الحرب في إثيوبيا ومؤشرات متغيرات جيوستراتيجية

الموقف الإماراتي المخالف تماماً للتوجه الامريكي بخصوص اثيوبيا، مؤشرٌ على متغيرٍ له أبعاده الجيوستراتيجية، إذ تتزايد القناعة أن الولايات المتحدة لم تعد القوة التي تغري جزرتها أحداً، ولا عصاها تخيف أحداً، وذلك نتيجة لتراكمات من الفشل السياسي تبلور خلال العقدين الماضيين وعبر مختلف الإدارات، الجمهورية والديمقراطية على حدٍ سواء، ومن أبرز ملامحه الغزو الأمريكي للعراق بنتائجه الكارثية...
2021-12-27

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
القرن الافريقي

عندما قررت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الاستعانة بالدبلوماسي جيفري فيلتمان، كلفته متابعة ملف منطقة القرن الأفريقي إذ أصبح المبعوث الرسمي لها. لكن فيلتمان قضى وقتاً طويلاً في لقاءات في دولة الإمارات العربية المتحدة، يماثل، إن لم يكن يزيد على ما قضاه في الحوار واللقاءات مع المسؤولين في مختلف دول منطقة القرن الأفريقي... ولسبب وجيه.

فالإمارات أصبحت من اللاعبين الرئيسيين في منطقة القرن الأفريقي التي تزداد أهميتها الاستراتيجية، إذ هي ترتبط بكل من البحر المتوسط والمحيط الهندي، وفي الوقت الذي تعيش فيه دولتان من أهم دولها، وهما إثيوبيا والسودان، مراحل انتقال حرجة، وصلت في إثيوبيا إلى درجة الحرب المباشرة بين الحكومة المركزية وجبهة التيغراي. كما يعيش السودان انتقالاً قلقاً من نظام الإنقاذ الإسلاموي إلى نظام جديد، منطلقاً من آمال بالتحول الديمقراطي، تعثرت بسبب انقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان في تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم. هاتان الدولتان تمثلان كتلةً سكانية تصل إلى 150 مليون نسمة، يمكن أن ترتفع بنسبة 44 في المئة في غضون الخمس عشرة سنة المقبلة. وإذا لم تنجح عمليات الانتقال هذه، فإن الاضطرابات السياسية والأمنية ستصيب هذه الكتلة السكانية الكبيرة، بكل ما لذلك من انعكاسات سلبية على مجمل المنطقة، وامتداداتها عبر البحرين الأحمر والمتوسط.

في الفترة بين آب/ أغسطس ومنتصف الشهر الماضي، استقبلت قاعدة "هرر ميدا" الجوية جنوب العاصمة الإثيوبية أديس أبابا حوالي مئة رحلة جوية تحمل أسلحةً وذخائر من الإمارات إلى الجيش الإثيوبي، كما قامت الخطوط الجوية الإثيوبية باستخدام طائراتها للشحن للغرض نفسه، وتسربت تقارير عن استخدام السفن عبر الصومال لنقل أسلحة إماراتية. على أن العامل الرئيسي الذي حدد مصير الحرب مع التيغراي كان الاستهداف المكثف للطائرات المسيّرة، من الإمارات بصورة رئيسية، وكذلك من تركيا وإيران، الذي وصل إلى وجود عشر طائرات مسيّرة في وقت واحد تستهدف قوات التيغراي وأفرادها وخطوط امداداتها، مما أسهم في قلب موازين القتال، ودفع بقوات التيغراي إلى التراجع بحوالي 270 ميلاً شمالاً نحو إقليمها، بعد أن اقتربت من العاصمة أديس أبابا بما لا يبعد عن 75 ميلاً. وهو ما دفع قائد التيغراي ديبرصون جيبرامايكل إلى مخاطبة الأمم المتحدة، قائلاً إنه سحب كل قواته إلى داخل حدود إقليم التيغراي، ذاكراً عامل الطائرات المسيّرة التي قدمتها الدول الأجنبية، وآملاً أن تفتح الخطوة الباب أمام مفاوضات السلام. الدعم الإماراتي لم يقتصر فقط على توفير السلاح، وإنما قام كذلك بتدريب الحرس الجمهوري الإثيوبي.

متغيرات

وكان الدعم الإماراتي قد توقف لفترة قصيرة، إثر تولي إدارة بايدن الحكم، لكنه تواصل بعد ذلك وبصورة مكثفة وتحت إشراف مباشر من طحنون بن زايد مستشار الأمن القومي الإماراتي. وهو ما أثار علامات استفهام كثيرة، كون التصرفات الاماراتية تتناقض جذرياً مع التوجهات الامريكية الهادفة الى وقف الاقتتال، ودفع الطرفين الى طاولة المفاوضات. ووفقاً لمصادر أمريكية استشهدت بها صحيفة نيويورك تايمز، فأن طحنون نفى لفيلتمان تقديم بلاده أسلحة للحكومة الاثيوبية. 

تركيا من جانبها، وهي حليف لآمريكا ويضمهما حلف الناتو، أسهمت في تقويض الجهود الامريكية لوقف الاقتتال عبر توفيرها الطائرات المسيّرة وبعض الاسلحة لاثيوبيا. وهي تشير الى اهتمامها بالجانب التجاري في تعاملها مع هذه الدولة، اذ ارتفع حجم صادراتها من 235 ألف دولار العام الماضي الى 95 مليوناً هذا العام. كما أن لتركيا أهتمامات سياسية عامة في القارة الافريقية دفعتها الى تنظيم لقاء قمة تركي - افريقي مؤخراً شاركت فيه 35 دولة أفريقية.

أصبحت الإمارات من اللاعبين الرئيسيين في منطقة القرن الأفريقي التي تزداد أهميتها الاستراتيجية، إذ هي ترتبط بكل من البحر المتوسط والمحيط الهندي، وفي الوقت الذي تعيش فيه دولتان من أهم دولها، وهما إثيوبيا والسودان، مراحل انتقال حرجة، وصلت في إثيوبيا إلى درجة الحرب المباشِرة بين الحكومة المركزية وجبهة التيغراي، كما يعيش السودان انتقالاً قلقاً...

السودان وإثيوبيا تمثلان كتلةً سكانية تصل إلى 150 مليون نسمة، يمكن أن ترتفع بنسبة 44 في المئة في غضون الخمس عشرة سنة المقبلة. وإذا لم تنجح عمليات الانتقال السياسي، فإن الاضطرابات السياسية والأمنية ستصيب هذه الكتلة السكانية الكبيرة، بكل ما لذلك من انعكاسات سلبية على مجمل المنطقة، وامتداداتها عبر البحرين الأحمر والمتوسط.

الموقف الإماراتي مؤشرٌ على متغير له أبعاده الجيوستراتيجية، إذ تتزايد القناعة أن الولايات المتحدة لم تعد القوة التي تغري جزرتها أحداً، و لا عصاها تخيف أحداً، وذلك نتيجة لتراكمات من الفشل السياسي تبلور خلال العقدين الماضيين وعبر مختلف الإدارات، الجمهورية والديمقراطية على حدٍ سواء، ومن أبرز ملامحه الغزو الأمريكي للعراق بنتائجه الكارثية، وتردد إدارة أوباما في معاقبة نظام بشار الأسد في سوريا بعد الهجوم الكيماوي على مواطنيه، وفشل إدارة ترامب في الرد على الضربة الإيرانية لمجمّعي النفط السعوديين في أبقيق وخريص قبل عامين، مما نتج عنه توقف نحو 6 في المئة من إنتاج النفط العالمي في ضربة واحدة. ثم جاء الانسحاب الأمريكي المرتبك من أفغانستان ليؤكد على أن واشنطن على طريق الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط وحروبها التي لا تنتهي، كما وصفها ترامب، وهو ما يعني في النهاية لدول المنطقة أن تأخذ أمورها بيدها، إذ لم تعد الولايات المتحدة القوة التي يمكن الاعتماد عليها.

في آب/ أغسطس الماضي، زارت سامنتا باورز مسؤولة المعونة الأمريكية، وأحد أكبر المسؤولين في إدارة بايدن، إثيوبيا. في ماضي الأزمان، كانت زيارةٌ مثل هذه تحظى باهتمام كبير على أعلى المستويات بسبب العون الضخم الذي كانت تقدمه واشنطن لأديس أبابا. لكن رئيس الوزراء أبيي أحمد اعتذر عن لقاء باورز بدعوى الانشغال، وبث التلفزيون الإثيوبي في اليوم نفسه صوراً له وهو يتفقد بعض الطائرات المسيرة التي حصل عليها من خصم أمريكا الرئيسي في المنطقة، إيران. وكانت الإشارة واضحة.

غياب استراتيجي

وساعد على ذلك غياب أي استراتيجية للولايات المتحدة لمنطقة البحر الأحمر كما لاحظت دراسة لـ"معهد السلام الأمريكي" في العام الماضي رغم أنه كان لواشنطن فيها وجودٌ عسكري لـ"محاربة الإرهاب" ولو أنه تقلص فيما بعد. لكن ذلك الوجود نفسه لم يستند إلى استراتيجية واضحة. وأشارت الدراسة كمثال إلى غياب أي مجهود ممنهج لإنجاح الفترة الانتقالية في كل من إثيوبيا والسودان، وكذلك فشل إدارة ترامب في حمل كلٍ من إثيوبيا والسودان ومصر إلى التوصل إلى اتفاق مرض لكل الأطراف بخصوص سد النهضة الذي أصبح مصدراً للشقاق والأزمات المتلاحقة بدلاً من أن يكون فرصةً للتعاون الإقليمي.

بين آب/ أغسطس ومنتصف الشهر الماضي، استقبلت قاعدة "هرر ميدا" الجوية جنوب العاصمة الإثيوبية حوالي مئة رحلة جوية تحمل أسلحةً وذخائر من الإمارات إلى الجيش الإثيوبي، وتسربت تقارير عن استخدام السفن عبر الصومال لنقل أسلحة إماراتية. على أن العامل الرئيسي الذي حدد مصير الحرب مع التيغراي كان الاستهداف المكثف للطائرات المسيّرة، من الإمارات بصورة رئيسية، وكذلك من تركيا وإيران. 

باشرت دول المنطقة محاولات، لا تزال في بداياتها، لتخفيف حدة الصراع بينها، خاصةً في المواضيع الرئيسية التي كانت تقودها تركيا وقطر من جانب، بمقابل المحور المصري – السعودي - الإماراتي. وهو ما يظهر في التواصل الذي بدأ سرياً، وظهر إلى العلن مؤخراً بين السعودية وإيران، وبين تركيا والإمارات، وقبل ذلك إنهاء حصار قطر، واستعادة التواصل السعودي القطري.

واقترحت الدراسة أربع توصيات رئيسية: أن تعمل واشنطن على إنجاز استراتيجية خاصة بالبحر الأحمر لضمان احتواء تداعيات الأوضاع المتفجرة في منطقة الشرق الأوسط، وأن تشمل تلك الاستراتيجية جانباً اقتصادياً وسياسياً، وأن تشجع دول المنطقة على تشكيل أوضاع تضم مختلف القوى السياسية الفاعلة وإشراكها في السلطة، وأن تقوم بترتيبات إدارية وبيروقراطية في واشنطن لضمان وجود الدعم اللازم على المستوى التنفيذي، وكذلك ضمان أن يكون الكونغرس مشاركاً في هذه الاستراتيجية.

وتضيف الدراسة أنه بسبب الأهمية الجيوستراتيجية لمنطقة البحر الأحمر، فإن الدول الرئيسية فيه تعمل بجد على تأكيد حضورها السياسي والأمني، كما تتزايد فيه النزعة العسكرية والعمل على ترتيبات لضمان أمن المنطقة من دوله بنفسها، ودون انتظار لما يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة أو الدول الأخرى من خارج الإقليم، كما يظهر من سعي السعودية مثلاً لتأسيس تجمع يضم الدول المطلة على هذا الممر المائي.

ويلاحظ أن دول المنطقة باشرت محاولات، لا تزال في بداياتها، لتخفيف حدة الصراع بينها، خاصةً في المحاور الرئيسية التي كانت تقودها تركيا وقطر من جانب، في مقابل المحور المصري – السعودي - الإماراتي. وهو ما يظهر في التواصل الذي بدأ سرياً وظهر إلى العلن مؤخراً بين السعودية وإيران وبين تركيا والإمارات، وقبل ذلك إنهاء حصار قطر، واستعادة التواصل السعودي القطري... وكأن هذه الدول قد توصلت إلى الحقيقة البديهية القائلة بضرورة التعايش مع الواقع الجغرافي على الرغم من اختلافاتها السياسية. وقد يكون في تراجع مخاطر حركة الإسلام السياسي، وكذلك انكسار موجة "الربيع العربي"، ما أعطى هذه الأنظمة الثقة في العمل باتجاه خيار توافق الأنظمة. 

مقالات من العالم

السلاح زينة الرجال!

... وكأن ذلك كله لا يكفي! فها معهد ستوكهولم لأبحاث السلام(SIPRI)، يصدر كعادته، تقريره السنوي في 6 كانون الأول/ديسمبر 2021، عن مبيعات السلاح في العالم، فتتصدر منطقتنا قائمة المشترين!

أوبك والعودة إلى مقعد القيادة

يؤكد "أصحاب القرار" السياسي والنفطي أن "واقع الحال" يشير إلى فترة تُقارب ثلاثة عقود إلى أن تدخل اتفاقية باريس للتغير المناخي حيز التنفيذ، وأنه "لا بد" من توفير الطاقة اللازمة...

ألغاز دبلوماسية المياه

2021-10-28

يشرح هذا المقال المنشور على موقع "حلول للسياسات البديلة" مفهوم ديبلوماسية المياه، ويبين أهميتها في حل النزاعات بين الدول وإرساء سبل التعاون بينها.

للكاتب نفسه

أوبك والعودة إلى مقعد القيادة

يؤكد "أصحاب القرار" السياسي والنفطي أن "واقع الحال" يشير إلى فترة تُقارب ثلاثة عقود إلى أن تدخل اتفاقية باريس للتغير المناخي حيز التنفيذ، وأنه "لا بد" من توفير الطاقة اللازمة...