في كتب التاريخ عن حرب التحرير الجزائرية، أنه في إحدى ليالي شهر كانون الأول/ديسمبر 1960، انطلقت في آنٍ معاً زغردات استمرت طويلاً، من كل نوافذ بيوت الجزائر العاصمة، بما...

نحن!

يبذل فريق "السفير العربي" بكل أعضائه جهداً يتميز بالمعرفة العميقة بمجتمعتنا، إضافة للدأب، ويطبع هذا الجهد الالتزام بزاوية في الفهم والنظر تتحول إلى "قيم" مع الانسداد الحالي للأفق العام في...