حتى لا ننقّ كالدجاج

يمر العالم بلحظة انقلاب تام في كل ما عهده من ترتيبات نظَمتْه بعد الحرب العالمية الثانية، بل في أساليب الإنتاج نفسها، وفي مرتكزات التصور الذي ساد منذ فاتحة ما سُمِّي "العصر الحديث"، بعيد وصول الأوروبيين الى القارة الجديدة، وهو تاريخٌ مفتاحي في سياق البشرية..
2021-10-07

نهلة الشهال

أستاذة وباحثة في علم الاجتماع السياسي، رئيسة تحرير "السفير العربي"


شارك
ضياء العزاوي - العراق

يمكن الاطلال من لبنان على المشهد الذي يُعبّر عما هي السياسة اليوم. فلندع جانباً ادقاع الطبقة السياسية اللبنانية وابتذالها الكاريكاتوري في كل ما تقول وتفعل، وفسادها المرعب وقلة كفاءتها. وهو توصيف صار يتفق عليه جميع اللبنانيين، ولذا فلم يعد من الصعب الدعوة الى تجاهل هؤلاء قليلاً، ولا سيما أنهم بلا وزن فعلي في ما يجري للبلاد.

فما يجري يندرج في سجل آخر. تتفاوض إيران والسعودية على مستوى القمة، وتبشران القوم بأن المحادثات مثمرة، والله اعلم. ولكن ذلك التبريد لا يُترجَم في المستويات الأدنى، فتظل الحرب في اليمن المشتعلة بين اتباعهما - الى جانب لاعبين آخرين أقل أهمية وإن لم يكونوا أقل أذية - تظل مستعرة تحصد الارواح وتدمر البلاد. وتختلط الأوراق في سوريا الى الحد الذي يجعل الراعي الروسي يتولى شخصياً على الارض وميدانياً، عبر ضباطه، مفاوضات تخص زواريب درعا مثلاً، بينما تدور مباحثات في الكواليس حول ما هو أكثر أهمية: النفط والغاز، وإعادة الاعمار، ومكانة تركيا، والمسألة الكردية، والمجموعات الاسلامية، واللاجئين والنازحين الخ.. بما يوحي بانه ما زال أمام هذه البلاد سنوات طويلة من "الاستنقاع".

وأما نصيب لبنان فغريب حقاً. تطالب السعودية اللبنانيين باتخاذ موقف حاسم من سطوة حزب الله، ويقول لها كل اللبنانيين، المحبين لحزب الله والكارهين له، أن ذلك ليس باليد. فتجيب: إذاً، "اصطفلوا"! بينما هي تعلم تماماً أن ذلك ليس باليد فعلاً، وبغض النظر عن الرغبات أو المصالح. بل تنتقل الرياض خطوة الى الأمام طالبة من أعضاء مجلس التعاون الخليجي تبني موقفها هذا حيال لبنان. النتيجة الوحيدة لهذا الموقف هي تصعيب الحياة أمام اللبنانيين، حيث لا تهم عواطفهم ولا الاتجاهات التي تذهب إليها نقمتهم. بل يوجد في هذه الرعونة – التي صارت مألوفة من القيادة السعودية الحالية - ما يسهّل مهمة حزب الله وطهران: البحر من أمامكم.. ولا خيار!

واما الغرابة فهي في صراحة الموقف. عبر عنه بلا لبس وزير خارجية السعودية خلال "المؤتمر الدولي لمساعدة الشعب اللبناني" الذي نظّمته باريس في الرابع من آب/ اغسطس الفائت (في الذكرى السنوية الأولى لانفجار مرفأ بيروت)، والذي انعقد بالاشتراك مع الامانة العامة للامم المتحدة. قال الأمير الوزير إن "إصرار حزب الله على فرض هيمنته سبب رئيس لمشاكل لبنان، ونحن نحث السياسيين اللبنانيين على مواجهة سلوك الحزب"...

بينما تباهت ايران في الفترة نفسها بوجود 6 جيوش خارجية "مؤسّسة" للدفاع عنها بوجه أي اعتداء يطالها. ويذكر القائد في الحرس الثوري الذي تبرع بهذا التصريح، أن سليماني ابلغهم قبيل اغتياله بأن تلك الجيوش التي أسسها تبدأ من الحدود الإيرانية لتصل الى البحر الابيض المتوسط، وأن من بينها الحوثيين وحزب الله والحشد الشعبي العراقي وحماس والجهاد الفلسطينيان، وبالطبع الجبش السوري.. في استصغار مهين لكل هؤلاء، بلداناً وقضايا، أمام مصلحةالامبرطورية المزعومة!

وهكذا تتواجه المواقف "الصريحة"، وهي على ما يظهر موضة العصر عالمياً، حيث قُتلت السياسة والدبلوماسية، بكل ما ارتبط بهما من تدبّر ودهاء، وحلت محلهما الفجاجة ويمكن ملاحظة ذلك لدى اعرق الحكومات في العالم وأكثرها أناقة، كبريطانيا وفرنسا.. فلا بأس!

فهل لأن العالم يمر بلحظة انقلاب تام في كل ما عهده من ترتيبات نظَمتْه بعد الحرب العالمية الثانية، بل في أساليب الإنتاج نفسها، وفي مرتكزات التصور الذي ساد منذ فاتحة ما سُمِّي "العصر الحديث"، بعيد وصول الأوروبيين الى القارة الجديدة، وهو تاريخٌ مفتاحي في سياق البشرية..

مقالات ذات صلة

فلو كان الأمر كذلك ، يصبح لبنان تفصيل متناهي الصغر حقاً! بالأذن من عذابات شعبه..

ولكن، ولربما فوجئ سواه قريباً بأنه هو الآخر يحمل الصفة ذاتها، وأن الأمر كل الأمر أن دوره لم يحن بعد. فسبحان الحي الباقي الذي لا باقٍ سواه!

مقالات من لبنان

قناصة بيروت اليوم

لا لأي نوع من أنواع الحرب الأهلية في لبنان (وفي سواه)، ولا لأي درجة من درجاتها (والمقصود بها المسلحة والدموية، لأن التوترات الأخرى قائمة، و"الله غالب"). الحرب الاهلية لا تحسم...

للكاتب نفسه

أسئلة، ولا شيء سواها

لا، ليس الجواب لفظياً، ولا شعاراتياً، ولا حتى بديهياً، وهو الأهم. لا، لا يكفي التمسك بالمبادئ، على أهميته. بل لا يكفي وجود قناعات مُحرِّكة للفعل، طالما أنه يمكنه أن يكون...

كيف الخروج من استعصاء أوضاعنا؟

الثورة المضادة تجعل من كل تحريك للمستنقع الآسن تهديداً بوقوع العنف الدموي، حتى صار الناس يريدون "الستر" ويتخلون عن أحلامهم بغد افضل وعن أي أمل... فكيف يمكن للتغيير أن يتحقق؟