القانون.. إله الذكورة وقاتل أحلام النساء في مصر

على ارض الواقع، تظهر حقائق مغايرة للروايات المجتمعية وصيحات النظام: لا تزال النساء المصريات تعانين من عنف مجتمعي يستند إلى موروث ثقافي أبوي، يميز ضدهن في مجمل جوانب الحياة. على الرغم من خروج المرأة إلى سوق العمل كشريك رئيس، وحصولها على التعليم الجامعي، وربما المناصب الكبيرة، إلا أن تجليات هذا التمييز تظهر في القوانين والأنظمة السائدة والسارية حتى الآن.
نور بهجت - سوريا

تم دعم هذه المطبوعة من قبل مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المطبوعة أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

في إحدى شوارع القاهرة، تقف سلمى مع والدتها، تطهو وجبات سريعة لمواطنين لن يستطيعوا ارتياد مطاعم فاخرة، تنظر إلى عقارب الساعة في ترقب، وبعد وقت طويل من العمل المضني، تنطلق إلى وجهتها. وفي الحافلة المزدحمة، تلتقط أنفاسها بصعوبة في خوف من اللمسات العنيفة للركاب من الرجال. تهبط مبتسمةً ما إن تتوقف الحافلة في محطتها المنشودة، وتتنفس الصعداء. تقطع المسافة المتبقية سيراً على الأقدام، تلتهمها لتصل إلى بوابة الجامعة، وتبتسم ثانيةً، وهي تفكر أن ما تبقى من الزمن ليس سوى أيام، وتحصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء، أملها وأمها التي سعت أن تصبح ابنتها مثل ابن أخيها، أستاذ الجامعة.

في الجامعة تقف سلمى وسط أساتذتها وزملائها ورأسها تناطح السحاب بعد مديح وثناء، وفي الشارع لا تعرف سوى الهرولة خوفاً من النظرات التي تلاحق جسدها كدمية مستباحة. أما في المنزل فتسقط ابتسامتها قسراً حين ترى أباها وأخاها اللذين يُشبِّهانها بوزيرة مالية الأسرة الصغيرة. أما في الليل، فتغرق في وسادتها وسط دموعها وآلامها النفسية وربما الجسدية، وتتحسس موضع لمسات أخيها العنيفة والمعنِّفة.. هكذا تحكي سلمى عن معاناتها بين واقع تحياه وأمنيات تطاردها، بين مُريّن تحياهما: الأول، دور اجتماعي جديد يحمّلها مسؤولية الإنفاق على أسرتها بعد مرض والدها، وبطالة أخيها الاختيارية، والثاني صورة تكبّلها وتحبط همتها، فهي أنثى في مجتمع ذكوري حتى وإن لعبتْ دور الرجال.

الرجال: نحن مظلومون!

في 19 تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام - وهو اليوم العالمي للرجال - ترتفع في مصر أصوات ساخرة، مطالبةً بالمساواة مع النساء، مرددة: "الست واخدة حقها تالت ومتلت"، في إشارة إلى مكتسبات حصلت عليها المرأة المصرية بعد تعديلات طفيفة في قوانين الأحوال الشخصية وقوانين العمل، تمكّنها من الموازنة بين مهمتها المنزلية وبين عملها، كإجازة رعاية الطفل مدفوعة الأجر، والجمعيات الحقوقية التي تدعم النساء من الأرامل والمطلقات... حتى إن بعضهم يرى أن قانون الأحوال الشخصية هو قانون نسوي مجحف في حق الرجال، وقد أطلقوا حملات مناهضة له ("حملة تمرد ضد قانون الأسرة"، "اتحاد رجال مصر ضد قوانين الأحوال الشخصية"). ومع كل مكتسب جديد تحققه النساء في مصر ترتفع أبواق إعلامية تردد: "جاء عصر النساء واحتلنن الصدارة"، وأخرى تصفق لخطابات النظام التي تؤكد أن مصر بلد حرية المرأة وصون كرامتها، وتشير إلى مشاريع قوانين تؤكد أن الإنصاف مسؤولية حكومية، وتعدد مميزات وحقوق بلا سقف.

مسودة قانون الأحوال الشخصية الجديد التي سُرّبت لوسائل الإعلام في شباط/ فبراير من العام 2021، هي أبرز مثال على إصرار المُشرّع على مزيد من قوانين تعيد النساء إلى العصور الوسطى، وتكبلهن بمزيد من الوصاية الذكورية.

لكن على أرض الواقع، ووفقاً للتطبيق الفعلي، تظهر حقائق مغايرة للصورة التي ارتكنت إليها الروايات المجتمعية، ونداءات الرجال، وصيحات النظام: لا تزال النساء المصريات تعانين من عنف مجتمعي داخلي يستند إلى موروث ثقافي أبوي، يقوم على التمييز ضد النساء في مجمل جوانب الحياة. على الرغم من خروج المرأة إلى سوق العمل كشريك رئيس، وحصولها على قدر مناسب من التعليم الجامعي، وربما مناصب قيادية ورسمية كبيرة، إلا أن تجليات هذا التمييز تظهر في القوانين والأنظمة السائدة والسارية في مصر حتى الآن، وذلك على الرغم من بعض التطور والتقدم النظري الحاصل في بعضها. وما زالت النساء تعاني من صعوبات كثيرة في الحصول على حقوقهن الكاملة والمتساوية في التعليم والصحة وميراث العائلة، وكذلك في الحق في العمل والأجر المتساوي وحقوق الملكية والسكن، فيما تحرمهن بعض القوانين من الكثير من الحقوق المترتبة على الزواج أو على انتهائه. ويضعهن ذلك في مواجهة صعبة وطويلة مع التمييز والعنف ضدهنَّ، في وقت فرض الواقع فيه أدوراً جديدة تؤديها النساء في الواقع، لكن لا يقابلها تغيير في الثقافة السائدة.

وقد جاءت المادة الثانية من الدستور، والتي تقر أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع الرئيس، لتعطي المشرّع حقاً دائماً في استخدام سلطته لتعزيز التمييز بسبب النوع [1]، ما تسبب في منع المساواة بين الرجال والنساء، في حين تقرُّ المادتين (11 و53) من الدستور [2] أنه يجب عدم التمييز بين الجنسين بأي شكل كان.

وينعكس التناقض في الدستور من خلال مواد قانونية  [3] ما زالت تكرس التفاوت وسياسة التمييز بين الجنسين، لترسخ عنفاً آخر ضد المرأة، ليس من المجتمع هذه المرة لكنه بيد الدولة. فكيف يكرس القانون المصري هذا التفاوت؟

خارج السرب.. ميزان مائل

قانون الأحوال الشخصية رقم 25 لسنة 1920 وتعديلاته اللاحقة، يجسد تعاسة النساء في مصر. فالمواد (6 و11 مكرر) تُسقط حق الزوجة في طلب التطليق بعد مضي عام من زواج زوجها بأخرى، ولا تعتبر تعدد الزوجات ضرراً يستوجب الطلاق، فيما يفرض القانون ما يعرف بـ "بيت الطاعة". في أيار/ مايو من العام 2021، نفى شيخ الأزهر وجود صلة بين بيت الطاعة والدين الإسلامي، ونفت الكنيسة أن يكون هناك بيت طاعة في المسيحية، في توضيحات جاءت بعد واقعة طلب الممثلة هالة صدقي إلى بيت طاعة زوجها: فمن حق الزوج إنذار زوجته عن طريق المحكمة للعودة عنوةً إلى المنزل. وتستند المادة إلى قوامة الرجل الشرعية، ووجوب طاعة المرأة له، حتى وإن كانت في حقيقة الأمر هي العائل للأسرة، فلا قوامة لامرأة.

في تقرير جهاز الإحصاء الرسمي للعام 2017، تبين أن عدد حالات الزواج في العام المذكور في الفئة العمرية ما بين 10 إلى 17 عاماً وصلت إلى حوالي 117 ألف زواج عرفي، بما يمثل نسبة 40 في المئة من عدد الزيجات وقتئذٍ. 

وتحدد المواد (12، 14) مدة عام كامل قبل بدء الزوجة في إجراءات طلب التطليق في حال غياب الزوج دون عذر أو سجنه، ولا يجيز القانون طلاق النساء للضرر من حبس الزوج إلا إذا كان محكوم عليه بحكم نهائي لا يقل عن 3 سنوات، وهو ما يقع ضد رغبات بعضهنَّ في الانفصال الفوري.

ولعل صعوبات الطلاق [4] في مصر لا تقع فقط على النساء من المسلمات، بل تتخطاها إلى النساء المسيحيات، واللاتي يعانين بسبب المادتين (3 و17) من القانون رقم (1) للعام 2000، القاضيتين بأن أحكام الأحوال الشخصية لغير المسلمين تتبع شريعتهم في حال اتحاد الملّة، وفي غير ذلك يُحتكم إلى الشريعة الإسلامية، وهو ما دفع كثيراً من المسيحيات لتغيير الملّة للحصول على حكم بالطلاق، في نوع من التحايل (حسب إحصائية غير رسمية، فإن عدد قضايا الطلاق ما بين العامين 2010- 2012 فقط وصلت إلى 300 ألف حالة لدى المسيحيين، ولا تتوفر بيانات رسمية عن عدد القضايا المنظورة العام الجاري، لكن المؤشرات ترجح أنها ربما تكون ضعف هذا الرقم.

ولعل مسودة قانون الأحوال الشخصية الجديد، والتي سُرّبت لوسائل الإعلام في شباط/ فبراير من العام 2021، أبرز مثال على إصرار المُشرّع على مزيد من قوانين تعيد النساء إلى العصور الوسطى، وتكبلهن بمزيد من الوصاية الذكورية.

فحسب مقترح القانون الجديد، فإن النساء لا تستطعن تزويج أنفسهنَّ دون ولي، ويحق للولي فسخ عقد الزواج، استناداً لمبدأ عدم التكافؤ في تقديره الشخصي، بينما يمنح العُرف الحق لولي الأمر أيضاً في تزويج الفتاة وإن لم تصل للسن القانوني، بعقد عرفي، ما أدى لتفاقم ظاهرة زواج القاصرات. ففي تقرير جهاز الإحصاء الرسمي للعام 2017، تبين أن عدد حالات الزواج في العام المذكور في الفئة العمرية ما بين 10 إلى 17 عاماً وصلت إلى حوالي 117 ألف حالة زواج عرفي، بما يمثل نسبة 40 في المئة من عدد الزيجات وقتئذٍ.

تمنح المادة (17) من القانون القاضي الحق في استعمال الرأفة في قضايا الاغتصاب والتحرش وجرائم الشرف، وهو ما يتنافى مع الجهود المبذولة لمكافحة جرائم العنف الجنسي. وهناك ضرورة لإعادة النظر في المنظومة الشرطية في أقسام البوليس، فكثير من شكاوى التحرش والاغتصاب تنتهي قبل أن تبدأ بسبب تعامل رجال الشرطة مع الضحية المبلِّغة، وسط نظرات مشينة وعبارات ربما تصفهن بـ"العاهرات".

ووفق المقترح، فليس من حق الزوجة أن تكون وصيةً على الأبناء، وتؤول الوصاية إلى الجد في الترتيب بعد الأب مباشرة. حتى وإن مُنحت لها حضانة الطفل، فليس للأم حق الولاية المالية على الأبناء، كما لا تستطيع التوقيع لإجراء عملية جراحية لطفلها، أو سفر الأبناء معها دون إذن كتابي من الزوج أو أحد رجال العائلة. وهو الأمر الذي تسخر منه النساء مرددات: "أصبحتُ وزيرة وسفيرة وقاضية ولا أملك الحق في مجرد توقيع عادي في ما يخص أولادي".

نساء بلا أهلية وعنف مبرر

ينظِّم القانون سلطة التأديب للأنثى بواسطة ولي الأمر، وذلك حسب المادة (242) من القانون، والتي تقرر أن التأديب من مقتضاه إباحة الأذى، ولكن دون أن يتعدى الإيذاء الخفيف. وتستخدم المادة (60) من قانون العقوبات كمنقذ للرجل، وتنص على أنه "لا تسري أحكام قانون العقوبات على كل فعل ارتُكب بنية سليمة عملاً بحق مقرر بمقتضى الشريعة". وعليه، يحق للرجل تأديب المرأة بالضرب من منطلق ديني يدعمه القانون، شريطة ألا يفضي إلى موت أو ضرر بالغ. في الوقت نفسه، وصلت جرائم العنف ضد النساء [5] إلى أرقام مفزعة، حتى إن المجلس القومي للمرأة، في أحدث تقرير له، توقع أنها زادت منذ انتشار وباء "كوفيد" بنحو 30 في المئة.

ويرى حقوقيون أنه يجب النظر في المادة (17) من القانون، والتي تمنح القاضي الحق في استعمال الرأفة في قضايا الاغتصاب والتحرش وجرائم الشرف، وهو ما يتنافى مع الجهود المبذولة لمكافحة جرائم العنف الجنسي. فيما يطالبون بضرورة إعادة النظر في المنظومة الشرطية في أقسام البوليس. فكثير من شكاوى التحرش والاغتصاب تنتهي قبل أن تبدأ بسبب تعامل رجال الشرطة مع الضحية المبلِّغة، وسط نظرات مشينة وعبارات ربما تصفهن بـ"العاهرات".

وفق مسودة القانون فليس من حق الزوجة أن تكون وصيةً على الأبناء، وتؤول الوصاية إلى الجد في الترتيب بعد الأب مباشرة. حتى وإن مُنحت لها حضانة الطفل، فليس للأم حق الولاية المالية على الأبناء، كما لا تستطيع التوقيع لإجراء عملية جراحية لطفلها، أو سفر الأبناء معها دون إذن كتابي من الزوج أو أحد رجال العائلة.

ولم يكتفِ المشرّع بالانحياز للرجل في قضايا العنف الأسري، بل فرّق أيضاً بين زنا الزوج وزنا الزوجة، فتعاقب الزوجة بالحبس مدةً أقصاها سنتان، أما الزوج فيعاقب بالحبس لمدة لا تزيد على ستة أشهر (المادتين 274 و 277). فضلاً عن ذلك، فرّق بين إثبات جريمة الزوجة وإثبات جريمة شريكها، ونتيجة هذا التضييق فإنه يجوز في بعض الأحوال الحكم على الزوجة الزانية التي يثبت زناها بشهادة الشهود أو بالقرائن، وتبرئة شريكها لانعدام الدليل الذي يُقبل ضده.

المواريث

وفقاً لقانون المواريث رقم 77 لسنة 1943، يحــق للمرأة نصف ميراث أخيها طبقاً للشريعة الإسلامية، ويحق للأقارب المشاركة في الميراث في حال عدم وجود أخ وارث. وعلى الرغم من أن الشريعة المسيحية أقرت مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث، إلا أن الرجال المسيحيين يحتكمون للشريعة الإسلامية للحصول على مزيد من الإرث! وما زالت المرأة (مسلمةً/ مسيحية) لا تُمكّن من ميراثها خاصةً في صعيد مصر وصحرائها، وكذلك في الأماكن والأوساط التي تهمَّش فيها النساء بشكل كبير. لكن انفراجةً حدثت حينما حكمت محكمة العطارين بالإسكندرية لأول مرة في تاريخ المحاكم ببطلان إعلام الوراثة رقم 198 لسنة 2021، وتقسيم ميراث مواطن مسيحي متوفًى وفقاً لأحكام الشريعة المسيحية ولائحة الأقباط الإنجيليين.

حريات وحقوق

تتمسك الجهات الأمنية المصرية بوضع قيود على النساء (خصوصاً منهنَّ المستقلات) فيما يخص حرية الحركة والتنقل والسكن، خلافاً للدستور في مواده التي تنص على المساواة وعدم التمييز. المادة (62) التي تكفل حرية التنقل والإقامة، وأيضاً المواد (161 و 176 و 309) من قانون العقوبات، وتنص على عقوبات تخص أي عمل من شأنه التمييز بين الأفراد، أو الإساءة لهم، أو الحط من شأنهم.

لا يبيح القانون الإجهاض، وإن نتج عن جرائم الاغتصاب أو الزنا. ويستقر الفقه المصري على عدم جوازه خشية إساءة استعماله. ووفقاً للوائح المنظمة لمهنة الطب في مصر، فإنه يشترط موافقةً كتابية من قبل ولي الأمر عند إجراء جراحة تخص الجهاز التناسلي للمرأة، مثل إزالة الرحم، أو فض غشاء البكارة في حال تسببه بأضرار صحية.

تطبيقاً لذلك، فالفنادق ذات النجمة أو الثلاث نجوم تمنع وفقاً لتعليمات أمنية استضافة النساء دون سن الأربعين بدون قريب لهنَّ من الذكور. وتفترض السلطات الأمنية أن الإجراء يأتي بهدف مكافحة العمل في الجنس، ولكنها في الوقت نفسه تقْصر تلك التعليمات على سيدات الطبقات محدودة الدخل، دون نساء الطبقة الثرية، في تأصيل للنظرة الدونية للمرأة – متواضعة الحال - ومعاملتها على أنها سلعة جنسية فقط.

ولا تستطيع النساء التمتع بالحق في السكن، خاصةً من الطبقة الوسطى والفقيرة، ففي أغلب الأحياء الشعبية، يرفض المالك تأجير محل السكن لامرأة دون ولي أمرها، وفقاً لتعليمات شفهية من أقسام الشرطة والإدارة المحلية. وهذا بالطبع يعززه التصور المجتمعي للأنثى المستقلة، وما يدور حولها من شبهات جنسية وأخلاقية. ولعل واقعة قتل طبيبة السلام في آذار/ مارس من العام 2021 تكشف الحال الذي وصل إليه المجتمع نتيجة الحماية القانونية للعرف الذكوري المستند لغطاء ديني.

ولا تمنح الدولة المصرية النساء الحق في إجهاض آمن، وتعتبره جريمة، ولا يبيح القانون الإجهاض، وإن نتج عن جرائم الاغتصاب أو الزنا. ويستقر الفقه المصري على عدم جوازه خشية إساءة استعمال الإجهاض. ووفقاً للوائح المنظمة لمهنة الطب في مصر، فإنه يشترط موافقةً كتابية من قبل ولي الأمر عند إجراء جراحة تخص الجهاز التناسلي للمرأة، مثل إزالة الرحم، أو فض غشاء البكارة في حال تسببه بأضرار صحية.

ولا تتمتع المرأة بكامل حقها في التنقل والسفر، على الرغم من قرار المحكمة الدستورية بأحقية النساء في السفر دون الحصول على إذن مسبق من رجل. ولكن مع ذلك يتكرر الحد من هذه الحرية بقرار من المحكمة بناءً على طلب أحد أفراد الأسرة الذكور، طبقاً لقانون الأحوال الشخصية رقم 1 لسنة 2000.

وفقاً لتعليمات أمنية، تمنع الفنادق العادية استضافة النساء دون سن الأربعين بدون قريب لهنَّ من الذكور. وتفترض السلطات الأمنية أن الإجراء يأتي بهدف مكافحة العمل في الجنس، ولكنها في الوقت نفسه تقْصر تلك التعليمات على سيدات الطبقات محدودة الدخل، دون نساء الطبقة الثرية في الفنادق المترفة، في تأصيل للنظرة الدونية للمرأة متواضعة الحال، ومعاملتها على أنها سلعة جنسية فقط.

ويبقى تساؤل: كيف سيحدُّ النظام الحالي من التفاوت بين الجنسين، في حين أنه يشرع لمزيد من القوانين التي تعصف بحقوق النساء؟ وكيف يرى الشارع المصري أن النساء يتمتعن بمزيد من الحقوق؟ على الرغم من القهر والمنع الدائم، وما ينتج عن ذلك من أشكال متعددة من العنف، خاصةً العنف المبطّن المسكوت عنه في الثقافة المجتمعية، وهو موجود ومعروف، ولكنه يحاط بالصمت المتواطئ في إطار الثقافة القائمة على اعتباره قضيةً أسرية خاصة لا يجب الحديث عنها، أو قضيةً تمس شرف المحيط الاجتماعي للأنثى. وهناك عنف اقتصادي، وتزويج قسري أو مبكر للفتيات، وعنف لفظي ونفسي وجسدي وجنسي، وعنف إلكتروني حديث، وغيرها من أشكال العنف. لكن يبقى أخطر أشكال هذا العنف، وأشده هو القتل والاعتداء على حق النساء في الحياة. 

محتوى هذه المطبوعة هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________

[1] موقع "مدى مصر"، الولاية_حقي.. بعض مما لا يمكن للنساء فعله في مصر
[2] للمزيد انظر دستور مصر المعدل 2019: https://manshurat.org/node/14675
[3] للمزيد انظر: مالك عدلي، تطور الفقه القضائي في قضايا المرأة، ورقة قانونية، مركز قضايا المرأة المصرية، 2019.
[4] للمزيد: قراءة في إحصائيات قضايا الأحوال الشخصية، بحث منشور، مؤسسة قضايا المرأة، 2017.
[5] في العام 2020 قال جهاز الإحصاء الرسمي إن هناك 5 ملايين و600 ألف سيدة تتعرض للعنف المنزلي سنوياً. 

مقالات من مصر

للكاتب نفسه