انتخابات العراق: تحولات الشيعية السياسية من "الشراكة" إلى الانفراد بالسلطة

نتج عن التجارب الانتخابية الأربع التي خاضها العراق في فترة ما بعد 2003، تكريسٌ لعملية سياسية تُسيَّر بـ"الأزمات". ويشهد العراق اليوم تجاوز صيغة "شراكة/ محاصصة" لتمثيل الجسم الشيعي داخل إطار الدولة، إلى حصر السلطة لدى الفصيل الأكثر تمثيلاً نيابياً، أي تكريس الانتقال من التمثيل الواسع إلى التمثيل المحدود، مع الحفاظ على البنية الصلبة لنظام "ثيو-كليبتوقراطي".
2021-11-18

صفاء خلف

صحافي استقصائي، وباحث من العراق


شارك
التيار الصدري يتصدر نتائج الانتخابات

أفرزت تجربة الانتخابات التشريعية العراقية في 2018، تفككَ القوى الشيعية التقليدية الممسكة بالسلطة، وتراجعَ فرضية "الانسجام الطائفي"، وأظهرت هشاشةَ التماسك الشيعي أمام طموحات الانفراد والإزاحة والاستحواذ على الثروة العامة بظل التسلح والعسكرة.

سعت كل واحدة من المجموعات الشيعية في اقتراع 2018، إلى حيازة كتل تصويتية أعلى لنفسها، مما يهدم البُنية القديمة لتقاسم السلطة على أساس "شراكة/ محاصصة" تمثيل الجسم الشيعي داخل إطار الدولة، والذهاب إلى صيغة جديدة ترتكز على حصر السلطة لدى الفصيل الأكثر تمثيلاً نيابياً، بمعنى الانتقال من التمثيل الواسع، إلى التمثيل المحدود، مع الحفاظ على البنية الصلبة لنظام "ثيو-كلبتوقراطي" يتشارك فيه الجميع في دعم السلطة المُحافظة عبر التشارك في إدارة الفساد.

تنافس مُلّاك السلاح

التنافس بين مُلّاك السلاح الشيعي، بالذهاب إلى مغامرة الانفراد والإزاحة، كادت تودي إلى صدام مُسلح حينذاك، لاسيما بين التيار الصدري، و"تحالف الفتح" الممثل لجماعات "الحشد" المدعومة إيرانياً، وأبرزها "عصائب أهل الحق". لكن التدخلات الخارجية ابتكرت وصفة "شراكة – محاصصة" مشوهة على نحو متداخل ومعقد وهش في الآن نفسه مع المكوّنين الكردي والسُني، من أجل "ضبضبة" نظام متفكك يحاول إيقاف تمدد جماعة متطرفة، مسلحة، وتمددها خارج الدولة.

فتمكين فصائل شيعية تحرس النظام السياسي وتكون رديفاً للدولة، عَنَى للصدريين أيضاً تقويضاً لاعتبارهم "القوة المسلحة الوحيدة الأقوى"، وتكسيراً لانفرادهم بـ"حق حماية الطائفة"، ومحواً "لمقاومتهم الاحتلال"، إزاء صعود قدرات منشقين عنهم، واكتسابهم شعبيةً انفعالية مُسوّغة طائفياً نظراً لقتالهم في سوريا، حيث قفز تمثيل العصائبيين - مثلاً - إلى 15 مقعداً في برلمان 2018، بعدما كان مقعداً واحداً في نسخة المجلس النيابي السابقة.

الوصفة التوافقية لتشكيل سلطة ما بعد 2018، كانت تعويماً للديمقراطية، وصورةً للتفكك وتدميراً ممنهجاً لـ"الحرية السياسية" وحق الاختيار عبر التصويت، بظل فوضى الاستقطاب الطائفي، ونزوح العقل السياسي نحو تأييد السلاح الضامن للاستقرار المرحلي الهش. تلك الوصفة قوّضت ما تبقى من الثقة بإمكانية إصلاح النظام وتطهيره، وقادت إلى تعزيز حالة الفصام بين السلطة والشارع، المتحفّز إلى إعلان تمرده عبر هبة احتجاجية نادرة وفريدة (2019 - 2020) كادت تنجح – ربما - بفرض ولادة نظام جديد، لولا الخرق الذي حققه الصدريون في صفوف الحركة الاحتجاجية.

تشرين: هراوة لإزاحة المنافسين

قوضت "احتجاجات تشرين" مسعى الجماعات الشيعية الحشدية، بتسويق مشروع قتال "الدولة الإسلامية" باعتباره بديلاً عن النظام المترنح عبر الانفراد بالسلطة، فسقطت حكومة عبد المهدي المسماة من تلك الجماعات بعدما أظهر الاحتجاج مدى تراجع شعبيتها. لكن الصدريين لعبوا أدواراً متناقضة لحماية النظام المهترئ، بدءاً من مشروع "الإصلاح" والتحالف مع الشيوعيين، ومن ثم الانخراط في الحركة التشرينية، ودعمها، انتهاءً بالانقلاب عليها، والعودة إلى ضفاف المشروع الانعزالي بتأسيس "سلطة صدرية".

حالة الانقسام والتشظي في العراق، هي السمة البارزة التي تنبثق منها التناقضات المتممة لعجز النظام النظام السياسي. فكل جماعة تشكل لنفسها خطاباً فئوياً تتحرك به داخل حقل منعزل عن الآخر. فحتى "احتجاجات تشرين" هي لحظة انفجار شعبي انفعالية هائلة أيضاً، لكنها لم تثمر سوى تسليط طاقتها على الاشتباك المضني مع حزمة القوى المكونة للنظام، دون أن تتجاوزها إلى بلورة بديل يُسقط تلك القوى بما يمهد لنشوء ديمقراطية أكثر انفتاحاً من النسخة الانغلاقية الراكدة.

ما يُستخلص هو أن 18 عاماً مضت مدعيةً "تثبيت الديمقراطية" - المحروسة بالسلاح والفساد والتجارب الانتخابية غير المعبرة عن الإرادة العمومية - كانت مجرد استثمار مربح لتطوير أدوات البقاء داخل السلطة، وقياس القدرة على إزاحة المنافسين، وتنمية القدرات المستقبلية على تحطيم القوى لبعضها البعض، وصولاً إلى لحظة الانفراد بالسلطة، وإعادة تكوين نظام قامع جديد محروس ربما بقداسة شعبوية.

بدا الصدريون الأقدر على استغلال النقمة الشعبية المتنامية، لامتلاكهم أداة مناورة مرنة تتمثل بمقتدى الصدر، ومحاولاته فصل نفسه عن التيار سياسياً باعتباره "مصلحاً وفقيهاً شعبياً"، ما منحهم القدرة على تعزيز النفوذ داخل النظام، ودعم الاحتجاج في الآن نفسه. ومع تنامي الحركة الاحتجاجية التي ووجِهت بالقتل المعلن والقمع الوحشي، برع الصدريون عبر خطيّن: الأول: حماية النظام وابتزازه من الداخل مقابل حيازة مكاسب أكبر ومساحة نفوذ أوسع. والثاني: استمرار الصدر في النأي بنفسه بعيداً عن النظام والمطالبة بـ"الإصلاح" وتبني مطالب المحتجين، ليحجز لتياره موطئاً في مرحلة ما بعد النظام.

وعلى الرغم من أن إسقاط حكومة الحشديين (كابينة عبد المهدي)، مثّل بارقة أمل لقوى الاحتجاج ورافضي النسخة المُعتلّة للنظام السياسي، إلا أن البديل لم يكن أكثر نجاحاً، وبرهن على قوة الصدريين بحماية النظام، وقبض الثمن بتشكيل حكومة مصطفى الكاظمي المؤقتة، وإحكام السيطرة على بقية مفاصل الدولة تمهيداً لحصد مخرجات "احتجاجات تشرين" عبر اقتراع مبكر جاءت نتائجه مطابقةً للسعي الصدري إلى هيمنة نيابية تتيح للتيار تشكيل حكومة تعبّد الطريق للبقاء طويلاً في السلطة.

صعود الصدريين أعاد إنتاج "تشرين" كهراوة شعبية حطموا بها طموحات منافسيهم من شيعة السلاح الحشديين، أو من الليبراليين الوسطيين كمجموعتي حيدر العبادي وعمار الحكيم. أما قوى تمثيل الحركة التشرينية هي الأخرى فلم تتمتع بثقة أو شعبية.

لعب الصدريون أدواراً متناقضة لحماية النظام المهترئ، بدءاً من مشروع "الإصلاح" والتحالف مع الشيوعيين، ومن ثم الانخراط في الحركة التشرينية، ودعمها، انتهاءً بالانقلاب عليها، والعودة إلى ضفاف المشروع الانعزالي بتأسيس "سلطة صدرية".

يمتلك الصدريون أداة مناورة مرنة تتمثل بمقتدى الصدر، ومحاولاته فصل نفسه عن التيار سياسياً باعتباره "مصلحاً وفقيهاً شعبياً"، ما يمنحهم القدرة على تعزيز النفوذ داخل النظام، ودعم الاحتجاج في الآن نفسه. 

الصدريون خططوا منذ البداية، عبر إقرار قانون الدوائر المتعددة الصغيرة، لسحق منافسيهم وحلفائهم معاً، فيما حثوا عبر لجانهم الإلكترونية والميدانية غير المعلنة على مقاطعة الانتخابات، وخصوصاً في الدوائر التي ينشط فيها منافسون حشديون أو تشرينيون، وتقليل زخم كتلة التصويت غير المتوقعة لصالحهم، والدفع بالكتلة الصدرية التصويتية إلى المشاركة على نحو مؤثر، وهو ما يمكن تسميته بتكتيك "المقاطعة العامة والتحشيد الذاتي"، وهو التكتيك الذي اتبعه "ائتلاف دولة القانون" أيضاً، ليكون ثاني أكبر كتلة شيعية بعد الصدريين، مستفيداً من خسارة الحشديين، واستثمار الزبائنية التي تغذيها الشبكة العائلية لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي. سُنياً أيضاً تبنّى "تحالف تقدم" (جماعة محمد الحلّبوسي)، وكردياً "الحزب الديمقراطي الكردستاني" (جماعة بارزاني)، التكتيكَ ذاته في دوائرهم الانتخابية.

وإزاء تشرذم القوى الشيعية، تحطمت قدرة الإسلام السياسي السُني أيضاً، مع تقادم الحزب الإسلامي وشيخوخته، وصعود الجماعات الاستثمارية السُنية المتوطنة بقلب فساد الشيعية السياسية. وهو ما يمثله صعود تياري محمد الحلبوسي وخميس الخنجر.

مخاوف الصعود الثأري

تكمن خطورة الصدريين في أنهم تنظيم عقائدي انعزالي شعبوي مسلح، لا يؤمن بالشراكة إلا بحدود الحفاظ على توازن صوري لنظام يتجه يوماً بعد آخر نحو نشوء ديكتاتورية مقدسة، وبالتالي فإن مخاوف حمَلة السلاح بعد خسارتهم المدوية، وجماعات تشرين بحيازتهم 12 مقعداً متوزعة بين جماعة حراك الناصرية ("امتداد") وجماعة حراك العتبة العباسية ("إشراقة كانون")، تبدو أكثر نعومةً من شراسة تيار الصدر، وهو يكتسح المشهد نحو "ولاية فقيه" بصيغة عراقية.

صُدمت القوى الحشدية بأن شعبيتها كانت وهماً، لذا حاولت إنكار النتائج والتشكيك بها، والذهاب إلى تسويق نظرية التزوير الإلكتروني عبر الوسط الناقل للنتائج بمعونة دولة خليجية، كمسعًى تصعيدي قد يفضي إلى اكتساب مقاعد أعلى. 

غير أن اعتراف مجلس الأمن الدولي بصحة إجراءات مفوضية الانتخابات، أوقع الكتل الخاسرة والمؤتلفة بـ"الإطار التنسيقي الشيعي" بحرج مواجهة قوًى دولية تدعم الصعود الصدري وتعزز مصداقية النتائج، فضلاً عن الضغط الإيراني على الفصائل بضرورة القبول بحصصها النيابية المتواضعة، واللجوء إلى حوار شيعي – شيعي قد يُقنع الصدريين بتشكيل حكومة شراكة جديدة. 

يتألف "الإطار التنسيقي الشيعي" الرافض لنتائج الانتخابات، من ست قوًى شيعية: "تحالف الفتح – الحشديين" وأبرزهم منظمة بدر وعصائب أهل الحق، ثم "ائتلاف دولة القانون" – جماعة نوري المالكي، و"تحالف قوى الدولة" – تياري حيدر العبادي وعمّار الحكيم، وهناك "حركة عطاء" – جماعة رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، و"حركة حقوق" التابعة لكتائب حزب الله، و"حزب الفضيلة" – الجماعة السياسية للمرجع محمد اليعقوبي، وهي تسعى لكبح تشكيل حكومة صدرية منفردة عبر عقلانية الحوار، وترتيب المشهد برعاية إقليمية – دولية... باستثناء "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" اللذين يدفعان نحو تصعيد عنفي قد يفضي إلى حكومة حصص متساوية.

صُدمت القوى الحشدية بأن شعبيتها كانت وهماً، لذا حاولت إنكار النتائج والتشكيك بها، والذهاب إلى تسويق نظرية التزوير الإلكتروني عبر الوسط الناقل للنتائج بمعونة دولة خليجية، كمسعًى تصعيدي قد يفضي إلى اكتساب مقاعد أعلى.

مخاوف القوى الحشدية ومنهم العصائبيون، تتأتى من جملة الإعلانات والنوايا التي أطلقها مقتدى الصدر، والتي تمثّل قلب البرنامج الحكومي للكابينة الصدرية، بضرورة تفكيك ألوية وفصائل الحشد الشعبي، ودمج "المنضبطة" منها بالجهاز الأمني المؤسسي الرسمي، على شاكلة اندماج الفصائل المسلحة للعتبات الشيعية بوزارة الدفاع، وهو ما يرى فيه الحشديون تهديداً وجودياً لمشروعهم، وإضعافاً لـ"محور المقاومة"، ومقدمة لتصفية القوة العقائدية التي تحاول التحول إلى "حرس ثوري"، ما يعني تصفيةً للنفوذ الإيراني في العراق، مقابل تعزيز القوة الأميركية، ويقولون ظاهرياً أن هدف ذلك هو جرّ بغداد لتبنّي "الاتفاقات الإبراهيمية" والتطبيع. أما باطنياً، فتتأتى خشيتهم من قدرة الصدريين على سحقهم، كحكومة توظّف "سرايا السلام" والقوات الرسمية بغطاء دولي، وذلك بأية مواجهة مسلحة مقبلة بوصفهم منفلتين وخارجين على الدولة.

العنف كأداة لخفض التوتر

غالباً ما يلجأ الفاعلون السياسيون في العراق إلى توظيف العنف كرسائل بليغة لرفع سقف الحوار والابتزاز وحيازة مكاسب. فحتى الجماعات السياسية غير المُشغّلة لمسلحين تتحالف مع جماعات عنفيّة، فيما القوى السلمية غالباً ما تكون على الهامش، وتفشل في منافسة قوى البنادق والمُسيّرات، ولا تحظى حتى باحترام الشارع المشدود إلى القادرين على اختراق المؤسسات وتوطين الفساد وتوسعة الزبائنية وفرص التوظيف.

اعتادت القوى الشيعية تبادل رسائل العنف كواحدة من الممارسات الانتخابية، للوصول إلى تسويات تضمن الامتيازات، وتمنع الملاحقة، وتكبح الطموحات التي تهدد التوازن المحسوب بدقة استثمار موارد الدولة لصالح تغذية تلك القوى. رسائل العنف غالباً ما تنجح بخفض التوتر بين المتعاركين، وتفضي بهم إلى الحوار القائم على الاتفاقات البينية السرية وتقاسم السلطة. فالعنف الموضعي وحده من يمنع الطامحين إلى "المحاصصة" من الانزلاق إلى عنف أكبر. ناتج انتخابات 2018 كان انقساماً عززه صعود قوى السلاح الشيعي إلى الندوة النيابية لأول مرة، فأجج ذاك الصعود رفض الصدريين، ما فتح ردود العنف.

الإعلانات التي تمثّل قلب البرنامج الحكومي الصدري، تقول بضرورة تفكيك ألوية وفصائل الحشد الشعبي، ودمج "المنضبطة" منها بالجهاز الأمني الرسمي. يرى الحشديون في ذلك تهديداً وجودياً لمشروعهم وتصفيةً للنفوذ الإيراني في العراق. ويقولون أن هدفه هو جرّ بغداد لتبنّي "الاتفاقات الإبراهيمية" والتطبيع. أما فعلياً، فتتأتى خشيتهم من قدرة الصدريين على سحقهم بأية مواجهة مسلحة مقبلة، بوصفهم خارجين على الدولة.

وما بيّن التجربة السابقة والحالية يتكرر المشهد. ففي العاشر من تموز/ يوليو 2018، أقدم مسلحون على حرق العشرات من صناديق الاقتراع. حاول مقتدى الصدر تبرئة نفسه وتياره، فيما التحقيقات الرسمية دلّت على مسؤوليتهم. وحينها تحرك مقتدى الصدر كـ"مانح بركة" لتشكيل "حكومة صدرية أبوية"، فردّت قوة شيعية منافسة له بتفجير دموي لمخزن سلاح في قلب المدينة الصدرية شرق العاصمة خلّف 18 قتيلاً وعشرات الجرحى، وأذاب شريطاً طويلاً من منازل عائلات فقيرة. بالمحصلة، أفضى العنف الموضعي المتبادل إلى ولادة حكومة شراكة هجينة هيّمن عليها الحشديون، وأسقطها الصدريون كواحدة من مخرجات "تشرين" فيما بعد.

وعلى الرغم من تبدل المسرح الانتخابي في تجربة 2021، إلا أن البئر المالحة للإزاحة والاستئثار ظلت تنضح بالممارسات العُنفية ذاتها. فعلى سبيل الاعتراض على الحصيلة الانتخابية، أطلقت "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" مجاميعهما لحصار "المنطقة الخضراء"، وشحنت الأجواء بضرورة اقتحامها للانتقام من الخسارة، بالتزامن مع بدء مقتدى الصدر سلسلة لقاءات نادرة مع قوًى وأحزاب في العاصمة تمهيداً لتشكيل حكومته، فأسفر التصعيد عن قتيلين عصائبيين، وانسحاب الصدر من بغداد معلناً فشل مفاوضاته. بالمقابل ردّت جهة غير معلومة بقصف دار ضيافة لمجلس الوزراء يديرها جهاز المخابرات بطائرة مُسيّرة، واعتُبر الهجوم محاولةً لـ"اغتيال" رئيس الحكومة الكاظمي. فانخفض التصعيد باتجاه الذهاب إلى ابتكار صيغة متوقعة جديدة من الشراكة الهجينة.

الرسائل التحذيرية العنيفة المتبادلة ليست صدفةً أو تنفيساً عن غضب، فالصراع على السلطة داخل الشيعية السياسية يمكن أن يذهب إلى أبعد من حرائق وهجمات صاروخية واغتيالات، لضمان البقاء في السلطة،‬ والاستمرار بعملية سياسية أشبه بإدارة مزرعة إقطاعية، لدى مُلاكها خالص النية بإحراقها إن مُسّت مصالحهم العتيدة.

تحولات الشيعية السياسية

نتج عن التجارب الانتخابية الأربع التي خاضها العراق، تكريسٌ لعملية سياسية تُسيَّر بـ"الأزمات"، أما تداول السلطة فقد ظل شكلاً من أشكال تدوير الحصص داخل تلك السلطة.

تمايزت النسختان الانتخابيتان التأسيسيتان (2005- 2006)، في أنهما عقدتا بضغط أميركي مباشر لإسناد مرحلة الانتقال من حقبة ما قبل الغزو العسكري المُبرَّر بفتح المنطقة على الديمقراطية. بينما كانت النسخة الثالثة (2010) انعكاساً للاستئثار بالسلطة بظل الغليان الطائفي والانقسام المذهبي، استعملت فيها أدوات كارثية لتكريس السلطة لدى مكون بعينه عبر تكسير مبدأ "التداول السلمي"، حين حرمت اللائحة الأكثر أصواتاً - لائحة إياد علاوي – من تشكيل الحكومة. وقد ترسخ فيها حكم فردي لـ"المالكي" على مدى ثماني سنين، مورست فيها حيلٌ واتفاقاتٌ بينية تسببت بكوارث أمنية وسياسية، أبرزها الغضب السُني على السلطة المركزية، ونتيجته سقوط الموصل وخمس محافظات، فضلاً عن الانفصالية الكردية التي استغلت مخيال العقل الإقصائي للمالكي والإسلاميين الشيعة.

خرج من انتخابات 2018 بأن العملية السياسية لم تؤسس إطاراً واضحاً للقوى المتصارعة على السلطة، ولم تحقق شرطها الموضوعي بتخليق كيانات حزبية على نحو يضمن الاستقرار، بل شرعنت لفصائل مسلحة باطشة أن تكون جزءاً راسخاً من شراكة السلطة. لذا خسرت القوى التقليدية مقاعدها لصالح المسلحين، وباتت اللوائح والقوى التقليدية التي كانت تنجذب لبعضها انتخابياً بمستوًى متدنٍ من الشعبية ومنقسة على نفسها، مما أفقدها زخم التماسك الطائفي الذي تعكّزت عليه في التجارب الأسبق. ويمكن إجمال المراحل الأساسية بأربعٍ:

• المرحلة الأولى - تعزيز واستثمار المظلومية (2003 - 2006): ما بعد العودة من المنفى ومنح الشرعية لاحتلال متعدد الجنسيات، وترسيخ مبدأ التحاصص الطائفي والعرقي في إدارة الدولة.

• المرحلة الثانية - التطهير والتمكين (2006 - 2014): تمكنت فيها الشيعية السياسية من تسلم السلطة بشراكة سُنية قلقة وكردية انعزالية، وسط انقسامات دموية وتفعيل لاجتثاث البعث، وتطهير وتكسير لأية قوًى يمكنها إضعاف السطوة الشيعية، بما في ذلك التيار غير الفئوي لرئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي (2010)، وصولاً إلى لحظة تحطيم المعارضة السلمية السُنية (2013) التي أفضت إلى التمرد المسلح، واختلاق تنظيم "الدولة الإسلامية"، وقيام السلاح الشيعي متعدد الولاءات قبالته (2014).

• المرحلة الثالثة – التسلح وإعادة التموضع (2014 - 2018): تموضعت فيها الشيعية السياسية على ثلاث صور: مُسلحة (الحشد وواجهاته السياسية)، ليبرالية وسطية مثلتها قوى غازلت حالة الرفض الشعبي للنظام بتبني مقولات مؤسسية الدولة وحصر السلاح والذهاب إلى شراكة لا محاصصة، فيما الصورة الثالثة هي حالة الانفراد الشيعي المتمثلة بتيار مقتدى الصدر.

• المرحلة الرابعة – الإزاحة والمواجهة (2019 - 2021): واجهت فيها الشيعية السياسية الرفض الجمعي لسلطة الحكم، واشتداد الاحتجاجات القطاعية وصولاً إلى اندلاع الانتفاضة العامة (تشرين)، واستثمار الصدريين للهبة الشعبية بإزاحة الحشديين عبر تفكيك حكومتهم، وإقرار قانون الدوائر المتعددة، وصولاً إلى تحطيم القاعدة التصويتية للمنافسين، وهو ما يمهد إلى تنظيف المسرح لتمكين جماعة سياسية واحدة من تمثيل الشيعية السياسية مستقبلاً.

ما يُستخلص من تشريح المراحل الأربع والنتيجة التي آلت إليها انتخابات 2021، أن 18 عاماً مضت مدعيةً "تثبيت الديمقراطية" - المحروسة بالسلاح والفساد والتجارب الانتخابية غير المعبرة عن الإرادة العمومية - كانت مجرد استثمار مربح لتطوير أدوات البقاء داخل السلطة، وقياس القدرة على إزاحة المنافسين، وتنمية القدرات المستقبلية على تحطيم القوى لبعضها البعض، وصولاً إلى لحظة الانفراد بالسلطة، وإعادة تكوين نظام قامع جديد محروس ربما بقداسة شعبوية.

التفاؤل المفرط بأن حكومةً أحادية الطيف قد تُنقذ العراق من حكومات المحاصصة والهشاشة السياسية، مجرد إدعاء لبسط النفوذ. فالوضع بات مهيئاً أكثر من أي وقت مضى لتفجّر مشكلات اجتماعية – اقتصادية لن يستطيع أي سلاح إخمادها. 

 لكن ثمة تحديات مرعبة تواجه العراق تجعل من التنافس السياسي والسلاح الفصائلي والعشائري بلا قيمة، إزاء تغير مغذّيات الاقتصاد مع التراجع المرتقب للنفط في السنوات العشر المقبلة، فضلاً عن أزمة المياه الضاربة، مع نمو سكاني متسارع وفشل الخدمات، واستمرار سياسة الاقتراض المدمرة لتمويل الموازنة العامة العاجزة عن تغطية نفقات الدولة، وما يُستنزف منها عبر الفساد وتنامي الاعتماد على الاستهلاك عبر المستوردات الخارجية... لذا فإن التفاؤل المفرط بأن حكومةً أحادية الطيف قد تنقذ العراق من حكومات المحاصصة والهشاشة السياسية، مجرد إدعاء لبسط النفوذ، فالوضع بات مهيئاً أكثر من أي وقت مضى لتفجّر مشكلات اجتماعية – اقتصادية لن يستطيع أي سلاح إخمادها.  

مقالات من العراق

انتفاضة العراق 2019 والخيال النسوي

2021-11-08

ينشر "السفير العربي" سلسلة نصوص عن "2011"، الحدث المزلزل في منطقتنا، انتجها المعهد الدوليTNI بدعم من مؤسسة روزا لوكسمبورغ مكتب شمال افريقيا. ننشر النصوص من دون أي تدخل من قبلنا...

حرب الرموز في انتفاضة تشرين العراقية

علي فائز 2021-11-01

صارت مفردة "ذيل"، التي تعني "ذَنَب" الحيوان، تُستخدم دلالياً للوصم بتبعية شخص أو كيان لسواه الأكثر نفوذاً، أو لجهة سواء كانت في داخل بلاده أو خارجها. وقد أعيد إحياء المفردة...

للكاتب نفسه