الأوقاف المصرية في قبضة السلطة..

أقر مشروع قانون إنشاء "صندوق الوقف الخيري" بوزارة الأوقاف، الذي يتبع رئاسة الوزراء مباشرة وله شخصية اعتبارية. البند الثاني من القانون، الخاص بدعم أجهزة الدولة، مطاط إلى حد كبير، ما يثير التساؤلات حول كيفية استخدام أموال الصندوق، الذي يضم أصولاً مقدرة بنحو تريليون و37 مليار و370 مليون و78 ألف جنيه، وفقاً لما أعلنه رئيس هيئة الأوقاف في العام 2018.
2021-11-20

رباب عزام

صحافية من مصر


شارك
شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب ووزير الأوقاف مختار جمعة

مشهد أول

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي متكئًا على كرسيه في جلسة مؤتمر الشباب الثاني [1] الذي انعقد في كانون الثاني/ يناير من العام 2017 بمحافظة أسوان أقصى جنوب مصر: "احنا فقرا أوي.. مش مطلوب منكم إنكم تعيشوا"، كان ذلك تعليقاً على من وصفهم بأهل الشر الذين يعارضون خطوات النظام، في الوقت الذي رصد فيه بحث الدخل والإنفاق الصادر عن الجهاز الرسمي للإحصاء أن نسبة الفقراء وصلت في العام ذاته إلى 32.5 في المئة من إجمالي المصريين بالداخل.

مشهد ثاني

يقف الرئيس المصري في افتتاح مشروعات سكنية في مدينة بدر الجديدة في آب/ أغسطس الماضي، معلناً طرح أسهم شركة العاصمة الإدارية الجديدة (تبعد عن العاصمة الحالية 45 كلم شرقي النيل) في البورصة المصرية قريباً، مستهدفاً استثمارها بعد أن تصل قيمة أصولها إلى ما يقارب 4 تريليون جنيه خلال العامين المقبلين، في الوقت الذي أشار فيه إلى أن صندوق "تحيا مصر" لم يحقق مبلغ 100 مليار جنيه المنشودة، مطالباً بالعثور على طرق جديدة لحشد الأموال اللازمة للصندوق.

مشهد ثالث

في السابع من أيلول/ سبتمبر 2021، نشرت الجريدة الرسمية قرار رئيس الجمهورية بالتصديق على القانون رقم 145 لسنة 2021 بشأن إنشاء صندوق وقف مصر الخيري، ويهدف إلى استثمار أموال هيئة الأوقاف المصرية في مشروعات للدولة.

ينتهج النظام المصري الحالي سلوكاً يتوسع في فرض الكثير من الضرائب على المواطنين، في مقابل تقديم خدمات ينص الدستور والقانون على أنها حقوق أصلية للمصريين، ما بات يمثل عبئاً ثقيلاً على المواطنين الذين وصل حد الفقر بينهم وفقاً لآخر بحث معلن للدخل والإنفاق من جهاز الإحصاء الرسمي، عن الفترة من 2019- 2020 إلى 29.7 في المئة.

مقالات ذات صلة

وقد صدر القانون الخاص بتنظيم صندوق مصر الخيري، الذي يستهدف وبشكل رئيس استثمار أصول وأموال الأوقاف المصرية، وهو يتبع وزارة تحمل الاسم نفسه، في الوقت الذي وجّه فيه السيسي أجهزة الدولة إلى البحث عن موارد جديدة لزيادة الأموال المخصصة للإنفاق على مشروعات توصف بـ "التنموية". التساؤل الذي بات مطروحاً يدور حول ما اذا كان الفقراء يحرمون من أموال الإعانات والبر بعد أن وضع النظام يده على ممتلكات الخير؟

قصة الأوقاف المصرية

يعود إنشاء هيئة الأوقاف إلى العام 1835، حينما أصدر محمد علي باشا أوامره بإنشاء "ديوان عموم الأوقاف"، وما لبث أن أصدر قراراً آخر بإلغاء الديوان بعدها بعامين فقط. لكن عباس حلمي الأول (ثالث حكّام الأسرة العلوية في مصر) أمر بإعادة الديوان الذي استمر حتى العام 1913، ليتحول إلى "نظارة" (وزارة).

مر تنظيم عمل الأوقاف بالعديد من القوانينن استناداً إلى أحكام الشريعة الإسلامية، بدءاً من القانون 48 لسنة 1946 والقانون 247 لسنة 1953 (قضى بنقل الإشراف على المساجد الموقوف عليها وقفاً خيرياً إلى وزارة الأوقاف)، مروراً بالقانون رقم 157 لسنة 1960 (قضى بضم جميع المساجد الأهلية للوزارة)، والقانون 44 لسنة 1962، انتهاء بالقرار الرئاسي [2]  رقم 80 لسنة 1971 بإنشاء هيئة عامة تسمى "هيئة الأوقاف المصرية" وتتبع وزير الأوقاف ويكون مقرها القاهرة، تشرف على كافة أوقاف مصر الإسلامية واليهودية، وأيضاً الأوقاف القبطية المسيحية (انفصلت لاحقاً في هيئة مستقلة تتبع الكنيسة القبطية).

محاولات سابقة للسيطرة على أموال الأوقاف

ظلت أموال الوقف الخيري في مصر مطمعاً لكثير من الحكام عبر التاريخ الحديث. محاولات كثيرة نشبت في ظل حكم الدولتين المملوكية والعثمانية، إلا أنه وأمام قوة رجال الدين، رضخ الحكَّام ويئسوا من محاولاتهم المتكررة، إلى أن جاء محمد علي باشا والذي سعى لبناء إمبراطوريته من خلال مشروعات عملاقة سخر من أجلها كافة موارد مصر، فنجح في ربط الأوقاف بالسلطة المركزية وأخضعها للرقابة الإدارية. وبعد ذلك فرض الضرائب واستحوذ على الأوقاف التي لم يُثبت أصحابها ملكيتهم، ثم ظهر تقسيم عرفي اجتماعي للوقف (يسري حتى الآن بقوة القانون)، تمثل في وجود 3 أنواع، الأول: الوقف الخيري وهو المخصص ريعه للإنفاق على الجهات الخيرية التي لا ينقطع عملها مع الفقراء ويحددها الواقف نفسه، الثاني: الوقف الأهلي (الذري) ويَقصد به المالك الذي أوقفه الإنفاق على أولاده وذريته من بعده، وفي حال انقراض النسل يؤول إلى جهة خيرية، والثالث: الوقف المشترك ويجمع بين النوعين السابقين فتكون فيه حصة خيرية وأخرى أهلية.

مقالات ذات صلة

أحدث محمد علي باشا تغييرات واسعة على نظام الأوقاف، كانت بمثابة ثورة ضد العلماء والقائمين على نظام الإلتزام، فاستولى على أراضي الأوقاف الخيرية في العام 1812، وكانت مساحتها وقتئذ 600.000 فدان، أي ما يزيد عن خُمس الأراضي المصرية البالغة يومئذ 2.500.000 فدان. في الوقت نفسه، فرض محمد علي ضرائب على أراضي الرزق (الأوقاف) وهي كانت معفاة من الضرائب، كما قرر أيضاً إلغاء الوقف الذي يعجز أصحابه عن تقديم حجته للفحص فى خلال أربعين يوماً، ووضع اشتراطات معقدة للغاية، وأســفـــر ذلك عن إلـغـاء الكثير منها وضمها إلى الأطيان الخراجية مع إلزامهم بأداء الخراج. وحتى الأراضي التي ثبتت حجتها فألزمها أيضاً بأداء الخراج، ما أثار استياء وغضب العلماء والملتزمين ونُظار الأوقاف وأيضاً عامة الشعب، فتصاعدت الاحتجاجات ضد قرارات الباشا برئاسة عمر مكرم نقيب الأشراف حينئذٍ. لكن محمد علي الصاعد بقوة لم يكن لديه نية التساهل مع وجود أي صوت معارض لسياساته، فإنتهى الأمر بالقضاء على الزعامة الشعبية المناوئة لنظام فرض الضرائب، ونفي عمر مكرم إلى دمياط حتى مماته [3].

بعد محمد علي لم يجرؤ الحكام على زلزلة نظام الأوقاف المصري، ‏حتى جاء الرئيس جمال عبد الناصر إلى سدة الحكم، وأخضعها لسلسلة من الإجراءات المتتالية ضمن ‏حزمة السياسات الثورية العامة التي حاول مجلس قيادة الثورة من خلالها تحقيق الأهداف الست لحركة الضباط الأحرار، أو ما يعرف بثورة ‏يوليو، تحت شعار القضاء على طبقة كبار الملاك. وتعتبر الحقبة الناصرية هي التي أودت بالوقف الأهلي في مصر إلى ‏نهايته. ففي أيلول/ سبتمبر من العام 1952 صدر قانون رقم 180 لسنة 1952 يقضي بحل الوقف الأهلي وقسمة أعيانه على مستحقيه، مع الإبقاء على الوقف الخيري فقط.

حاربت دولة يوليو في بدايتها الوقف الأهلي، معتبرة إياه نداً عنيداً قد يتسبب في فشل خطط الإصلاح الزراعي [4]. وحسب الإحصاءات الرسمية، فإن المساحة المقدرة للوقف الأهلي والمشترك فقط (بخلاف الوقف الخيري) قرُبت من نصف مليون فدان من الأراضي الزراعية، عند وقوع ثورة يوليو. لذا كان الهدف الأساسي من حل الوقف الأهلي هو نجاح الإصلاح الزراعي والقضاء على المعارضة المتمثلة في مالكيه، وهم ذرية الإقطاعيين الذين كانوا لبنة أساسية للنظام الملكي القديم. لكن المبرر المعلن وقتها كان التخلص من سلبيات ومشكلات الوقف الأهلي والصراع المتكرر بين مستحقيه وورثته وفسادهم، كما تم تأميم أراضي الأوقاف التي كانت تحت إدارة ديوان الأوقاف المَلَكية، طبقاً لأحكام قانون الإصلاح الزراعي رقم 178 لسنة 1952، وكانت مساحتها تتراوح بين 120 -130 ألف فدان، ومعظمُها أوقافاً لأعضاء الأسرة المالكة.

لم يتبدل الحال كثيراً في العام 2021، إذ يقف النظام الحالي ثانية ليطبق سياسة جديدة تجاه إدارة أموال الأوقاف الإسلامية، فكيف ولمَ ولمن؟

كيف؟

في الثامن والعشرين من حزيران/ يونيو من العام الجاري، وافق مجلس النواب المصري على مشروع قانون إنشاء صندوق الوقف الخيري بوزارة الأوقاف (يتبع رئاسة الوزراء مباشرة ويكون له شخصية اعتبارية)، وقرر إحالته إلى مجلس الدولة للبت فيه، تمهيداً لتصديق رئيس الجمهورية، الذي أقره في السابع من أيلول/ سبتمبر من العام الجاري 2021.

ونص القانون على أن يتولى إدارة الصندوق رئيس الوزراء وعضوية كلا من: وزير الأوقاف كنائب للرئيس، وأربعة أعضاء من الشخصيات ذات الخبرة الاقتصادية يختارهم رئيس الوزراء، وثلاثة أعضاء يختارهم وزير الأوقاف على أن يكون أحدهم من العاملين بالوزارة، والثاني من هيئة الأوقاف، أما الثالث فيكون شخصية عامة من ذوي الخبرة، إضافة إلى عضو قضائي يختاره وزير العدل، وآخر مختص في مجال إدارة المحافظ المالية يرشحه رئيس الرقابة المالية.

وتتكون موارد الصندوق من فوائض حسابات اللجنة العليا الإسلامية والاجتماعية، وصناديق النذور، وصناديق إعمار المساجد، وفوائض ريع الأوقاف، وسائر التبرعات والهبات والمنح النقدية أو العينية الطبيعية أو الاعتبارية، وأي موارد أخرى يصدر بها قرار من رئيس الجمهورية، بشرط ألا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. ويكون للصندوق موازنة مستقلة تبدأ وتنتهي مع السنة المالية للدولة... مع إعفاء أموال الصندوق من كافة الضرائب المقررة من الدولة المصرية.

لم؟

منح الُمشّرع الدستوري أموال الوقف عناية خاصة. فقد نصت المادة (90) من الدستور المصري على أن: "تلتزم الدولة بتشجيع نظام الوقف الخيري لإقامة ورعاية المؤسسات العلمية، والثقافية، والصحية، والاجتماعية وغيرها، وتضمن استقلاله، وتدار شئونه وفقاً لشروط الواقف، وينظم القانون ذلك". ولما كان هناك العديد من القوانين والقرارات التي تنظِّم إدارة أموال الوقف، وصناديق النذور، واللجنة العليا للخدمات الإسلامية والاجتماعية وصندوق إعمار المساجد، وكل منها له حساب مستقل، فقد ارتُئِيَ إنشاء صندوق يضم فوائض حسابات الأنشطة الخاصة بأموال الوقف تحت مظلة واحدة. وعليه فقد تم إعداد قانون لإنشاء صندوق لاستثمار الوقف الخيري، للمساهمة في الحفاظ على أمواله وفق أسس اقتصادية وعلمية تحددها الدولة.

ومنح القانون وزير الأوقاف المصري سلطة التصرف في أموال الصندوق، بما يتضمنه من أموال صناديق النذور وإعمار المساجد، وتوجيهها لصالح إقامة المشروعات الخدمية والتنموية للدولة.

لمن؟

وفقًا لنصوص القانون المنظِّم لعمل الصندوق، فإن مجلس إدارته يتحكم في أوجه الصرف التي يراها مناسبة. وبدعوى معاونة الدولة في ملف التطوير والمشروعات القومية الكبرى، فيحق للمجلس إصدار قرارات بالمساهمة في التمويل اللازم لمشروعات مثل العاصمة الإدارية الجديدة. لكن المعلن حتى الآن أن أهداف الصندوق هي المساهمة في نشر الدعوة الإسلامية بالداخل والخارج، ودعم أجهزة الدولة في إقامة وتطوير المشروعات الخدمية والتنموية والبنية التحتية وغيرها من المشروعات الاجتماعية والاقتصادية التي تُسهم في دعم الموقف الاجتماعي والاقتصادي للدولة، والمساهمة في تطوير العشوائيات، وأيضاً المساهمة في الحد من ظاهرة الأطفال بلا مأوى.

ويأتي البند الثاني الخاص بدعم أجهزة الدولة مطاطاً إلى حد كبير، ما يفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول كيفية استخدام أموال الصندوق، الذي يضم أصولاً مقدرة بنحو تريليون و37 مليار و370 مليون و78 ألف جنيه، وفقاً لما أعلنه رئيس هيئة الأوقاف في العام 2018. وتتوزع الأصول بين أملاك زراعية تقدر بنحو 759 مليار جنيه، وثروة عقارية تقدر بنحو 137 مليار جنيه، وأرض فضاء قدرت قيمتها في العام 2018 بنحو 141 مليار جنيه، إضافة إلى مشاركتها وامتلاكها فى نحو 20 شركة وبنك ومشاريع أخرى ودور رعاية وملاجئ.

لم يأت الصندوق بين يوم وليلة، فقد كانت هناك خطوات تمهيدية أجراها وزير الأوقاف الحالي، بدأت منذ العام 2016، حينما أصدر القرار رقم 274 لسنة 2016 والذي أسماه "قرار تحصين وحماية مال الوقف"، ويقضي بالتصرف في بعض أصول الوقف الخيري بناء على تقديرات حكومية، سواء بالبيع أو المزاد العلني أو الاستبدال، لبناء مشروعات تحتاجها الدولة. ولكن في آذار/ مارس من العام 2018، اعتبرت هيئة كبار علماء المسلمين ومجمع البحوث الإسلامية أن القرار مخالف لمقاصد الوقف، ورفضا نص المادة الأولى من مشروع قانون هيئة الأوقاف، مبررين ذلك بأنه لا يجوز شرعاً تغيير شرط الواقف، فشرط الواقف كنص الشارع وفقاً لاتفاق الفقهاء، وعليه فلا يجوز مخالفة شرط الواقف أو التصرف في الوقف. القرار الرئاسي رقم 300 لسنة 2016، سبق ذلك بتشكيل لجنة لحصر أملاك هيئة الأوقاف المصرية، من الأراضي والمباني والمشروعات والمساهمات في شركات، تختص بتقييم عوائد الاستثمارات واتخاذ اللازم، لتعظيم أملاك الأوقاف، وحصر جميع الأراضي والأملاك المستولى عليها واستردادها. وفي كانون الأول/ ديسمبر من العام 2017 طالب السيسي باستثمار أموال الأوقاف والزج بها للمساهمة في المشروعات القومية، مع حصر دقيق لها.

ضرب السيسي بقرار هيئة كبار العلماء عرض الحائط، حينما صدق في كانون الأول/ ديسمبر من العام 2020 على قانون هيئة الأوقاف بالقرار رقم 209، والذي بموجبه ألغى كل القوانين السابقة المنظِّمة للهيئة، تبعه التصديق على قانون إنشاء صندوق الوقف الخيري في أيلول/ سبتمبر من العام الجاري. لكن كيف يتحقق المكسب المرجو من وراء وزارة أكدت تقارير رسمية عديدة فسادها؟

فساد الأوقاف.. هدر لا ينتهي

لا يزال مختار جمعة، المقرب من السيسي، على رأس وزارة الأوقاف منذ العام 2013، على الرغم من التقارير المعلنة باتهامات فساد في عهده، لكن السلطة مستمرة في تجديد الثقة به، على الرغم من تكرار ظهور اسمه في اتهامات بقضايا فساد كبرى، كقضية رشوة وزارة الزراعة، وتوجيه المحامي فريد الديب اتهاماً مباشراً له بأنه أحد الفاعلين الرئيسيين في القضية. لم يُلتفت لمثل هذه الاتهامات، ليظهر "جمعة" على أنه رجل النظام داخل المؤسسة الدينية، خاصة وأن الخلافات باتت معلنة بينه وبين شيخ الأزهر الإمام أحمد الطيب، والذي ظهر معارضاً لنظام السيسي ومخالفاً له في كثير من الملفات منذ العام 2014. وهذا ما طرح تساؤلات حول تطلعات الوزير في أن يحل محل الإمام الطيب، والذي وفقاً للدستور الحالي لا يستطع رئيس الجمهورية عزله من منصبه.

وتعد وزارة الأوقاف أغنى الوزارات في مصر. فهي وحدها تمتلك أصولاً تمثل الوقف الخيري والوقف المشترك فقط، أما الوقف الأهلي فتدور حوله كثير من الشبهات والمشكلات. ووفقًا لما نشرته المجموعة الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" والتي تسمى "جمعية مستحقي أوقاف مصر"، فإن هناك ما يزيد عن 36 ألف وقف أهلي لا يستطيع مستحقيها استعادتها، وتضع الدولة الكثير من العراقيل أمام أصحابها.

ووفقاً للجمعية، فإن هناك أوقافاً للمصريين خارج مصر تقدر بمليارات الجنيهات، لا تساعدهم الحكومة المصرية في استعادتها، مثل: وقف أبو بكر عبد الله الرومي الشهير بـ "بكير آغا الخربوطلي"، والذي كان والياً على مكة في عهد محمد علي وقام بشراء أراض مساحتها 20 ألف متر مربع بحي المسفلة بمكة المكرمة، تمّ ضمها في أعمال توسعة الحرم المكي حسبما قال اللواء أحمد جلبي الخربوطلي مؤسس الجمعية في تصريحات سابقة، وأيضاً هناك أملاك تقدر بحوالي 25 فدان بمنطقة العنبرية بالمدينة المنورة، وغيرها من الأراضي في مناطق شديدة التميز.

 وتمتلك مصر أوقافاً في اليونان تعادل قيمتها مئات المليارات من الجنيهات، لكنها في طي النسيان، ولم تُذكر إلا بعد أن انتشرت الشائعات عقب توقيع اتفاقية الحدود البحرية بين مصر واليونان في آب/ أغسطس من العام 2019، ونشرت العام الماضي، حيث قيل وقتها أن مصر تنازلت عن أملاكها في اليونان (بحسب البيانات الرسمية المصرية، فإن مصر الدولة الوحيدة في العالمين العربي والإسلامي التي تمتلك أصولاً في دولة أوروبية)، خصوصا أملاك جزيرة طاش أوز ضمن الصفقة الجديدة والتي أعقبت تنازلها عن جزيرتي تيران وصنافير أيضاً، وتشمل 15 قطعة أرض ومتحف محمد علي باشا، وقصر والد محمد على وقبره، وأراضي زراعية مساحتها تزيد على 100 ألف متر مربع، والمدرسة البحرية على بحر إيجة التى بناها محمد علي في العام 1748، بخلاف بساتين شجرية نادرة... ونفت وزارة الأوقاف وقتئذ نيتها بيع أي من الأصول المصرية في اليونان، بل وقالت إنها بالفعل تؤجر 5 قطع أراضي لليونان بما يقدر بحوالي 75 ألف يورو سنوياً فقط، أما باقي الأراضي والممتلكات فهي غير مستغلة.

وليست اليونان والسعودية وحدهما اللتان تضمان ممتلكات مصرية، بل هناك أملاك غير محصورة في دول عدة؛ أبرزها تركيا وفلسطين المحتلة ودول الشام أيضاً. وحسبما قال محمد شبل المتخصص في شئون الأوقاف المصرية، فإن مصر تمتلك أوقافاً كثيرة في غزة والقدس وبعض المدن الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي. بل هناك قطعة أرض محتلة بُني عليها مطاراً إسرائيلياً، إلى جانب الأوقاف المصرية التابعة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية.

أما عن الأوقاف الأهلية في الداخل فهي كثيرة، نظراً لأهمية أماكن الوقف، فعلى سبيل المثال، فإن أرض ميدان التحرير الأشهر في قلب العاصمة المصرية، والأرض المقام عليها مبنى جامعة الدول العربية، ووزارة الخارجية هي وقف أهلي، كما أن أرض ماسبيرو وقف يخص الأشراف من آل البيت، وأيضاً وكالة البلح الأشهر في مصر للملابس والأدوات المستعملة التي يستخدمها الفقراء. وهناك أملاك طالب بها ورثة عائلة جوريجي مثل أماكن بمنطقة الموسكي وحارة اليهود وشارع محمد علي وخان الخليلي.

هذه المناطق المذكورة هي جزء من القاهرة التاريخية التي تسعى السلطة الحالية لاستثمارها، وهو ما يطرح تساؤلات عدة حول ما إذا كانت هناك نية لدى المسئولين في إعادة الأملاك إلى أصحابها الأصليين أم استثمارها وبيعها تحت راية صندوق الوقف الخيري الجديد؟ 

______________

[1] مؤتمرات الشباب" ملتقى حواري يمتد لأيام بين ممثلين للشباب من كافة محافظات مصر وبين قيادات حكومية بحضور رئيس الجمهورية
[2] الجريدة الرسمية فى 28 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1971 العدد 43
[3] للمزيد من التفاصيل أنظر: مصطفى محمود على جمعة، علاقة الدولة الحديثة بالأوقاف: محمد على باشا وآليات السيطرة على الأوقاف، (جامعة عين شمس: القاهرة).
[4] للمزيد من التفاصيل، الاطلاع: https://bit.ly/3r1ERK9

مقالات من مصر

للكاتب نفسه

التاريخ السياسي لمياه نهر النيل

رباب عزام 2021-08-05

لا يبعد ملف سد النهضة عن السياسة كثيراً. المعلن من الجانب الإثيوبي أنه مشروع تنموي، لكن اللعبة السياسية الجارية في منطقة شرق أفريقيا، وإعادة اكتشافها لصالح أطراف دولية ترى أنها...