ليس الطريق مستحيلاً ولكنه صعب، وكل صعب ممكن

عشرات التفاصيل الآسرة خرجت للسطح مع خروجهم من بطن النفق، وأغلبها ترتبط بهذا المكان الذي حفر مكانته في كل قلب بشري عايش، وانغمس في تفاصيل انتفاضة الأقصى في العام 2000، ومخيم جنين. خرجوا منه وعادوا إليه.
2021-09-26

منى سليم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
عائلة الزبيدي أمام منزلهم المهدم في مخيم جنين ويُرى الفتى زكريا في طرف الصورة

"لأن الأمل قوة الضعيف المستعصية على المقاومة،

وفي الأمل ما يكفي من العافية لقطع المسافة الطويلة من اللامكان الواسع إلى المكان الضيق".

محمود درويش.

**

"لا تَسلْ عن سلامتِهْ

روحه فوق راحتِهْ

بدَّلَتْهُ همومُهُ

كفناً من وسادِتهْ".

إبراهيم طوقان

**

"البطولة أن يبقى لديك أمل رغم تاريخ مليء بالهزائم".

مريد برغوثي

**

وهكذا يَفلح "الفلسطيني" الأرض شعراً، فينبثق من قلبها حبرٌ، يحكي عمن جاؤوا مثلنا من التراب، ولكنهم يعودون إليه كما لو كانوا تبراً. لم تقصد أبياتهم ـ وحدهم ـ أهلَ بلدهم لكن كلَّ من آمنوا، ولا تتوقف أرواحهم المرهقة عن المضي، تسري بهم ولو دون دويّ، يشرعون ضلوع الصدر للحق والحلم والأمل، ينزل بهم الألم فيلملمونه قدر ما يعينهم الزمن، ويعودون ليرددوا "مْ الأول" ، ذاك الشعار الأثير، ممسكين في أياديهم ملعقةً للحفر أو سارياً العلم.

كتبوا، فجاء كتابهم مبهراً، طيّعاً لمن أراد تعلُّم الدرس، فما سطروه ليس مجرد صورٍ شاعرية بليغة الحس، ولكنها قراءةٌ منصفة شديدة التحديق بالواقع وإطلاق الفكر، في سيرة أصحاب الاختيارات المصيرية، والتي هي عندهم تلقائيةٌ، تلقائية جداً، مهما بدت لغيرهم رهانات حدية.

هؤلاء إثر اضطرار، علّمتهم الحياة أن لا فائدة من الانزواء والانتظار، فإذا بقيت الروح حيةً، فلا وسيلةَ لمرورها من هذه الغِيّة، إلا بأن تفارق دوامات الوحل مهما عانت الأجساد من وطأة الغمس.

فدقِّق إن أردت النظر، هذه سمات الحياة الاستثنائية الممكنة، الممكنة جداً، دون تعارض مع "عاديّة" البشر، كل البشر. فنحن العاديين قادرون، قادرون جداً إذا قررنا مراهنة القدر.

**

بالأمس، الأمس القريب، عبْر الليل الذي يكاد يقول المارة إنه لا ينجلي، عاد "محمود العارضة" ورفاقه إلى ظلمة قبر على شكل زنزانة، مترين بالطول، ومتر بالعرض بعد أن طافت بطولتهم كل بقاع الأرض، حكى محاميه كيف أنه وزكريا لم يرتشفوا رشفة ماء على مدار تلك الأيام الستة، "ذقتُ فاكهة الصبّار"، يقول العارضة، مدَّ إليها يده حين التقى أشجار "مرج ابن عامر". فعل المغامر، ولم يفكر كثيراً في الأمر.

مقالات ذات صلة

فـكم منّا أدركوا أنهم حين ابتلعوا ريقهم كانت المرارة في حلوقهم هي طعم "الحرية"، كم منا أنضجته التجربة، فخلع عنه الوهم لا الخيال، فلم يعد يراها ضمانةً، بل ضرورة. لم يعد يراها حالةً رومانسية مفارِقة، ولكن حزمة من الاختيارات الواقعية الجسورة، فعل حتمي ملاصق للحياة نفسها، ومثلها يستدعي الصبر والإيمان والصيرورة.

فلا تترددي يا نفسي واحلمي، فما الذي يبقى بين يديك دونها لتندمي.

إنها الحرية وكل جوقة "الحاء" السخية، الحق والحنين والحلم والحقيقة والرحمة والحسرة والمُحال، وكل ما يصبح معه ما نعيشه حياة، لا مجرد أيام، شقيّةٍ كانت أو رضية.

وهؤلاء بيننا اليوم ـ كما أهل فلسطين دوماً ـ ليشرّعوا لنا طاقةً تفضي إلى الجواب، عن كيف تجد مخرجاً رغم كل مسببات اليأس والحكمة.

فما يستقر في نفوسنا رغماً عنا، أنه لا يمكن أن يهتدي العقل لمخرج في ظل ظلمة الاكتئاب، وأن الهروب من مخالبه صعبٌ إنْ لم تَلُح بالخارج ملامحُ باب، لكن ماذا لو لم يأتِ؟

لكنهم فعلوها، خرجوا من السجن للوطن، خرجوا ليعلنوا كيف يمكن أن تملك النفس مصدراً داخلياً للضي ولو جاء شحيحاً، ووردةً تورق داخل الوعي رغم ما ارتفع فوق عشبه من عفن، فتنفتح مع رائحتها الزكية المداركُ التي تخلق المخرج وتشكّله خفيفاً، رويداً رويداً، فيبزغ دون خجل.

وهو يأتي غالباً من الباب الضيّق، بل لعله الأكثر ضيقاً، من حيث لا يتوقع أحدٌ، أو لا يطيق، عبر "فتحة مرحاض" تخلق نفقاً نحو الأمد الطليق، أمد لا ينتهي ـ أبداً ـ وإن عاد الأسرى إلى زنزانة تشبه الكفن.

زمن الاحتلال هو زمن المقاومة

وقد قالت وسائل الإعلام إن الكيان الصهيوني قد جنّد جميع أجهزته الأمنية لمطاردة الفارين، فاعتقلوا في اليوم الرابع يعقوب قادري المسجون منذ 14 عاماً، ومحمود العارضة أقدم المعتقلين الستة الذي أمضى 26 عاماً في السجن، والاثنان محكومان بالسجن مدى الحياة. في اليوم التالي، ألقوا القبض على زكريا الزبيدي القائد السابق في "كتائب شهداء الأقصى"، الجناح العسكري لحركة فتح في مخيم جنين، الموقوف منذ 2019، إضافةً إلى محمد العارضة، المُدان أيضاً بالسجن مدى الحياة وقد أمضى منها 22 عاماً. وبعد تسعة أيام كاملة ألقوا القبض على الشابين الأصغر سناً، أيهم كممجي (35 عاماً) المحكوم عليه بالسجن مدى الحياة منذ العام 2006 ومناضل أنفيعات (26 عاماً) الذي تم توقيفه قبل عام ونصف، لكنها لم تكن المرة الأولى للاعتقال، سبقتها تجربةٌ امتدت 5 سنوات.

عشرات التفاصيل الآسرة خرجت للسطح مع خروجهم من بطن النفق، وأغلبها ترتبط بهذا المكان الذي حفر مكانته في كل قلب بشري عايش، وانغمس في تفاصيل انتفاضة الأقصى في العام 2000، ومخيم جنين. خرجوا منه وعادوا إليه.

قالت عنه "صباح جلول" في مقالها الجميل "أجمل من خيال": "غريبة جداً استعادة ذلك المشهد الآن، فهو يبدو مرسوماً كجزء من حكاية أو من مسرحية بفصول، وقد يكشف بعداً جديداً من أبعاده في الحاضر، وإن كان بعداً غير مقصود".

أذهب بعيداً قبل لحظة الخلق تلك المبهرة، فأطالع صورةً تشبه الحياة حين تصفعنا، فنصفعها دون غضاضة أو مكايدة. أسرةٌ فلسطينية فيها الرجل الفتي والسيّدة، الكبيرة والصغيرة، والأطفال، يحملون معاً العلم وملابسهم البسيطة غير المهندمة تحكي عما وراءهم من تجريف وهدم، هو المخيم ذاته مطلع الثمانينيات الفائتة، في إحدى نوبات الاقتحام والتدمير، وهذا الصبي المتعالي المنسجم على الطرف اليسار هو "زكريا الزبيدي". سيهدم بيته بعد ذلك 5 مرات على الأقل، سيتعرض لمحاولات تصفية تنتهي باستشهاد والدته وشقيقه، سيترك الحريق بعض السمات فوق ملامح وجهه فيزداد سُمرةً، سيدخل في دوامات تحتمل التأويل حول علاقته بالسلطة منذ تشكيل "كتائب شهداء الأقصى" بدعم من "ياسر عرفات" عام 2000، إلى ضمّه لاتفاقية عدم الملاحقة شريطة ترك السلاح عام 2007 برعاية من سلطة "محمود عباس"، إلى وضعه في سجن أريحا 3 سنوات لعدم التزامه وقوله بخشية تصفيته، إلى أن تم اعتقاله مجدداً قبل عامين بتهمة "المشاركة في الترتيب لعمليات إرهابية"، ساقته الصدفة للانضمام إلى الزنزانة قبل يومٍ واحد من قرار التحرر عبر النفق، ومن ثم أهدته الحياة لقطةً تذكارية جديدة، هو فيها سارحٌ في البعيد، بينما المصور يلتقط صورةً لفكّه المكسور تحت التعذيب بعد العودة للأسر، تنضم إلى باقي الصور التي عافرت من أجلها الكاميرات أثناء محاكمة هؤلاء الأبطال، تظهر بها العيون بنظرات سديدة حزينة حازمة.

الأسرى الهاربون بعد اعادة القاء القبض عليهم

**

يقول طوقان: "صامتٌ لو تكلم / لفظَ النارَ والدمَ / قل لمن عاب صمته / خُلقَ الحزمُ أبكمَ".

يَسهُل أن تتخيل هذه الصفة لصيقةً بـ"العارضة" الذي تصفه المحكمة الصهيونية بـ"المدبر الأول" والسبب ـ ولك أن تنبهر ـ أن هذا لم يكن حفره الأول، فقد جربها من قبل في العام 2014 في سجن شطا.

 لكن ليس الحزم وحده هو ما تطالعه حين تنظر لوجوه وسيرة باقي رفاق النفق، هناك حزمٌ وعزم وسخرية وفرح وتنغّم وألق.

حين أنظر إليهم أقول لا "كتالوغ" خاص لمن ينتهجون الحرية، لا سمات ثابتة غير القناعة بحتمية المضي في الطريق الذي يجوز فوقه التعثر والتردد والخطأ.

فمن منا على الطريق؟ ومن منا في الطريق إليه، ومن منا باعَد ولم يعد؟

**

" لم يَبْقَ بي مَوْطِئٌ للخسارةِ: حُرٌ أَنا قرب حريتي / وغدي في يدي/ سوف أَدخُلُ عمَّا قليلٍ حياتي". يقول صوت فلسطين، "محمود درويش".

 فهل هذا ما ينقصنا نحن حتى ندلف حقاً إلى حياتنا، نحتاج استكمال الخسارة حتى تسطع الحرية داخل نفوسنا، فنخلق حياةً خاصة كريمة، أو ننسج معاً حدود وطن يمتزج فيه العدل والمحبة مع خطط النمو والتنمية؟ هل نحتاج استكمال الخسارة لنتوقف عن البحث والتعلق بأشباه الحلول التي قد تأتي على يد أشباه مخلّصين يعطلوننا ويزيدوا فاتورة حملنا التي سندفعها حين نذهب ـ رغماً عنا ـ لإكمال المواجهة؟

هل نحتاج استكمال الخسارة لنعرف أنه حتى لو قرر كل منا الفرار بنفسه فلن يستطع حماية كل أهله، وسيبقى الدَين قيداً يحيط رقابنا يشير إلى من تركنا خلفنا. هؤلاء المنسيّون داخل الأقبية، كل الأقبية. من يحررهم؟

هل نحتاج لمزيد من الخسارة لنعرف أنه لا بديل أمامنا؟ فإما إحدى المفردتين، وطنٌ أو كفن، ولا تحتاج الأمور شرحاً، فكل منها تشي به حروفها. فبالأولى وخزٌ وطعنٌ ونزفٌ يفضي ـ ولو بعد حين ـ لوضوح وطموح ونجاة.

 وبالثانية كمدٌ وفقرٌ ونفيٌ يفضي في كل حين لنهاية حتميةٍ واحدة معتمة، ولا فرص تالية.

نحتاج الكثير، الكثير جداً، ولا نفعل إلا القليل، القليل جداً.

**

ويقول "مريد": " مثلنا مثل من لاحقوه طويلاً / وما عاد من مخرجٍ عنده غير أن يستدير واقفاً".

وتقول التحقيقات الصهيونية: "في عمليات الحفر تم استخدام معالق ومقابض أواني الطهي القديمة وساق سرير حديدي تم تفكيكها، ومع الوقت توصلوا لبقايا مواد بناء كانت في أطراف السجن مستفيدين من معرفتهم الجيدة به في ضوء المدة التي قضوها فيه".

وقد كان عمر "أيهم" لا يزيد عن 20 عاماً حين جاء إليه في العام 2006. قبل هذا التاريخ بستة أعوام، ومن داخل مخيم جنين شارك بانتفاضة الأقصى، ثم انضم لفصيلة سرايا القدس، وحمل السلاح داخل المخيم الذي توقفت أمامه أنفاس العالم في 1 نيسان/ أبريل 2002. كانت الأرقام مبهرةً، 13 يوماً من الحصار والمقاومة تنتهي بمقتل 23 من جنود الصهاينة، واستشهاد 52 مقاتلاً فلسطينياً، تلاها قرار عسكري بدخول المخيم بالطريقة الوحيدة التي لم يعد لها بديل ولو أمام الكاميرات، محوه بالقصف وتسويته بالجرافات فكان الحصاد 250 شهيداً تحت الأنقاض.

تعود أصول أغلب سكان مخيم "جنين" إلى قرى شمال حيفا، فرّوا إليه تحت وطأة القصف والقتل عام 1948، يقع في أطراف البلدة القديمة لمدينة نابلس وعدد سكانه لا يتجاوز الـ 20 ألفاً، يلقبونه بعاصمة المقاومة بالضفة الغربية، وقد عادت الكاميرات إليه بقوة هذه الأيام مع خبر القبض على الأبطال الأسرى.

بالتأكيد ليس كل ساكنيه مع اختيار المقاومة، لكنها بقيت الحالَ الحاكم والحاسم، فهذه الصيرورة لم تتوقف أبداً، وقبل أشهر من الآن، تحديداً في حزيران/ يونيو 2021 كان الموعد مع استشهاد أربعة صبية في عمر "أيهم" و "مناضل" آنذاك، حاولت بعض القوات اقتحام المخيم بحثاً عن مقاومين، ألقى الصبية الحجارة، أشعلوا الإطارات، فكان الثمن دمهم قبل أن ينسحب العدو من حيث جاء خوفاً من الانجرار لتكرار المجزرة.

مقالات ذات صلة

قبل أيام عادت العصابة الصهيونية، قالت إنها قامت بخدعة تضليلية بأن تكتلت الآليات العسكرية عند مداخل المخيم، بينما قامت قوة خاصة بمهاجمة البيت الذي تحصّن به الأسيران أيهم كممجي ومناضل أنفيعات، وجاءت مكالمة الأبطال لأهلهم قبل دقائق من الهجوم لتجيب: "قررنا تسليم أنفسنا خوفاً على الأهالي من حولنا".

لن تتوقف الاقتحامات، لن تنتهي أعمال التصفية والأسر، لم تتحرر فلسطين بعد، وعليه تبقى المعادلة الحاكمة حتى ذلك الحين وكل حين: "في تكرار الخسارة ما يحرض الروح على الامتثال للحرية، وبالحرية مخرجٌ قد يفضي للنجاة".

**

يقول الخبر:

على الرغم من كل الحسابات المعقدة على الأرض، عاهدت الحركات المقاومة في بيانات متتالية "الأسرى" بعدم التخلي عنهم، وأن يكون هؤلاء الأبطال على رأس قوائم التبادل، فقالت الجهاد: "تحريرهم من أكثر الواجبات إلحاحاً وأولوية"، وقالت "حماس": "إعادة اعتقال الأسرى لن تغطّي على حجم الانتصار".

ليس الطريق إليهم مستحيلاً ولكنه صعب، وكل صعب ممكن. 

مقالات من فلسطين

للكاتب نفسه