التفاوت: مكانة النساء بين "الاعتقاد" الشائع والسائد، وبين الواقع والوقائع

ظن جيل "الحداثة" – جداتنا وأمهاتنا، وكنّ واثقات - أن توفير التعليم والانخراط في العمل ومعهما الإنتاج والاستقلال المادي الفردي، يكفي كأسس لإيصال النساء إلى إنسانيتهن الكاملة. وكان في هذا التصور – على أهمية التعليم والعمل – تبسيط أثبت الواقع مدى عدم كفايته!
2021-12-13

نهلة الشهال

أستاذة وباحثة في علم الاجتماع السياسي، رئيسة تحرير "السفير العربي"


شارك
| en
نور بهجت - سوريا

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

يَلْحظ من يهتم بتفحص مسألة مساواة النساء، أن ما يطغى بداية وبداهة عند الاعلان عن الموضوع هو المقارنة بالرجال وأحوالهم، وما يتاح لهم من تفوق في الامتيازات، على الرغم من بؤس اغلبيتهم الساحقة!

كما يُلحظ كذلك اتجاه طاغٍ لنقاش المسألة من خلال تفحص القوانين المعتمدة، للمطالبة بتعديلها أو بسن سواها. وهذا جانب هام بالطبع، إلا أن القانون لا قيمة كبيرة له من دون المعتقدات العامة الأكثر شيوعاً. فهناك تراسل وتفاعل بين القانون والمعتقدات الشائعة عموماً، واحدهما يكبح الآخر أو يدفعه إلى الأمام. وهو ما يؤكد بشكل خاص على أهمية معركة الأفكار والقيم المتوافق عليها، إذ لو كان القانون متقدماً مثلاً على المعتقدات والقناعات العامة الشائعة، فسيجد المجتمع وسائل للالتفاف على ما تفرضه المواد القانونية.. وهو ما تظهره بعض النصوص المنشورة في هذا الدفتر.

لذا فنحن نقارب موضوعنا هنا بشكل مختلف تماماً، ونظن أنه الأصوب. فما نقصده، وما سعينا لالتقاطه في هذه النصوص الثمانية القادمة من أرجاء منطقتنا كلها، هو ما تعنيه المساواة من الوصول إلى إنسانية النساء الكاملة، أي امتلاكهن لزمام أمورهن. تلك هي الحرية، ومعها القيم الأساسية التي يقاتل الإنسان من أجلها، وعلى رأسها الكرامة، وهي تشمل جوانب واسعة اتساع الحياة نفسها. وتلك القيم متداخلة ومتشابكة فيما بينها، بل ومتناقضة أحياناً، بحيث يبدو مستحيلاً أن يجري تناولها الواحدة بعد الأخرى أو بشكل منعزل. وهكذا فسريعاً ما نصل إلى أن مجابهة انعدام المساواة المتعدد الذي تعاني منه النساء يتطلب نقداً شاملاً للمنظومة السائدة نفسها التي تشمل ميادين العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والقانونية والسياسية والجنسية والتعليمية... وأن الأمر لا يتحقق من دون قلب النظامين الرمزي والمعرفي اللذين بُنيا بشكل واضحٍ ضد النساء.   

ظن جيل "الحداثة" – جداتنا وأمهاتنا، وكنّ واثقات - أن توفير التعليم والانخراط في العمل ومعهما الإنتاج والاستقلال المادي الفردي، يكفي كأسس لإيصال النساء إلى إنسانيتهن الكاملة. وكان في هذا التصور – على أهمية التعليم والعمل – تبسيط أثبت الواقع مدى عدم كفايته!

فقد استمر الاضطهاد والإهانة والاستصغار والتمييز، بل والقتل احياناً، يطال النساء في أنحاء العالم، وليس في منطقتنا فحسب. مما يعني أن مسألة وصول النساء إلى إنسانيتهن الكاملة يمس مجمل المنظومة القائمة، وهو قطعاً يقع في أساس بنيانها.

لذا فطموحنا هنا هو تلمس المسألة المركزية التي تخص هذا البنيان، وإبرازها لتكون منطلقاً لأعمال رصدية وتحليلية وأبحاث متنوعة يمكنها أن تقدّم صورة دقيقة عن "اللحظة" في منطقتنا اليوم، التي نعتقد أنها مفصلية.  

ولأن الأمر هو على هذه الشاكلة، فسنكتفي بمحاولة التقاط ورصد المسألة المركزية كمدخل للموضوع، يمس ما هو رمزي ومعرفي في آن: "التفاوت"أو الفجوة بين التصورات والقوانين والإجراءات التي تخص النساء، وبين الواقع الفعلي، أي المكانة والدور اللذين تؤديهما النساء، حتى لو كان الاعتراف بهما غائباً أو منقوصاً.

هذا "دفتر" جديد نختتم به 2021. وما نقصده، وما سعينا لالتقاطه في هذه النصوص الثمانية القادمة من أرجاء منطقتنا كلها، هو ما تعنيه المساواة من الوصول الى انسانية النساء الكاملة، أي امتلاكهن لزمام أمورهن. تلك هي الحرية، ومعها القيم الأساسية التي يقاتل الانسان من أجلها.

نعمل على رصد "المعتقدات" التي تحيط بالنساء في مختلف بلدان منطقتنا، صغيرها وكبيرها، تلك التي تتخذ شكل قناعات شائعة وراسخة [1]، وكأنها بديهيات، وتلك التي ترتدي شكل الإشاعة المتداولة، أو المزاح الساخر والاحتقاري، واللغة والمفردات المستخدمة. ونرصد كذلك القوانين ومعها الاجراءات التمييزية ضدهن. نسردها لنظهر التناقض بينها وبين واقع النساء المتقدم فعلياً، لجهة حضورهن في المجال العام، من العمل والانتاج والمسئوليات المختلفة، الى التعليم، الى الكيفيات التي يتبعنها لممارسة حياتهن الشخصية والحميمة، الى علاقتهن باجسادهن الخ..

نحن نقول أن "الواقع" الفعلي للنساء يسبق "الخرافات" المحيطة بهن، وكذلك يسبق القوانين التي يخضعن لها، وذلك في كافة بلدان المنطقة. وسيكون مفيداً أن تُعقد مقارنات بين تلك المعتقدات بحسب الأماكن، وكذلك استكشاف مكانة النساء المتينة في بلدان لا "تُظهِر" ذلك ولا تستعرضه (كاليمن مثلاً، وسواها حتماً). وسيكون من المفيد كذلك رصد الاستراتيجيات التي تلجأ اليها النساء للتكيف وتمرير أمورهن بالتي هي أحسن ( وفق أن "كيدهن عظيم"!)، وإنما، وكذلك، لحظات العجز عن ذلك، وبالتالي حضور العنف..

النساء يتصدّين لكافة المسئوليات، من المشاركة في إعالة العائلة (بل يُعلْنها بمفردهن أحياناً كثيرة)، إلى ميادين مختلفة تتخذن فيها القرارات عن أنفسهن وعن عائلاتهن، إلى آلاف المبادرات المفيدة للجميع. ولكن كل ذلك يبقى "ضمنياً"، بمعنى أن المعرفة به قائمة إلى حد بعيد، ولكن الاعتراف به ليس كذلك. والمقصود هو المعنى المتعدد للاعتراف: بما يخص القناعات، وبما يخص السلوكيات، واللغة، وبالطبع القوانين وأحياناً الإجراءات (التي تطبّق من دون أن ترتكز إلى قانون، ولكن قوتها فعلية).  

سبق هذا الدفتر عدة ملفات (كل منها يجمع نصوصاً بحثية ميسرة حول موضوع واحد، ومن زوايا مختلفة أو بلدان عديدة) انتجها "السفير العربي" في السنوات السابقة، كان آخرها دفتر "تأنيث العمل الهش" (وقبله نشرنا "يمكن الاتكال عليهن"، "كاميرات نساء فلسطين وشاشاتهن"، "حكاياهن"، "النساء والفتاوي الدينية"، "المرأة في السياسة والقانون"، "الدعارة استرقاق للنساء"، "التحرش بكل صوره"، وهي جميعاً متوفرة على الموقع في نافذة "دفاتر")، كما هناك عشرات المقالات غير المجموعة في ملفات أو دفاتر، وآخرها ما يخص تفحص التعديلات الجارية على قوانين الاحوال الشخصية أو مدونة الاسرة في أكثر من بلد.. ونتمنى أن نوفّق في انتاج نصوص مرتبطة بالواقع، تجنباً للعموميات غير المفيدة.

______________

• تولّت كتابة النصوص باحثات وصحافيات ومناضلات من مصر والمغرب واليمن ولبنان وفلسطين والجزائر والعراق.

• الترجمة الى الانجليزية: ياسمين الحاج وصباح جلول

• اللوحات كلها من أعمال الفنانة نور بهجت، سوريا. 

محتوى هذا المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

______________

[1] ونذكر منها هنا على سبيل "الطرفة"، أنهن مشهورات بسوء قيادة السيارة - ومعروفة الاستيهامات الذكورية حول القيادة – وأنهن سبب زحمة السير وخلافه، بينما الواقع يقول أن نسبة من تتسبب منهن بحوادث سير (وبالأخص الخطيرة منها) هي أقل بكثير من نسبة حوادث الذكور حتى لو نسبناها إلى اختلاف العدد بين السائقين والسائقات. ويمكن أن نشير إلى طرافات أخرى (ليست طريفة بالمرّة!)، كنعوت مثل "المسترجلة" وهي سلبية، أو"أخت الرجال" التي يفترض أنها "إيجابية"، والفارق بينهما، والموقف والاستيهامات حول المرأة غير المتزوجة أو الأخرى غير المنجِبة، إلخ.. فهذه المسألة هي في صميم البنية الأبوية التي يرتكز عليها كل التنظيم الاجتماعي وتقسيم العمل القائم. وهناك بالطبع سوى هذه الأمثلة الكثير...

مقالات من العالم العربي

للكاتب نفسه

"كاريش": حقل كل الصفقات

"كاد المريب أن يقول خذوني"! يمكن توقّع تغليب الحسابات والأغراض الصغيرة والذاتية لمسؤولين لبنانيين في هذه القضية الوطنية الكبرى، خاصة في ظل انهيار البلد. وهي تبدأ من المساومة على ملفات...

لبنان: ذلك "التغيير"!

ذهب إلى غير رجعة لبنان القديم الذي نشأ وفق صيغة "الميثاق الوطني" أو التسوية بين نخبه في ذلك الحين، لأنّ شروط هذه الصيغة انتهت دولياً وإقليمياً وداخلياً كذلك. لم يعد...