القاهرة... القهر والمهرجانات والكباري

ما العلاقة بين ظواهر تبدو منفصلة؟ القهر الذي يرزح تحته الناس في نظام استبدادي، وابتذال ما يعتبر فنّاً جماهيرياً، والاعتداء على الحيز المكاني للعيش والتنقل. ها هي القاهرة في السنوات الأخيرة تجسّد تلك العلاقة..
2021-10-21

عبد الرحمن عادل

صحافي من مصر


شارك
ملصق لإحدى حفلات المهرجانات

هناك علاقةً وطيدة، قائمةٌ على التأثير المتبادل، بين القهر الذي يخضع له الإنسان في ظل الاستبداد وتدهور اللسان والعمران. وكمثال على تدهور اللسان في مصر، نشير إلى ظهور نمط "المهرجانات الشعبية" في الغناء والإقبال الجماهيري الضخم عليها. ونتخذ كمثال على تدهور العمران، ظاهرةَ الكباري التي تعتمدها السلطة القائمة كمحور ارتكاز في سياستها التنموية والتطويرية في التعمير والبناء.

الاستبداد يولّد حالةً من القهر الدائم... قهرٌ في الشارع وقهرٌ في المعاملات وقهر في العمل، وقهر حتى داخل الأسرة نفسها. ويرافق ذلك حالةً من الخوف الدائم، لأن العالم المحيط به لا يتيح المجابهة أو التمرد، ويدفع إلى الرضوخ والتبعية. يبدو الحزن المتولد عن القهر بأوضح صوره في الأغاني الشعبية السائدة اليوم في مصر، ومن اللافت ندرة الأغاني الفرحة المتفائلة.

المهرجانات

انتشرت "المهرجانات" في مصر في العقدين الأخيرين. والمهرجان ليس أغنيةً شعبية، كما يؤكد المغنّين الشعبيين أنفسهم (1)، فهو على حد قولهم "كلامٌ من على الرصيف مع موسيقى صاخبة لتحريك الناس وترقيصهم". ومن السمات المشتركة التي تكاد تجمعها كلها، نذكر:

- جُملٌ وعبارات ليس بينها أيُّ ترابط ولا تفيد أيَّ معنًى، وإنما كلمات مع موسيقى صاخبة، يُخرجها المغني من فمه..

- حالةٌ من الخصومة والحرب مع أعداءَ متخيلين، والشكوى من "الغدر" و"الخيانة" و"التشكيك"، في الأغاني وفي نظرة المغنّين لأنفسهم، بغض النظر عما إذا كان هذا حقيقياً..

- خيانة الحبيبة، وعدم استحقاقها للحب والوقت الذي أعطي لها، ومن ثم إظهار عدم الاكتراث بها والشماتة في رغبتها بالعودة إليه مرة أخرى.

- يؤكد المغني في المهرجان (والذي قد يكون الأول له) أنه وصل إلى قمة النجاح، فهو سيد مجاله وكبيره، والآخرون مستجْدون فيه أو تلاميذ أو أبناء ( وهي حالةٌ من تضخم الذات والأنا والإفراط في التعبير عن نجاح مُتوهَّمٍ). ويصاحب هذا استعراضٌ لوضع الغنى المالي الذي حققه المغني، كالاحتفاء بسياراته الجديدة أو فيلته الفارهة...

- هناك إشادةٌ دائمة واحتفاء بالمخدرات والحشيش والخمور...

أحدثت "المهرجانات" شكلاً جديداً من أشكال الترقّي الاجتماعي والطبقي، أو بتعبير المصريين "الوصول". فأغلب مغنيّ المهرجانات حققوا ثراءً مادياً سريعاً، بل وصدَّر بعضهم نفسه كنموذج للنجاح والصعود، لينظر الشباب إلى قصته، ويحاولوا تقليدها، الأمر الذي يدفع بالكثير منهم إلى السعي للدخول إلى هذا المجال.  وعلى مستوى الإعلام والمؤسسات الإعلامية والقنوات التلفزيونية (والتي تتحكم بها السلطة تماماً)، نجد احتفاءً بهذا "الفن" الجديد الصاعد بقوة. فقد فُتحت القنوات والبرامج والحفلات العامة (كحفلة عيد الحب في إستاد القاهرة) لاستقبالهم وعرضهم للجمهور، وصاروا مادةً إعلامية متكررة.

الكباري أو الجسور

المقاربة الدولتية في مصر للبناء والتعمير – والتي يكاد أن يتحكم فيها الجيش الآن بالكامل - تتجاهلُ المعطيات الثقافية المرتبطة بنسيج الأعراف والتقاليد، وتتجاهل خصوصيات الإنسان، وتغضُّ الطرف عن التوازن والانسجام الحيويين، وتتغافل في إيمانها الصلب بالحسابات والمقاييس والمعطيات الرقمية عن قيمة "الحياة الإنسانية" و"الخبرات الاجتماعية" وطبيعة العلاقات التاريخية وتعقدها، وتتناسى أن العمران هو في النهاية لتلبية حاجات الإنسان المادية والنفسية، الفردية والجماعية.

مقالات ذات صلة

بنى السيسي منذ توليه الحكم قرابة 600 كوبري، و21 محوراً جديداً (2)، بل مثّلت الكباري والمحاور والطرق الجديدة مرتكزَ "النهضة العمرانية" والتحديث والتطوير الذي يُجريه السيسي منذ 2013. وبغض النظر عن الجانب المادي النفعي البحت لهذه الكباري (لتسهيل المواصلات والتنقل كما يُعلن عنها)، نلحظ هنا الجانب الإنساني والعمراني الذي يعكس وضع الإنسان ونظرة السلطة له في هذا التطوير المزعوم. فقد اخترقت الكباري الأحياء والشوارع، بل والمباني السكنية، كما حدث في محور "الملك سلمان" بالجيزة الذي اخترق المباني السكنية مشيّداً حائطاً، سدّ واجهة الطوابق السفلية في هذه المباني، ووقع تجريف للمناطق الأثرية في مصر الجديدة لبناء كوبري جديد، أو إزالة مشاتلَ وأشجارٍ يزيد عمرها عن 100 عام، وبعض المنازل المرخصة بالمعادي لإنشاء "محور الجزائر". وهذه أمثلة قليلة من حالات كثيرة جداً سادت مصر في السنوات الثمانية الأخيرة.

أحدثت "المهرجانات" شكلاً جديداً من أشكال الترقّي الاجتماعي والطبقي، أو بتعبير المصريين "الوصول". فأغلب مغنيّ المهرجانات حققوا ثراءً مادياً سريعاً، بل وصدَّر بعضهم نفسه كنموذج للنجاح والصعود، لينظر الشباب إلى قصته، ويحاولوا تقليدها، الأمر الذي يدفع بالكثير منهم إلى السعي للدخول إلى هذا المجال.

هناك احتفاءٌ بهذا "الفن" الجديد الصاعد بقوة، على مستوى الإعلام والمؤسسات الإعلامية والقنوات التلفزيونية (والتي تتحكم بها السلطة تماماً). فقد فُتحت القنوات والبرامج والحفلات العامة (كحفلة عيد الحب في إستاد القاهرة) لاستقبالهم وعرضهم للجمهور، وصاروا مادةً إعلامية متكررة. 

ومن حيث الأثر على الإنسان، يرتبط بالبناء هدمٌ من جانب آخر (خرجت قرارات حكومية بإزالة أكثر من ألف بيت/ مبنًى سكني لأجل عمليات توسيع أو بناء)، وكذا يرتبط به نوع من أنواع إعادة التوزيع والتموضع الديموغرافي. فالمخطط العام لبناء كوبري جديد، أو محور يحمل الأهمية ذاتها التي يحملها خط الحدود. فبإمكانه الضمّ والإقصاء، التوحيد أو التقسيم، وخلق الشعور بالانتماء أو الشعور بالغربة. كما يرتبط بهذه العملية أيضاً، فرضُ أعباء مالية جديدة، تُعيد توسيع الهوّة بين الفقراء والأثرياء، وذلك من حيث القدرة على تحمل الأعباء المالية الناتجة عن استخدام هذه المحاور أو الكباري ( سواءً في الرسوم والبطاقات، أو في غرامات المخالفات).

ومع الإقرار بأن هناك جانباً إيجابياً في عملية البناء والتطوير التي تقودها السلطة المصرية، ولكن ذلك لا يلغي الانتباه إلى الإهمال، وعد الاكتراث بالجانب الإنساني الذي يخص هذا الإعمار والتعمير، والضرر اللاحق بالناس. فالكباري التي تقطع الشوارع والأحياء السكنية، تقطع معها حق الإنسان في الارتباط والذاكرة والعلاقات والتعامل مع الشارع باعتباره مجالاً للتفاعل الإنساني النشط. والكوبري القاطع لمنطقة معينة أو حي معين، يغيّر ويشوه شكله فارضاً على سكانه إعادة ترتيب حياتهم وعلاقاتهم وفقاً للشكل الجديد.

يرتبط بالبناء هدمٌ من جانب آخر (صدرت قرارات حكومية بإزالة أكثر من ألف بيت/ مبنًى سكني لأجل عمليات توسيع أو بناء)، وكذا يرتبط به نوع من أنواع إعادة التوزيع والتموضع الديموغرافي. فالمخطط العام لبناء كوبري جديد أو محور يحمل الأهمية ذاتها التي يحملها خط الحدود. فبإمكانه الضمّ والإقصاء، التوحيد أو التقسيم، وخلق الشعور بالانتماء أو بالغربة.

وكما هي العادة في المشاريع العمرانية الكبرى أينما كان، وبالأخص منها ما يتعلق بشق الطرقات والهدم والبناء، فالمستفيد الأول من هذه المحاور والكباري الجديدة، هي السلطة بالأساس، وذلك بما تسهله لها من إحكام قبضتها على المناطق السكنية، التي مثلت منذ 10 سنوات على الأقل، منابعَ للتدفقات البشرية التي شاركت في الثورة، كما تسهل أيضاً على القوات الأمنية، عمليات الانتشار وغلق المداخل والمخارج للمناطق الحيوية والميادين والمؤسسات الهامة، كما تمثّل مصدر دخل جديد، بما تفرضه من رسوم ومخالفات.

... وعليه فإنه يمكن القول، إن أي تنمية لا تبدأ بالإنسان نفسه وتفضل عليه الحجر، لا يمكن أن تحقق نهضةً، ولا الأمل المنشود من التحديث والتطوير والإصلاح. 

______________

1) انظر لقاء محمود الليثي مع عمرو الليثي في برنامج "واحد من الناس" حلقة رأس السنة، 1/1/2021. وانظر لقاء محمود الحسيني مع ياسمين الخطيب في برنامج "ونقول كمان"، حلقة 6/7/2021.
2) نشوة حميدة "أهم إنجازات الطرق خلال 6 سنوات من حكم السياسي"، أخبار اليوم، 9 حزيران/ يونيو 2020.

مقالات من مصر

الأوقاف المصرية في قبضة السلطة..

رباب عزام 2021-11-20

أقر مشروع قانون إنشاء "صندوق الوقف الخيري" بوزارة الأوقاف، الذي يتبع رئاسة الوزراء مباشرة وله شخصية اعتبارية. البند الثاني من القانون، الخاص بدعم أجهزة الدولة، مطاط إلى حد كبير، ما...