الإنسان العراقي المقهور: الحنين إلى زمن الديكتاتور الأوحد

الناس غاضبون وناقمون ومتعبون، ويشعرون بحنين غريب لعهد صدام حسين، الديكتاتور الذي فتك بهم، وارتكب كل الجرائم التي قد يرتكبها أي طاغية: إعدامات، مقابر جماعية، سجون، تعذيب، تدمير للمدن، خوف، اغتصاب، فقر وتجويع، حصار، حروب. كيف ولماذا؟
2022-01-27

ميزر كمال

كاتب من العراق، مقيم في اسطنبول


شارك
ضياء العزاوي - العراق

في شارعٍ تمتدُّ الأوساخ والعشوائيات وعربات الباعة على جانبيه مثل خطين أبديين، يقف مجموعة من العراقيين، يبدو على ملامحهم كل تعب الدنيا، يصنعون هلالاً حول مراسل ميداني يسأل الناس عن أحوالهم وآرائهم في الحياة اليومية والبلاد. يقول له مواطن يرتدي دشداشة كأنه لم يخلعها منذ زمن بعيد، وعلى وجهه تنبت لحية مهملة: أقول لك شيئاً، أنا وفي كل صباح، عندما أركب سيارتي وأخرج على باب الله، أقرأ الفاتحة على روح صدام حسين. ثم يسكت. المراسل: لماذا؟ لأنه أشرف من هؤلاء اللصوص الفاسدين، انظر ماذا فعلوا بنا. ثم ينفجر بالغضب، ويسترسل بشتائمه على كل من جاؤوا إلى السلطة بعد 2003، العام الذي سقط فيه نظام صدام حسين (حزب البعث) واستولت الأحزاب الإسلامية التي جاءت من إيران ودول المنافي الأوروبية على الحكم، بدعم كامل من قوات الاحتلال (الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا).

يحدث مثل هذا المشهد في شوارع ومدن كثيرة في العراق، كلما تجوَّل مراسل أو كاميرا قناة تلفزيونية لاستطلاع آراء الناس. إنهم غاضبون، وناقمون، ومتعبون، ويشعرون بحنين غريب لعهد صدام حسين، الديكتاتور الذي فتك بهم، وارتكب كل الجرائم التي قد يرتكبها أي طاغية: إعدامات، مقابر جماعية، سجون، تعذيب، تدمير للمدن، خوف، اغتصاب، فقر وتجويع، حصار، حروب.

أحزان الشعب المقهور

العراقيون ليسوا الأوائل في مثل هذا الحنين لعهد الطاغية الأوحد، فالتاريخ زاخر بقصص الشعوب المقهورة. بعد الطريقة البشعة التي حكم ومات بها نيرون، كتب المؤرخ الروماني وقنصل روما كورنيليوس تاسيتوس عن الحزن العميق الذي عمَّ الشعب الروماني النبيل، فصار الناس يتذكرون ألعابه وولائمه، للحد الذي كادوا أن يعلنوا الحداد عليه، رغم كل المذابح والحرائق التي أشعلها في البلاد. كذلك فعل الشعب الروماني مع يوليوس قيصر، أول من أطلق لقب إمبراطور على نفسه، وفرض حكم الطاغية الأوحد، وألغى القوانين وقَمعَ الحريات، حتى اغتالته الطبقة الأرستقراطية في مجلس الشيوخ بروما، وشارك في قتله بروتوس الذي يُقال إنه ابنه غير الشرعي. عندما قُتل يوليوس قيصر، كرَّمه شعب روما، وجمعوا له مقاعد الساحات العامة لترميد جثمانه (احراقه) وأقاموا له نصباً تذكارياً كتبوا عليه: "إلى أبي الشعب".

أمام الكاميرا، وفي إحدى مدن جنوب العراق، تقف امرأة وسط مجموعة من الرجال وتنتقد الحال الذي وصل إليه العراقيون: لو يعود صدام حسين، أقسم بالحسين أنني سأنتخبه بالدم"، وترفع إصبعها أمام الكاميرا، ثم تعيد الجملة بكل إصرار الغاضبين، وتعبر عن حسرتها لأنَّ صدام حسين رحل ولم يقتل هؤلاء السياسيين الذين جاؤوا بعد 2003. تقول إنهم ليسوا رجال، وجميعهم (المعمم والسياسي والعسكري) وقفوا ضد الشعب العراقي وسرقوه.

مواطنون آخرون، لا يترددون باستذكار عهد صدام حسين والتعبير عن مشاعر الحنين لتلك الأيام، في بغداد، وعشرات المدن العراقية التي عاشت القمع والجوع والخوف والحروب في عهد الديكتاتور الذي اتسم حكمه بالقسوة والقبضة الأمنية واستحواذ عائلته وأقربائه على امتيازات الحياة ورفاهية العيش بينما الشعب يقف طوابير للحصول على الغاز والدواء والغذاء، وصار عادياً مشهد العوائل العراقية التي تُخرج أثاث منازلها وأجهزة التلفاز وتعرضها للبيع في سوق الخردة.

بعد ستة أشهر من الحصار الأممي الذي فرضه مجلس الأمن الدولي على العراق في 6 آب/ اغسطس 1990، وكان القرار 661 ينص على فرض حظر اقتصادي شامل، ويحظر على جميع دول العالم أي تبادل تجاري مع العراق، انهارت الدولة، فرغت الأسواق والمخازن من الغذاء والدواء وكل ما يتعلق ببقاء الإنسان حياً في أي مجتمع، وبلغ حجم التضخم في العملة العراقية 24000 في المئة سنوياً. وكان العراقيون يهنّؤون بعضهم في الشوارع عندما يتوفَّر العدس في الأسواق ويتمكنون من شراءه.

"يصعب على المرء أن يصدّق كيف أن الشعب متى ما أُخضِعَ فإنه يسارع إلى السقوط فجأة في هوّة النسيان العميقة لحريته، حتى ليمتنع أن يستيقظ لاستعادتها، ويُقبل على الطاعة بحرية وتلقائية، فيظن من يراه أنه لم يخسر حريته بل ربح عبوديته" (إيتان دو لا بويسي - Etienne de la Boétie ) 

لكن ما الذي يجعل أي مواطن، أو مجموعة من المواطنين، تضرروا بشكل مباشر من نظام استبدادي، وعانوا فيه الويل والثبور، من إبداء مشاعر الحنين لزمن ذلك النظام، مهما كانت نسبة هؤلاء المواطنين (قليلة أو كبيرة). والحديث ليس عن أولئك المعجبين بالديكتاتور، الموالين له وأتباعه، الذين يضفون عليه صورة أسطورية ويمجدونه وينزهونه عن الأخطاء، وما يزالون يعتقدون أنه حي لم يمت، وأن صورته تظهر في القمر عندما يكون بدراً. لا، هؤلاء متواطئون استعذبوا العبودية والخنوع ولا يريدون تجربة الحرية حتى وإن كانت متاحة لهم. بل الحديث عن أولئك الذين يقرّون أنه ديكتاتور، وارتكب الجرائم، لكنهم يتمنون العودة إلى زمنه وقاعدة ذلك عندهم المثل الشعبي القائل: "ما يوازيك على المر غير الأمرّ منه". ألا يوجد غير المرّ في العراق؟

القائد، الزعيم، المنعم

في رواية "حفلة التيس" للكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا، تقول الممرضة التي تعتني بالدون أوغسطين كوبرال: "حسنا، حسنا. قد يكون ديكتاتوراً وكل ما يقولونه عنه، ولكن يبدو أن الحياة كانت أفضل آنذاك. الجميع كان لديهم عمل، ولم تكن تقترف كل هذه الجرائم". هي تتحدث عن الديكتاتور تروخيو، أو "الزعيم، الجنراليسمو، المنعم، أبو الوطن الجديد، صاحب الفخامة "الدكتور رافائيل ليونيداس تروخيو مولينا"، كما كان يحب الدون كوبرال أن يلقبه، عندما كان سيناتوراً ووزيراً ثم رئيس مجلس الشيوخ في جمهورية الدومنيكان، البلاد التي حكمها تروخيو بالرعب والاستبداد والقتل لمدة 30 سنة، ثم كانت نهايته قتيلاً في موكبه على يد مجموعة من ضباط الجيش عام 1961.

أورانيا، ابنة كوبرال، التي فرت من البلاد قبل 35 عاماً، بعد أن وهبها والدها لتروخيو ليضاجعها، كما كان يفعل جميع الوزراء والمسؤولين الخاضعين لسطوة الدكتاتور المهووس بمضاجعة النساء، وإظهار فحولته على أجساد الفتيات الصغيرات وزوجات الوزراء الجميلات، أورانيا التي لا تدري لماذا قررت وبعد كل هذه السنوات الطويلة، زيارة الدومينيكان، والعودة إلى بيت العائلة في العاصمة سانتو دومنغو، أو مدينة تروخيو، كما كان اسمها عندما هربت من البلاد، تجلس في الغرفة التي لا يغادرها والدها منذ أن أصيب بالشلل وفقد 90 في المئة من وظائف دماغه، بما في ذلك قدرته على الحركة والكلام. تقول للمرضة التي تحن إلى عهد الطاغية تروخيو: "ربما كان صحيحاً - بسبب الحكومات الكارثية التالية - أن دومينيكانيين كثيرين يحنون إلى تروخيو. لقد نسوا التعسف، والاغتيالات، والفساد، والتجسس، والعزلة، والخوف، فقد تحول الرعب إلى أسطورة: الجميع كان لديهم عمل، ولم تكن تُقترف كل هذه الجرائم".

بالنسبة لأورانيا، فإن الأشياء التي كانت في البدء غير قابلة للتفسير، صارت مفهومة من خلال القراءة، والاستماع، والمقارنة والتفكير، وتوصلت إلى فهم كيف يمكن لكل تلك الملايين من الأشخاص المهروسين بالدعاية والافتقار إلى المعلومات، المخبولين بالتلقين العقائدي والعزلة، المحرومين من حرية الاختيار، ومن الإرادة، وحتى من الفضول بسبب الخوف وممارسة التذلل والخنوع، أن يصلوا إلى تأليه تروخيو. ليس إلى الخوف منه وحسب، وإنما إلى حبه، مثلما يتوصل الأبناء إلى محبة الآباء المتسلطين، وإقناع أنفسهم بأن الجَلْدَ والعقوبات إنما هي لمصلحتهم.

لكن أورانيا لا تستطيع أن تغفر لوالدها المنكمش بكل سنواته الخمسة والثمانين على كرسي متحرك، الشاخص بعينيه الذاهلتين، الساكن كأنه مومياء قديمة، ولا تقدر على نسيان الخوف والطفولة الضائعة التي عاشتها في عهد تروخيو، فتسأل والدها الذي لن يجيب، لكنه يسمعها: "أهناك ما يستحق كل ذلك يا أبي؟ أكان الوهم بالتمتع بالسلطة؟ أحياناً أفكر أنْ لا، وأن الازدهار كان أمراً ثانوياً، وأنكم في الحقيقة كنتم تستلذون التلوث بالقذارة، وأن تروخيو قد أخرج من أعماق أرواحكم ميلاً مازوشياً، ككائنات تحتاج إلى من يبصق عليها، يهينها، لأنها بالتحقير تجد ذواتها".

الديكتاتور في المخيال الشعبي

عندما يتعلق الأمر بالحياة، كان على العراقيين دائماً أن يختاروا بين موتين، ويُجبَروا على المفاضلة بينهما. في ساحة الميدان وسط العاصمة بغداد، ينفجر غضب شاب (شيعي) أمام عشرات المارة الذين وقفوا لسماع خطبته الانتحارية. تحدث عن الأثر التخريبي الذي تلعبه إيران في العراق، وتدخلها في كل شيء، وتبعية الأحزاب الشيعية للولي الفقيه: "مصير العراق أصبح مرتبطاً بإيران، إنها صمام الأمان للحثالة في منطقة الخضراء، نحن قتلنا الجوع، هل تعرفون كمّ الأذى الذي نتعرض له؟ حزب الدعوة دمرنا، صدام أشرف منهم، أنا مسؤول عن كلامي، غداً سأموت هنا، لكن ليست عندي مشكلة، سيقولون عني بعثي ومندس، من خرجوا في المظاهرات قالوا عنهم مندسين، لأنهم أحرقوا صور الخميني. بالنسبة لهم إن أحرقتَ صورة الخميني فأنت "كلب ابن كلب" ومندس. ذُلَّنا هذا سببه الخميني، إن خرجت إيران من العراق فجميع مشاكلنا سوف تُحل، في زمن صدام حسين لم نتعرض لهذا الذل، كنا نعيش مثل الملوك، ورحم الله روحه، ولعن الله أرواح من جاؤوا بعده".

الحديث عن إيران والتنديد بتدخلها العابث في العراق، لم يعد حدثاً فردياً، ففي كل مناسبة أو تظاهرة أو تجمع، لا يفوت العراقيون فرصةً للتعبير عن رفض الوجود الإيراني في العراق، والهتاف ضد الولي الفقيه وأتباعه من المليشيات المسلحة والأحزاب الشيعية، وحدثت في أكثر من مناسبة أن اقتحم متظاهرون قنصليات إيران في البصرة والنجف وكربلاء، وأحرقوها، مع هتافات من قبيل: "إيران برا برا.. بغداد تبقى حرة"، وفي هذه العبارة بالتحديد إحالة خفية إلى حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران، التي أعلن صدام حسين أنَّ العراق انتصر فيها، عندما وافق الخميني على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 598 لعام 1988، والذي أنهى الحرب، بموجب اتفاق يقضي بوقف إطلاق النار، وصفه الخميني في خطابه حينها بأنه يشبه تجرع السم.

عام 2018، احتفلت جامعة الأنبار بالذكرى 31 على تأسيسها، وفي احتفال الطلبة في حدائق الجامعة، رفع طالب لوحة رُسم عليها بورتريه لصدام حسين، بزيه العسكري ونظاراته الشمسية الواسعة، وهي صورة اشتهرت في عقد الثمانينات - خلال فترة الحرب ضد إيران - كانت تُطبع في المناهج الدراسية، وترسم وتعلق على جدران المنازل والمدارس، وتنتصب في الساحات العامة. طلبة جامعة الأنبار رفعوا اللوحة على موسيقى أغنية "يا كاع ترابج كافوري" (يا أرض ترابك كافور) وهي أغنية تعبوية عراقية شهيرة، كانت تذاع يومياً في التلفزيون الرسمي، وجبهات القتال، وهي أشهر أغاني ما يسمى ب"أغاني قادسية صدام المجيدة". وواحداً من أهم الأسباب التي يوردها العراقيون في أي حديث عن الحنين لعهد صدام حسين، هو وقوفه بوجه إيران في تلك الحرب الطويلة، وما بعدها... لاحقاً، اعتقل الطلبة الذين رفعوا صورة الديكتاتور، وأصدر رئيس الجامعة قراراً بفصلهم نهائياً!

هذه الأغنية أيضاً استخدمت من قبل المتظاهرين في "ثورة تشرين" التي اندلعت عام 2019، وجوبهت بالقمع والقتل من قبل السلطة والأحزاب والمليشيات المسلحة، واتهم المرشد الإيراني علي خامنئي شخصياً بتحريض المليشيات الموالية له في العراق على قمع وقتل المتظاهرين عندما طالب "الحريصين على العراق بمعالجة أعمال الشغب وانعدام الأمن الذي تسببه في بلادهم أمريكا والكيان الصهيوني وبعض الدول الغربية، بأموال بعض الدول الرجعية"، وحينها بدأت حملة منظمة من قبل تلك المليشيات، بقتل واختطاف وترهيب المتظاهرين واقتحام الساحات التي كانوا يتظاهرون ويعتصمون فيها في بغداد ومدن الجنوب (الشيعية). وانتهت تلك التظاهرات بعداد للضحايا بلغ أكثر من 700 قتيل، وما يزيد عن 30 ألف جريح، منهم 5000 بإعاقات دائمة، وعشرات المغيبين والمختطفين الذين لا يُعرف مصيرهم حتى اللحظة.

استراتيجية "فرق تسد" في العراق

يشعر العراقيون بالإهانة دائماً من تحكم إيران في بلادهم، إنها تتدخل من خلال موظفي سفارتها وضباطها بأكثر القرارات السيادية حساسيةً. قبل اغتياله قرب مطار بغداد الدولي، كان قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني، هو من يختار رئيس الوزراء، ولا يُنصب رئيس الحكومة إلا بمباركة إيران، وتدعم إيران وتدرب وتمول مليشيات مسلحة تفرض سيطرتها وسطوتها على المدن العراقية، وتنهب موارد الدولة، وتهرِّب النفط، وتأخذ الإتاوات من الشركات والناس، وتسهل عملية تجارة المخدرات والترويج لها، وتنشر الفساد والسلاح والفوضى منذ 2003.

ينفجر شاب شيعي وسط ساحة التحرير بمارة تحلقوا حوله: "مصير العراق أصبح مرتبطاً بإيران، إنها صمام الأمان للحثالة في منطقة الخضراء، نحن قتلنا الجوع، هل تعرفون كمّ الأذى الذي نتعرض له؟ حزب الدعوة دمرنا، صدام أشرف منهم، أنا مسؤول عن كلامي، غداً سأموت هنا، لكن ليست عندي مشكلة، سيقولون عني بعثي ومندس، من خرجوا في المظاهرات قالوا عنهم مندسين".

الحديث عن إيران والتنديد بتدخلها العابث في العراق، لم يعد حدثاً فردياً. ففي كل مناسبة أو تظاهرة أو تجمع، لا يفوت العراقيون فرصةً للتعبير عن رفض الوجود الإيراني في العراق، والهتاف ضد الولي الفقيه وأتباعه من الميليشيات المسلحة والأحزاب الشيعية. وحدثت في أكثر من مناسبة أن اقتحم متظاهرون قنصليات إيران في البصرة والنجف وكربلاء، وأحرقوها. 

الولايات المتحدة لم تتعامل مع العراق بشكل مختلف، فالجيش الأمريكي وسلطة الاحتلال كانت طيلة وجودها في العراق، تتعامل باستعلاء واحتقار تجاه البلد سلطةً وشعباً. فمجلس الحكم الذي شكله الحاكم المدني بول بريمر كان يشبه 25 دميةً يحركها كيفما شاء ووقتما يشاء. وأكثر شيء يتذكره بريمر عن ذلك المجلس الذي شكله جيش الاحتلال على أساس طائفي، هو أن أعضاء المجلس في اجتماعهم الأول معه، ناقشوه أول ما ناقشوه وسألوا عنه هو مرتباتهم الشهرية. لذا فمن الطبيعي أن ينظر إليهم بالعين التي يرى بها مجموعة من اللصوص جاءت بهم الولايات المتحدة ليحلوا محل طاغية حكم العراق بالخوف والاستبداد.

أما الجيش الأمريكي والشركات الأمنية فكانت تتعامل مع العراقيين على أنهم أشياء لا بشر، تماماً كما كان الجنود اليابانيون يتعاملون مع الصينيين في الحرب العالمية الثانية. كان الجنود الأمريكيون يقتلون المدنيين العراقيين في الشوارع من أجل تزجية الوقت والمتعة، ويدهسون بمدرعاتهم ودباباتهم على المركبات المدنية التي تسير أمامهم، ويقتحمون البيوت في أي وقت لاعتقال أو قتل من يشكون -لمجرد الشك - أنه مصدر تهديد. هذا ما قاله الجنود بعد أن شبعوا من القتل وممارسة العنف وعادوا إلى بيوتهم في الولايات الأمريكية الآمنة، وشكلوا مجموعة اسموها About Face: Veterans Against the War  تضم عدداً من الجنود الذين يشعرون بتأنيب الضمير من جرائمهم التي ارتكبوها في العراق وأفغانستان.

الباحث الأمريكي والصحافي المستقل نيكولاس جي. أس. ديفيز، مؤلف كتاب (Blood On Our Hands: the American Invasion and Destruction of Iraq)، نشر عام 2018 تقريراً بالاشتراك مع ميديا بنيامين، في Salon، بعد مرور 15 عاماً على الغزو الأمريكي البريطاني للعراق، ذكر التقرير الذي جاء بعنوان (The staggering death toll in Iraq) أن الشعب الأمريكي ليس لديه أي فكرة عن فداحة الكارثة التي تسبب بها الغزو. وقال أن الجيش الأمريكي رفض الاحتفاظ بإحصاء للقتلى العراقيين. ويتحدث التقرير عن تومي فرانكس، القائد العام للقيادة المركزية الأمريكية، الذي قال في تصريح صحافي: "نحن لا نقوم بإحصاء الجثث". وبينما كان معظم الأمريكيين يعتقدون أن عدد القتلى العراقيين كان عشرات الآلاف، فإن التقديرات باستخدام أفضل المعلومات المتاحة، تظهر رقماً كارثياً يشير الى مقتل 2.4 مليون عراقي منذ غزو 2003.

الولايات المتحدة طبَّقت استراتيجية "فرق تسد" الكلاسيكية في العراق، بحسب ديفيز، ودمرت المجتمع من خلال تأليب الناس من مختلف الطوائف ضد بعضها البعض. حرضتهم على العنف الذي لم يسبق له مثيل أبداً في هذا البلد، ثم غرست حكومة طائفية في ذلك المجتمع الممزق. وما يزال نظام القمع الرسمي الذي بنته الولايات المتحدة في العراق قائماً وفعالاً.

شعور السيادة المجروح

لم يكن العالم بحاجة إلى مجيء دونالد ترامب ليتم دورة الخبل والعته التي يدور بها. هذا الرئيس الشعبوي المعجب بالأنظمة الشمولية والديكتاتوريات القديمة والجديدة، التقى في البيت الأبيض عام 2017 بوفد عراقي "رفيع المستوى" ضم رئيس الوزراء حينها حيدر العبادي وفريق من الوزراء والشخصيات السياسية التي تمثل وجه السلطة العراقية بعد 2003. فيما بعد، سرب مسؤول أمريكي كان حاضراً في ذلك اللقاء جملةً قالها ترامب عن الوفد العراقي، وصفهم بأنهم "مجموعة من أبرع اللصوص التي لم يسبق أن التقيت بمثلها". المسؤول الذي سرَّب حديث ترامب قال أيضاً أن حديث الرئيس الأمريكي كان خلال النقاش الذي دار حول اختفاء 1.7 مليار دولار أمريكي، منحتها واشنطن للحكومة العراقية بعد 2014، كمساعدات إنسانية، ومن أجل إعادة إعمار البنية التحتية التي دمرتها الحرب ضد تنظيم داعش.

هذا يفسر ما سيحدث بعد عام واحد (2018). يهبط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع زوجته ميلانيا في قاعدة عين الأسد العسكرية بمحافظة الأنبار، لمشاركة جنوده احتفالات رأس السنة. الزيارة كانت سرية للحد الذي لم يكن للسلطات العراقية علم بها، لم يلتق ترامب أي مسؤول عراقي، ومن هناك قال إن الجيش الأمريكي قد يتخذ العراق قاعدة لشن عمليات داخل الاراضي السورية.

رفض الجيش الأمريكي إحصاء القتلى العراقيين. وقال تومي فرانكس، القائد العام للقيادة المركزية الأمريكية، في تصريح صحافي: "نحن لا نقوم بإحصاء الجثث". وبينما كان معظم الأمريكيين يعتقدون أن عدد القتلى العراقيين كان عشرات الآلاف، فإن التقديرات المتاحة تظهر رقماً كارثياً يشير الى مقتل 2.4 مليون عراقي منذ غزو 2003.

الولايات المتحدة طبَّقت استراتيجية "فرق تسد" الكلاسيكية في العراق، ودمرت المجتمع من خلال تأليب الناس من مختلف الطوائف ضد بعضها البعض. حرضتهم على العنف الذي لم يسبق له مثيل أبداً في هذا البلد، ثم غرست حكومة طائفية في ذلك المجتمع الممزق. وما يزال نظام القمع الرسمي الذي بنته الولايات المتحدة في العراق قائماً وفعالاً. 

العراقيون الذين علموا بالزيارة بعد مغادرة الرئيس الأمريكي، غضبوا كما يفعلون دائماً، وجرح دونالد ترامب شعورهم بالسيادة، وكانت هذه فرصة لا تعوض لاستحضار صدام حسين، وهذا ما حدث بالفعل: ففي مهرجان للشعر الشعبي في مدينة الناصرية، استذكاراً لأحد "شهداء" الحشد الشعبي، يقف الشاعر صلاح الحرباوي على المنصة، ويقرأ على مئات الحاضرين قصيدةً عن تعدي ترامب على سيادة العراق، ويستدعي صدام حسين: "ترامب الكظ مضيفي وآني خطاره.. يا أبو عدّاي اكرهك بس أحبك حيل.. أحبك جي تطب عالعايل للداره.. هسه الوادم يقولون بعثي وسولف لصدام.. لا عمي وعلي ولا لذت باكتاره.. بس غثتني كلش طبتك يا ترامب.. غصب طبيت ما طبيت تسيارة" ( ترامب أمسك بالمضيف وصرت انا ضيفه.. يا أبو عدي أكرهك ولكن أحبك كثيراً.. أحبك أن تهبط على المعتدي على الدار.. سيقول الناس اني بعثي وتكلمت عن صدام. لا يا عمي وبحق علي لم انتمِ لهذا، وانما أغاظني كثيراً حضورك يا ترامب.. فقد حضرت بالقوة ولم تأت بزيارة). خلال القصيدة تفاعل الجمهور بحماس عالٍ مع الشاعر والقصيدة، وطالبه لمرتين أن يعيد قراءتها. ولا يفوت الشاعر أن يتوقف في منتصف القصيدة ليقول: أنا لدي 16 شهيداً من أقاربي أعدمهم صدام حسين. بعد المهرجان اعتقلت قوة من جهاز مكافحة الإرهاب الشاعر صلاح الحرباوي.

بالحديث عن صدام حسين ودونالد ترامب، فإن الأخير وبينما كان يخاطب مؤيديه في مدينة رالي بولاية نورث كارولينا، عندما كان مرشح الحزب الجمهوري لخوض الانتخابات الرئاسية الامريكية، فاجأ الجميع حينما امتدح طريقة صدام حسين في قتل الإرهابيين: "صدام كان رجلاً شريراً، أليس كذلك؟ كان شريراً، بل شريراً جداً. ولكن هل تعلمون ما كان يجيده؟ كان يقتل الإرهابيين، وتفوق في ذلك. لم يكن يشغل نفسه بحقوقهم، ولم يدعهم يلقون الخطب. كانوا إرهابيين وانتهى الأمر." ثم عبرَّ عن "حزنه" لأن العراق "صار جامعة هارفارد للإرهاب" وتراجع عن تأييده للحرب في وقتها، إذ أن الولايات المتحدة ما كان عليها "زعزعة استقرار العراق".

الزمن بتوقيت الرئيس

"يكفي أنه وقف بوجه إيران، وحافظ على سيادة العراق، وكان العراقيون يحصلون على كامل مفردات البطاقة التموينية في أيام الحصار، ويستطيعون الذهاب إلى أي مدينة في الجنوب والشمال والشرق والغرب، دون أن يعترضهم أو يمنعهم أحد، لم تكن عندنا ميليشيات ولا تنظيم القاعدة ولا داعش".

 لا يدور حديث بين العراقيين دون الاتفاق على هذه الأشياء التي غيرت حياتهم، لكن عند إعادة أسباب الخراب إلى مصادرها، فمن هو المتسبب بكل هذا؟ أليس حزب البعث والعقلية الصدامية، التي لا تؤمن إلا بالانقلابات والمؤامرات والحروب، وقمع أي صوت معارض. ومن سوء حظ العراق أن يتزامن استحواذ صدام على السلطة مع صعود الجمهوريين المحافظين وازدهار العقلية الاستعمارية الجديدة في الولايات المتحدة. وبشهوة الحروب الصليبية غزت جيوش التحالف أفغانستان والعراق، وأسقطت كابول وبغداد.

ومثل أي طاغية أوحد حين يسقط، ينهار كل شيء. فهو عمود الخيمة الواحد، والإله المتصرف بشؤون الشعب، الآمر الناهي، الواجب الطاعة والاتباع، المنعم، العظيم الذي كل من سواه تابع له، خاضع لأمره وسيادته. هكذا نشأت أجيال من المقهورين في العراق، لا معنى لحياتهم سوى أنها دورة في توقيت القائد وزمنه. وهذه ليست مبالغة، ففي عام 2001، بدأت أمانة بغداد بإنجاز مشروع كبير لتغيير تاريخ الحساب الرقمي وطريقة احتساب الوقت، يتضمن إنشاء ساعة كبيرة في إحدى ساحات العاصمة بغداد، فيها تستبدل الأرقام من 1 إلى 12 بأسماء الرئيس صدام حسين، وتسمى الساعة بـ"ساعة القائد صدام حسين" وتشير عقاربها إلى 12 من أسمائه وألقابه. واقد اختارت أمانة العاصمة تلك الألقاب وهي: "صدام حسين، الفارس، الرفيق، المناضل، الرئيس، القائد، بطل التحرير، المجاهد، القدوة، باني العراق، صانع النصر، رجل السلام".

ويتضمن هذا المشروع الضخم أيضاً إلغاء التقويمين الميلادي والهجري واستحداث تقويم جديد يطلق عليه "التقويم العراقي"، يبدأ من يوم ولادة صدام حسين في 28 نيسان/أبريل 1937. كانوا جادين بالأمر لولا أن سقط الرئيس بعد سنتين، وكانت فلسفة القائد للزمن تتمثل بإحدى وصاياه الكثيرة التي كان الشعب يحفظها في المناهج الدراسية: "إضاعة دقيقة من العمل.. إضاعة فرصة من التقدم". غير أن البلاد كلها ضاعت في الطريق التي كان يسلكها القائد نحو الربوبية والتأليه.

الحنين إلى زمن الطغاة

كانت الفوضى هي البوابة الوحيدة التي سيدخل منها العراق إلى العهد الجديد، العهد الذي لا يعرف العراقيون كيف يديرون فيه شؤونهم، وماذا يفعلون وسط كل هذا الخوف والكبت والفقر الذي انفجر فجأة في الشوارع. فكانت سرقة دوائر الدولة، والاقتتال الطائفي، وانتشار الجريمة والفساد والميليشيات، والاغتيالات والخطف، والتفجيرات. إنها حرية الغابة، لكل شخص أو جماعة أن تفعل ما تشاء. لك حرية أن تقول رأيك، أو فعل ما تريد، وللآخرين حرية أن يقتلونك أو يعاقبونك على هذا. ما يزال العراق يعيش هذه الفوضى، ومن يدفعون الثمن – بدمائهم - هم أولئك الناس العاديون، الذين لا يريدون سوى الأمن اليومي، ووظيفة أو مصدر للعيش، وبناء بيت وعائلة، ولا تأثير لهم في صناعة السياسة والسلطة بكلا العهدين. غير أنهم ومن خلال منافعهم وخساراتهم الشخصية يرجحون عهد الطاغية الأوحد على عهد الطواغيت المتصارعين على النفوذ والمال. لذا، فهم يحنون إلى الزمن الذي كانت - وفق حساباتهم - كلفة الخسائر الشخصية فيه أقل.

مثل أي طاغية أوحد حين يسقط، ينهار كل شيء. فهو عمود الخيمة الواحد، والإله المتصرف بشؤون الشعب، الآمر الناهي، الواجب الطاعة والاتباع، المنعم، العظيم، الذي كل من سواه تابع له، خاضع لأمره وسيادته. هكذا نشأت أجيال من المقهورين في العراق، لا معنى لحياتهم سوى أنها دورة في توقيت القائد وزمنه.

بعد 32 عاماً على سقوطه وإعدامه بثورة شعبية، قتل فيها أكثر من 1100 مواطن بأوامر مباشرة منه، ما يزال مئات المواطنين الرومانيين وفي كل سنة، يحيون في 26 كانون الثاني/ يناير ذكرى ميلاد الديكتاتور نيكولاي شاوشيسكو، ثم ذكرى إعدامه في 25 كانون الأول/ ديسمبر 1989. هذا التقليد السنوي يمثل عزاءً لأولئك المواطنين الذين يشعرون بالحنين إلى حقبة الطاغية الذي يعد نظامه الأكثر استبداداً من بين الأنظمة الشيوعية في كتلة المعسكر الاشتراكي.

شاوشيسكو الذي حكم بقبضة من حديد، وكان يبني أكبر القصور في العالم، بينما شعبه يرزح تحت وطأة الفقر والتقشف. ظل 24 سنةً هو الزعيم الأوحد، ومظاهر تمجيده وتأليهه كانت على مدار توقيت رومانيا، البلاد التي حولها إلى سجن مخيف، يديره من خلال جهاز الشرطة السرية الرومانية أو "سكيوريتات" التي أخفت آلاف المواطنين والمعارضين لنظامه المستبد.

بعد سقوطه لم تتعافَ رومانيا. وعلى الرغم من أن الشعب حصل على حقه في حرية التعبير، لكنه ما يزال لا يمتلك حقه في رفاهية العيش. دولة ضعيفة وفقيرة، ينخرها الفساد، ثرواتها الكثيرة ليست ملكاً للشعب الروماني كما يقول مواطن يحرص على زيارة قبر الديكتاتور في كل سنة، ومثله تقول سيدة رومانية عند قبر الطاغية: "الآن نعيش بشكل أسوأ من ذي قبل. سابقاً لم ينقصنا شيء، الآن لدينا كل الأشياء ولكن ليس لدينا الأموال لشرائها".

هذه الدراما السنوية التي تتكرر عند قبر الديكتاتور شاوشيسكو، تحدثت عنها الكاتبة الكرواتية سلافينكا دراكوليتش في كتابها "المقهى الأوروبي.. الحياة في أوروبا بعد انهيار النظام الشيوعي" عندما زارت العاصمة بوخارست عام 1994، وتساءلت في فصل بعنوان "حزب الحنين إلى الوطن في المقبرة" عن السبب الذي يجعل عشرات المواطنين الرومانيين يخرجون في شتاء بوخارست شديد البرودة (10 درجات تحت الصفر) حاملين صور الطاغية ومتوجهين إلى مقبرة خينسيا حيث يُعتقد أنه قبر شاوشيسكو (بلا شاهدة)، لتجد الكاتبة الكرواتية جواب تساؤلاتها عند سيدة تتذكر بحنين أيام شاوشيسكو: "في السابق اعتدنا على إرسال أبنائنا إلى المخيمات الصيفية"، وسيدة أخرى كانت تشتكي من أن معاشها لا يكفي إلا لشراء كيلوغرام من اللحم شهرياً.

"كانت دراما سياسية مرتجلة يخرج فيها أفراد من الشعب لإخبار مشاكلهم الشخصية لبعضهم أكثر من إخبارها لشاوشيسكو نفسه، إنهم لا يذهبون هناك ليتجمدوا في الاحتفال بعيد مولده أو لمجرد إجلال شاوشيسكو قائدهم المحبوب، إنهم يأتون لتذكر ماضيهم الأفضل.. كلهم بدوا فقراء وضائعين في معاطفهم البالية وأحذيتهم الجلدية وقبعاتهم الفرو. بالنسبة لهم كان شاوشيسكو رمزاً لكل ما عرفوه وتذكروه".

بموته جسّد موت الجميع

استدعاء الطاغية صدام حسين، واستذكار "هيبته وقوته" التي كانت تعكس هيبة وقوة الدولة بنظر من يعتقدون ذلك، لا يقتصر فقط على المواطنين العاديين، إنه يتعداه إلى معارضين للدكتاتور، نظَّروا طويلاً لإسقاطه.

حين كانت بغداد تُقصف عام 2003 بالصواريخ الأمريكية، كان أكثرهم حماسةً هو كنعان مكية، المعماري والأكاديمي وابن المعماري الشهير محمد مكية. كتب في مجلة The New Republic: "هذه القنابل لها وقع الموسيقى في أذني. إنها أشبه بأجراس تُقرع للتحرير في بلد تحوّل إلى معسكر اعتقال هائل".

"كان يرتدي معطفاً أسود، منسوجاً من وبر الجِمال، صنعه له خياطه الأرمني المفضل. شعره مصبوغ حديثاً بلون أسود داكن، ووجهه هادئ يخلو من التعبير، أما شاربه الستاليني الذي ظل رجال العراق يقلدونه لربع قرن، فقد تم تقليمه ولم يعد غليظاً كما كان في السابق. وعند نقطة التسليم، علت وجهه علامات الازدراء رغم أنه لم يقل كلمة واحدة حتى للوزراء والمسؤولين الحكوميين الذين اصطفوا هناك. أما هم، فلم يحاولوا أو يتجرؤوا على التطلع إلى عينيه، وظلوا يغيرون طريقة وقفتهم بين الحين والآخر. حينما كان أحدهم يقرأ عليه ما كتب في الأوراق، ظل الطاغية واقفاً باعتداد يشبه تماثيله التي كانت منتشرة في كل مكان، متغاضياً عن النظر إليهم وكأنهم غير موجودين أصلاً. بدون أن ينطق كلمة واحدة أو يظهر أي نوع من المشاعر، نجح الطاغية بإذلال سجانيه الجدد".

هكذا يصف عرَّاب احتلال العراق، وصاحب "جمهورية الخوف" و"القسوة والصمت" كنعان مكية اللحظة التي سلم بها الجيش الأمريكي صدام حسين للحكومة العراقية قبل إعدامه. في روايته "الفتنة" أو سرديته عن الأحداث منذ 2003 وحتى 2006 متخذاً من اغتيال عبد المجيد الخوئي (نجل المرجع الشيعي الأعلى الأسبق أبي القاسم الخوئي) علي يد أتباع مقتدى الصدر في 10 نيسان/ابريل 2003، واليوم الذي أُعدم فيه صدام حسين حدثين رئيسيين لهدم البناء السياسي الطائفي الذي شيد أساساته هو قبل 2003.

يُظهر مكية على لسان بطله الذي ينتمي إلى "جيش الإمام" (جيش المهدي الذي أسسه مقتدى الصدر) وكان أحد الحراس الذين أنيط بهم حراسة صدام حسين أثناء تنفيذ الإعدام به، يظهر هيبة الطاغية وقوته وثقته كما يليق بالقادة العظام، ويضفي عليه صفات القائد الحقيقي أمام مجموعة اللصوص الذين جاء بهم الجيش الأمريكي وصنعهم ليمثلوا العراق الذي لم يتبق منه شيء.

عبارات من قبيل: "واقفاً بكل استقامة، وبكل ثقة وتحدٍ" و"رجل ترتعد فرائص من ينظر إليه" و"أعتقد أنه كان صادقاً باعتقاده أنه وحده يخدم الحق، وإرادة الشعب العراقي" و"كيف يجسّد تضحيته كي تبقى الأمة على قيد الحياة "و"بموته جسّد موت الجميع" و"هذا الرجل القائد الحقيقي المخلص لمعنى القيادة التي آمن بها دوماً،" هي تماماً الصفات التي أراد الديكتاتور صدام حسين أن ترسخ بمخيلة الجميع، بمن فيهم خصومه الذين يوصفون بأنهم الأكثر وعياً، والأكمل تأهيلاً، المفكرون، خريجو الجامعات العريقة... أمثال كنعان مكية.

حسن العلوي، المفكر العراقي، ورفيق صدام حسين، ثم عدوَّه فيما بعد، لا ينفكُّ عن تمجيد صدام حسين، ويضفي عليه صفات أسطورية، كأنه إله من آلهة العراق القديم، أو "وليٌّ من أولياء الله القوميين" كما يحب أن يصفه، ثم يبكي ويشعر بالأسف الشديد على إعدامه، وينزّه جانبه باعتباره "مناضل حزبي ووطني" و"أخو أخيته"، وهذه صفة يطلقها العراقيون على الرجل الشجاع وصاحب الأخلاق العالية.

معارض شرس آخر، هو فائق الشيخ علي، النائب في البرلمان العراقي، الذي عُرف خلال التسعينيات بصوته العالي في نقد النظام ورأسه، ويتهم صدام حسين باعتقال وتعذيب والده حتى الموت. لا يدور حديث مع الشيخ علي في أي لقاء تلفزيوني ثم يأتي على ذكر صدام حسين إلا وتحدث عنه بسياق الإعجاب وأضفى عليه استحقاق أن يكون: "قائداً، ورئيس جمهورية حقيقي، ومستبد وديكتاتور، ورجل غير عادي". ثم يتحدث عن قوة الدولة في عهده: ابن أبيه من كان يستطيع سرقة فلس واحد من الدولة في زمن صدام. ولا يفوته أن يقارن بين الدولة في زمن صدام والدولة من بعده، واصفاً السياسيين والقادة الذين يسيطرون على السلطة اليوم بأنهم مجموعة لصوص جمعتهم الولايات المتحدة من شوارع طهران ودمشق ولندن وسلمتهم العراق.

حين كانت بغداد تُقصف عام 2003 بالصواريخ الأمريكية، كان أكثرهم حماسةً هو كنعان مكية، المعماري والأكاديمي وابن المعماري الشهير محمد مكية. كتب في مجلة The New Republic: "هذه القنابل لها وقع الموسيقى في أذني. إنها أشبه بأجراس تُقرع للتحرير في بلد تحوّل إلى معسكر اعتقال هائل".

يُظهر مكية على لسان بطل روايته الذي ينتمي إلى "جيش الإمام" - وكان أحد الحراس الذين أنيط بهم حراسة صدام حسين أثناء تنفيذ الإعدام به - يظهر هيبة الطاغية وقوته وثقته كما يليق بالقادة العظام، ويضفي عليه صفات القائد الحقيقي أمام مجموعة اللصوص الذين جاء بهم الجيش الأمريكي وصنعهم ليمثلوا العراق الذي لم يتبق منه شيء. 

مكية وعلوي والشيخ علي، ومثلهم الجميع، لا يستطيعون إدراك أن ليس على رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو أي مسؤول آخر أن يكون "مهيباً وترتعد فرائص من ينظر إليه إلخ.." فهذه صفات شيخ القبيلة في مجتمعه الضيق، وأمراء الحرب القدامى، وزعماء المافيات الكلاسيكية. وأنه متى ما وجدت "صفات الفحولة" هذه في رئيس فإن الدولة ستتحول إلى هيكل هرمي قائم على الموالاة الشخصية وليس الكفاءة، وسيكون هناك قطعان من المنظرين والمثقفين والموظفين والجنود والناس يتزاحمون في إثبات الطاعة والخضوع للبقاء في هذا التسلسل الهرمي الذي يتصل بالقائد المهيب، بينما ذلك الرئيس لا ينبغي أن يكون أكثر من موظف في مؤسسة الدولة، تأثيره يكون بأداء وظيفته وواجباته على أكمل وجه، وليس بإبراز عضلاته وعقده النفسية على الشعب. وحين ينتهي من أداء مهامه، يُشكر إن كان كفوءاً، ويُحاسب إن كان مقصراً. هكذا يُفترض أن نفهم الدولة كمؤسسة ترعى الجميع وتحافظ على مصالح الشعب، وإلا فإن المجتمع سيظل يصنع الطغاة ويخضع لهم، ولن تنتهي مطلقاً دورة آلامه وعبوديته.

لا نعرف كيف نكون أحراراً

بعد خمس سنوات على سقوط النظام الشيوعي والمستبد، لم تجد سلافينكا دراكوليتش في كل بوخارست دورة مياه نظيفة، فضلاً عن وجود ورق التواليت في دورات مياه العاصمة الذي يعد حلماً وترفاً لا وجود له في الواقع، تصف دراكوليتش الدخول إلى دورات المياه العامة في العاصمة بوخارست كأنه دخول إلى عالم سفلي لا وجود للحياة فيه، سوى رائحة البول الحادة، والقذارة التي تجعل من المستحيل وجود موضع قدم جاف تضع قدمك فيه. أما بالنسبة للماء فهو مثل الكهرباء مقطوع دائماً.

مقالات ذات صلة

الأمر لا يختلف كثيراً في العراق. فبعد 18 سنة، ما تزال الفوضى والفساد وانهيار البنى التحتية وانتشار الفقر والجريمة والمليشيات والسلاح والصراع الطائفي، هي السمات الأشد وضوحاً للبلاد. اقتصاد ما يزال ريعياً، يعتمد على النفط فقط، وقطاعات الخدمات الصحية والتعليمية والصناعية والزراعية كلها منهارة، بلد لا ينتج غير العاطلين عن العمل، مع ارتفاع مرعب لمعدل الفقر الذي تجاوز عام 2021 حاجز الـ 40 في المئة من تعداد السكان البالغ عددهم 40 مليون نسمة. 

مقالات من العراق

عندما نطق بوش بالحقيقة!

ديمة ياسين 2022-05-22

الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية لم يخطئ عندما وقف متلعثماً في خطابه وذكر اسم العراق بدل أوكرانيا، هو كان فقط يعدد إنجازاته كمجرم حربٍ من الطراز الأول.

للكاتب نفسه

تسويق الوهم.. تواطؤ الصحافة في الحروب

ميزر كمال 2022-03-26

بدأت الحرب الأمريكية-البريطانية الثانية على العراق في 19 آذار/مارس 2003 واستمرت حتى الاعلان عن "نهاية العمليات الكبرى" في الأول من أيار/مايو. نشارف اذاً على مرور 20 عاماً، أوقعت العراق في...