أوبك والعودة إلى مقعد القيادة

يؤكد "أصحاب القرار" السياسي والنفطي أن "واقع الحال" يشير إلى فترة تُقارب ثلاثة عقود إلى أن تدخل اتفاقية باريس للتغير المناخي حيز التنفيذ، وأنه "لا بد" من توفير الطاقة اللازمة خلالها ولو من الوقود الأحفوري... وهكذا، فليس العالم بصدد التخلي، ولو التدريجي عن النفط، كما كان يفترض، وكما تفرضه الضرورات المتعلقة بالتلوث والمناخ، بل يتجه هؤلاء السادة إلى زيادة إنتاجه!
2021-12-12

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
التحضيرات لمؤتمر هيوستن العالمي للنفط

من أبرز الخصائص التي تتميز بها السوق النفطية دورات صعود الأسعار وتصاعدها التي تستند إلى العرض والطلب، الذي يُترك أحياناً لآلية السوق، وأحياناً لتدخلات المنتجين من داخل أوبك أو من خارجها، في مسعاهم الدائم للحصول على أكبر عائد لمبيعاتهم من النفط.

تزامنت معاً خلال الأسبوعين الماضيين، مع نهاية شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، بعض التطورات التي تعكس دورات الصعود والهبوط تلك، مع الفارق أنها لم تستغرق الوقت الطويل الذي تستغرقه عادةً، بل أصبحت - وعوضاً عن السنوات - تتراوح بين الأيام والأسابيع.

فقد شهدت الساحة النفطية تطورين، أولهما أن مؤتمراً دولياً عن التطورات التقنية انعقد في الخامس من الشهر الجاري في مدينة هيوستن في الولايات المتحدة الأمريكية، تخلف عنه ثمانية من وزراء النفط بسبب الإجراءات المطلوبة، وتقييد السفر بعد انتشار متحور كورونا الجديد "أوميكرون". لكن اليوم نفسه شهد قفزةً سعرية وصلت إلى 5 في المئة بسبب تزايد القناعة بأن المتحور الجديد لن يكون تأثيره كبيراً على الحركة الاقتصادية تحديداً، بما فيها قطاع النقل. وعليه قفز سعر البرميل من خام برنت 3.20 دولاراً، ووصل إلى 73.08 دولاراً، وويست تكساس بزيادة 3.23 دولاراً إلى 69.49 دولاراً للبرميل. وقبلها ببضعة أيام قررت أوبك وحلفاؤها بقيادة روسيا الاستمرار في ضخ المزيد من الإمدادات للأسواق على الرغم من تمنّعها في البداية الاستجابة لطلب واشنطن زيادة الإنتاج، وعلى الرغم من التأثيرات السلبية على الطلب التي كانت متوقعة بداية بسبب متحور "أوميكرون".

قال أمين ناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو، إن التحول إلى الطاقات النظيفة لن يتم بين ليلة وضحاها، وحثّ أصحاب القرار السياسي والنفطي، أن يهتموا بأمر الاستثمار في الصناعة النفطية لتجنب حدوث اضطرابات سياسية واجتماعية واقتصادية بسبب تضعضع أمن الطاقة باعتبار قلة الاستثمار فيها.

ويتعارض هذا مع ما شهده الأسبوع الأسبق، وهو الأسبوع السادس على التوالي الذي تراجعت فيه الأسعار. لكن يمكن القول بصورة عامة إن خام برنت، وهو أحد الخامات الأساسية التي يتم عبرها تسعير النفط في السوق، حقق زيادةً هذا العام في المتوسط، بلغت 38 في المئة، ووصل إلى 86 دولاراً للبرميل في وقت ما. وعلى الرغم من تراجع أسعاره، إلا أن وزير النفط العراقي إحسان عبد الجبار قدّر أن تصل الأسعار إلى حدود 75 دولاراً للبرميل.

وكانت السعودية أعلنت أنها زادت أسعار نفطها المتجهة إلى السوقين الآسيوية والأمريكية عما كانت عليه قبل شهر. فبالنسبة للسوق الآسيوية التي تستوعب 60 في المئة من صادرات النفط السعودي، تمت زيادة أسعار الشحنات من خام العربي الخفيف بحوالي 60 سنتاً، ليباع البرميل بزيادة 3.30 دولاراً فوق سعره، وهو الأعلى منذ شباط/ فبراير من العام 2020.

مفاجأة

المفاجأة أن أوبك بقيادة السعودية، التي تمنّعت من الاستجابة لطلب إدارة بايدن زيادة إمداداتها النفطية إلى الأسواق - وعلى الرغم من انفجار متحور كورونا الجديد "أميكرون"، والخوف من أن يؤثر على الطلب - قررت الاستمرار في ضخ 400 ألف برميل يومياً لتعطي السوق إشارات ثقة في أن الطلب في حالة نمو، وأنها تتجه لتصبح سوق بائعين. وواضحٌ أن الدول المنتجة بقيادة الرياض وموسكو تسعى للاستفادة من هذا التحسن السعري لتحسين وضع موازناتها خاصةً، ولديها مرونة في تحديد حجم الإمدادات شهرياً.

ولا يستبعد المراقبون وجود بعد سياسي في القرار الذي وُصف بأنه "هدية" من الرياض إلى البيت الأبيض، وذلك تقديراً للاتصالات الأخيرة التي قامت بها واشنطن ومدّ يدها إلى الرياض في ملفات عديدة تهم البلدين، من الملف الإيراني، إلى سوق الطاقة، والتغير المناخي وغيرها، وذلك يمثل تخفيفاً للموقف المتشدد الذي أعلنت عنه إدارة بايدن من قبل، وبلغ ذروته بنشرها تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية الذي يحمّل مسؤولية مقتل الصحافي جمال خاشقجي لولي العهد شخصياً، وقرار بايدن عدم التواصل معه. وقد وواجهت خطوة الاستمرار في ضخ 400 ألف برميل يومياً بالثناء من البيت الأبيض تجاه السعودية والإمارات، عبر الناطقة الرسمية للإدارة الأمريكية.

مقالات ذات صلة

إدارة بايدن تخوفت من حدوث شح في الإمدادات ينعكس على الأسعار بالنسبة للمستهلكين في محطات الوقود التي زادت أسعارها بنحو 40 في المئة منذ دخول بايدن إلى البيت الأبيض، خاصةً وأن العام المقبل سيشهد الانتخابات النصفية لمجلسي الشيوخ والنواب. ويخشى الديمقراطيون أن يفقدوا فيها أغلبيتهم الضئيلة، ومن ثم يصبح بايدن "بطة عرجاء" (وفق التعبير الشائع والمتداول أمريكياً) حتى نهاية فترته الحالية، تماماً مثلما حدث مع إدارة أوباما بعد سيطرة الجمهوريين على الكونغرس.

ونتيجة لهذا اتجه بايدن إلى الحل المتاح أمامه، وهو اللجوء إلى الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، وقام بعملية تنسيقية عالمية تلخصت بإقرار الولايات المتحدة سحب 50 مليون برميل، كما التزمت الهند بخمسة ملايين برميل وكذلك كوريا الجنوبية أربعة ملايين، ومثلها من اليابان، إضافةً إلى بريطانيا التي التزمت بسحب مليون ونصف المليون برميل، ويعتبر هذا أكبر سحب من المخزونات الاستراتيجية.

أسباب

في تفسير هذا التحول السعري، وضخ المزيد من الإمدادات، يمكن إيراد سببين، أولهما تراجع الخوف من تأثيرات "أوميكرون" على الطلب مثلما حدث مع الموجة الأولى من جائحة كورونا، بسبب المعلومات التي بدأت تتضح عن أنه أقل خطورةً من الأنواع التي سبقت، مثل متحور "دلتا". أما السبب الثاني فيتعلق بتراجع إمكانيات التوصل إلى اتفاق مع إيران بخصوص الملف النووي، يسمح بعودة النفط الإيراني إلى الأسواق، وهو ما يضع السوق في مرحلة متقدمة في أن تكون "سوق بائعين"، الأمر الذي دفع جيف ميللر، الرئيس التنفيذي لشركة الخدمات النفطية هاليبرتون إلى القول إنه، ولأول مرة منذ وقت طويل، سيبحث المشترون عن براميل نفط لشرائها بدلاً من حالة البائعين الذين كانوا يبحثون عن مشترين لبراميلهم النفطية.

المفاجأة أن السعودية، التي تمنّعت من الاستجابة لطلب إدارة بايدن زيادة إمداداتها النفطية إلى الأسواق، قررت ضخ المزيد من البترول لتعطي السوق أشارات ثقة في أن الطلب في حالة نمو. وواضح أن الدول المنتجة بقيادة الرياض وموسكو تسعى للاستفادة من التحسن السعري لتحسين وضع موازناتها، وخاصةً أن لديها مرونةً في تحديد حجم الإمدادات شهرياً.

في مؤتمر هيوستن المشار إليه أعلاه، تحدث أمين ناصر، الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو، موضحاً أن التحول إلى الطاقات النظيفة لن يتم بين ليلة وضحاها، وحثّ أصحاب القرار السياسي، وفي الصناعة النفطية، أن يهتموا بأمر الاستثمار في هذه الصناعة لتجنب حدوث اضطرابات سياسية واجتماعية واقتصادية بسبب تضعضع أمن الطاقة باعتبار قلة الاستثمار فيها. وبما أن الدول المنتجة بقيادة أوبك تستمر في الإنفاق الاستثماري في المجال الرئيسي لنشاطها الاقتصادي، فإن هذا يعزز من وضعيتها قائدةً للسوق النفطية.

ويبدو أن هذه التحولات وجدت صدى لها في صناعة النفط الأمريكية التي بدأت تستعد لمزيد من الإنفاق، ومن ثم تنمية الإنتاج الداخلي، وذلك بعد التراجع الذي شهدته خلال فترة العامين الماضيين بسبب جائحة كورونا. ووفقاً لدراسة من "مؤسسة رايستاد" للطاقة، فأنه يتوقع زيادة الإنفاق على إنتاج النفط الصخري بنحو 19.4 في المئة في العام المقبل ليرتفع إلى 83.4 مليار دولار من 69.8 ملياراً في الوقت الحالي. ويعتبر هذا أعلى رقم استثماري يُنفق خلال عامي كورونا، مما يشير إلى أن الصناعة النفطية أصبحت على قناعة أن الأزمة تسير في اتجاه الخروج من حالة عدم الوضوح، وغياب اليقين التي ميزت الفترة السابقة، كما أنها تؤكد على أنه وعلى الرغم من الحديث المتكرر عن ضرورة اللجوء إلى الطاقة المتجددة، وتحجيم الإنفاق على مشروعات الوقود الأحفوري، إلا أن واقع الحال يشير إلى أن هناك فترةً تقارب ثلاثة العقود من الزمان، وحتى تدخل اتفاقية باريس للتغير المناخي حيز التنفيذ، ولا من توفير الطاقة اللازمة خلالها، ولو من الوقود الأحفوري لتسيير الأوضاع الاقتصادية.

هناك بعد سياسي في القرار الذي وُصف بأنه "هدية" من الرياض إلى البيت الأبيض، تقديراً للاتصالات الأخيرة التي قامت بها واشنطن، ومدّ يدها إلى الرياض في ملفات عديدة، وتخفيفها للموقف المتشدد الذي أعلنت عنه إدارة بايدن من قبل، وبلغ ذروته بنشرها تقرير وكالة الاستخبارات الأمريكية الذي يحمّل مسؤولية مقتل جمال خاشقجي لولي العهد شخصياً، وقرار بايدن عدم التواصل معه.

ولهذا تقول إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إن استهلاك العالم من النفط والمشتقات الأخرى بلغ 98.8 مليون برميل يومياً في تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم، بزيادة 4.5 مليون برميل عن الاستهلاك قبل عام، وأنها تقدّر أن يبلغ إجمالي الاستهلاك لهذا العام 97.5 مليوناً، أو بزيادة 5.1 مليون برميل يومياً عن استهلاك العام الماضي، كما تتوقع أن يزيد الاستهلاك العام المقبل بحوالي 3.3 مليون برميل يومياً. أما الإنتاج المحلي الأمريكي فيتوقع له أن يكون قد بلغ في تشرين الأول/ أكتوبر 11.4 مليون برميل يومياً مرتفعاً بـ10.7 مليوناً عن أيلول/ سبتمبر 2021، وأن يكون متوسط الإنتاج لهذا العام 11.1 مليوناً ترتفع إلى 11.9 مليوناً العام المقبل، وهو ما يجعل واشنطن تتفوق إنتاجياً على كل من الرياض وموسكو. 

مقالات من العالم

أبطال هذا الزمان ورموزه

قادة العالم كلهم، ومعهم قادة و"زعماء" منطقتنا بالطبع ("كلّن يعني كلّن"!! وهي موسعة سعة العالم هنا)، هؤلاء جميعهم "بولسونارو" الدجّال والمبتذل، وصفات أخرى لا تقل انحطاطاً.

الدروس الجيوسياسية للأزمة الأوكرانية

2022-03-01

الوضعية الراهنة ليست إلا حلقة جديدة في مسلسل مستمر منذ قرابة الثلاثين عاماً، وهو يجسد صراع روسيا والولايات المتحدة من أجل توسيع نطاق تأثير ونفوذ كل واحدة منهما.

للكاتب نفسه