"العيب الأسود": منظومة عقد اجتماعي يتعرض للتفكيك

"العيب الأسود" هو كل جريمة يرتكبها الرجل وتنتقص من رجولته. إذ يتحدد مفهوم الرجولة في الوعي القبلي بتكافؤ المواجهة، ومراعاة كل ما يمثل قيمة قيمية، ويندرج في سياق النخوة والكرم والأصالة الأخلاقية. وما من شيء ينتقص رجولة المرء أكثر من اعتدائه على المرأة. لذلك استبعد العرف القبلي وقوعه.
2021-09-16

عبد الرزاق الحطامي

كاتب من اليمن


شارك
وثيقة القواعد المرجعية العرفية لكافة القبائل اليمنية

لم تحظ المرأة اليمنية بالكثير من التقدير الاجتماعي لكرامتها الشخصية، وبالتالي صون حقوقها والاعتراف بمساحة معقولة من حرياتها الخاصة، سوى في العرف القبلي، الذي أعاضها، وإن بقدر محدود للغاية، ما استلبته منها مواقف التحيز الذكوري ضد المرأة، في القوانين الدستورية وكذلك في الأحكام الفقهية للنصوص التشريعية في الدين الإسلامي.

ماهية "العيب الأسود"

  كل اعتداء على ضيف أو ضعيف أو مستجير بحمى قبيلة، أو غريب، أو منتمٍ لديانة غير الإسلام، هو في العرف القبلي اليمني "عيب أسود" يستوجب استنفاراً اجتماعياً عاماً ضد فاعله، وعقوبات مشددة مع غرامات مالية ومضاعفة الديات، وقد تربو على أربعين دية عما هي معلومة المقدار في الشرع والقانون الرسمي.

والمرأة في مثالب العيب الأسود المجرّم قبلياً لا تحضر كجزئية مستقلة بذاتها، لأن المعايب التسعة المتفق عليها في العرف القبلي تتمحور حول جرائم القتل التي عادة ما يجترحها الرجال فيما بينهم. كما أن القتل بحد ذاته لا يمثل عيباً أو سوءة، بل جريمة جنائية، إلا في حال كان غدراً، أو تمّ في ليل، وكذلك اشتراك أكثر من واحد في جريمة قتل فرد.

إلا أن أحد أبرز هذه المعايب السوداء هو الإقدام على قتل فرد وهو برفقة امرأة، وحتى لو كان هذا الفرد مطلوباً في قضية ثأر، وعلى مرمى بندقية أحد أولياء دم الضحية، في الأسواق والشوارع والأماكن العامة. ولكي نحصل على تعريف أوضح لماهية العيب الأسود، فهو كل جريمة يرتكبها الرجل وتنتقص من رجولته. إذ يتحدد مفهوم الرجولة في الوعي القبلي بتكافؤ المواجهة، ومراعاة كل ما يمثل قيمة قيمية ويندرج في سياق النخوة والكرم والأصالة الأخلاقية. وما من شيء ينتقص رجولة المرء أكثر من اعتدائه على المرأة. لذلك استبعد العرف القبلي وقوعه.

امرأة ما...

هل يمنح عرف "العيب الأسود" المرأة اليمنية تقديراً اجتماعياً لكرامتها الشخصية، وهو يموضعها محرماً للرجل في مكان عام، تحميه من رصاص الثأر وتحوطه بالحرية والأمان، فيتجول على مرمى البنادق الموتورة وقد سنحت لزنادها فرصة الانتقام وإشفاء الغليل. أم أن هذا العرف نفسه تكريس لدونية المرأة، فلا يقْدم طالب الثأر على الاقتصاص من الرجل الجاني وهو رفقة زوجته مثلاً، لأن القواعد العرفية للقبيلة ستنزع عنه قيمة الرجولة، وبالتالي يموضعه العيب الأسود في التقييم القبلي القاطع في خانة : "مش رجّال"، أي امراة ما، وبلفظة دارجة ومختزلة أشد حدية في نزع الرجولة عنه: "مَرَه" بفتح الميم والراء والهاء المهملة.

أحد أبرز هذه المعايب السوداء التسعة حسب العرف القبلي هو الإقدام على قتل فرد وهو برفقة امرأة، وحتى لو كان هذا الفرد مطلوباً في قضية ثأر، وعلى مرمى بندقية أحد أولياء دم الضحية، في الأسواق والشوارع والأماكن العامة. وهكذا يموضع العرف المرأة محرماً للرجل في مكان عام، تحميه من رصاص الثأر وتحوطه بالحرية والأمان!

الرجال هم مادة الحرب وأدواتها، طبولها وأبطالها، تجارها وأوزارها، بينما تظل المرأة الحلقة الأضعف في هامش الحمى المكاني الذي يذود الذكور عن حياضه شر الأعداء، عاجزين في الوقت نفسه عن حماية المرأة من تصدرها الضحية الأولى على قائمة الكشف النهائي للحرب وجنون الرجال. أما في سنوات السلام، التي تمثل استثناء في الحالة اليمنية وقاعدتها التاريخية الممتدة على زمن طويل من الصراع الداخلي والحروب الأهلية والغزوات الخارجية. وقد حظيت المرأة اليمنية بمكانة لافتة في منظومة القيم الاجتماعية والتقاليد القبلية المتوارثة، والمنضبطة تحت سلطة العرف القبلي، في أقدم الوثائق إحكاماً وتعقيداً في النص القانوني ونظام الصياغة: "وثيقة القواعد االمرجعية العرفية لكافة القبائل اليمنية" .

ويمثل المجتمع القبلي 75 في المئة من القوام السكاني لليمن، الأمر الذي جعل من القبيلة فاعلاً مؤثراً في مجرى الأحداث السياسية، وحتى في عمق البنية الرسمية للدولة، سواء في سنوات التحالف بين القبيلة والدولة أو فترات الافتراق، وهي المستثنى العابر في المشهد السياسي العام.

ولكن، هل يمنح عرف "العيب الأسود" المرأة اليمنية تقديراً اجتماعياً لكرامتها الشخصية، ام هو انتقاص أصلي من مكانتها؟ وهل يدل على ذلك الانتقاص ما يقال عن الرجل المعاب عيباً أسوداً، من أنه لم يتصرف وفق "شهامة الرجال" فيُنعت ب"المرأة أو "مَره".

معنى هذا هو أن اليمن بلد يخضع على الأغلب لسلطة العرف القبلي وتقاليده الاجتماعية المتوافق عليها في العقد القيمي ومنظومته الأخلاقية. وهي سلطة تغلب في قوة نفوذها وسريان تطبيقاتها السلوكية الملتزمة بأعرافها في أوساط الفرد والمجتمع، على سلطة الدستور وقوانين الدولة، وحتى على أحكام الشرع في المجتمع اليمني المحافظ.

واعيبااااااااه!

في روايته" رحلة الأسرار المدفونة" التي تدور أحداثها في يمن منتصف القرن التاسع عشر، سرد الدكتور مجدي صالح مشاهد لحالة حضارية متقدمة في طبيعة نظرة رجال القبائل والبدو تجاه المرأة اليمنية، بغض النظر عن كونها مسلمة أم يهودية.

الرواية تقوم على وقائع تاريخية توثق لها أدبياً في أسلوب سردي شيق. لكنها مغمورة جداً، على الرغم من أنها بصيرة ثمينة تؤرشف لحقبة من تاريخ اليمن. فحين يشب صراع - وفقاً للرواية - بين قبليتين متثائرتين على أرض أو دم، يكفي أن تقتحم امرأة ما بين الجمعين المتحاربين لتلقي طرحة رأسها "المقرمة" وتحرقها احتجاجا على الحرب ودعوة إلى إيقافها والسلام. يكفي أن تحرق امرأة يمنية طرحة رأسها أو ذؤابة شعرها لتنتهي حرب بين فئتين من الطائفة اليمنية المسلمة للتو. والمؤكد أن مثل هذا الطقس ليس إلا شعيرة من شعائر إحياء ديناميات العيب الأسود، الذي ينحو بلائمة العار على رجال الحرب فيما لو أنهم كسروا كرامة المرأة ولم يرضخوا لصرختها وشعرها المحترق الثمين.

مع محو القبيلة وحوثنة كيانها الاجتماعي عبر تفكيك العرف القيمي وأخلاقيات ذلك العقد الاجتماعي الناظم للسلوك والعلاقات القبلية البينية والغيرية، صارت المرأة هدفاً سنحاً لكل جرائم وانتهاكات العيب الأسود، وانهارت منظومة الحماية الاجتماعية لها مع ربط الحوثيين جرائمهم بحق المرأة بقضايا ال"شرف".

يعكس التعاطي العنيف لمسلحين حوثيين مع المرأة الناشطة حقوقياً، ومع وقفات احتجاجية كانت نفذتها "رابطة أمهات المختطفين" اللواتي أحرقن طرحات الرأس ومقارم "العيب الأسود" في أمانة العاصمة، إسقاطٌ للورقة اليمنية الأقوى صرامة في تقييد العنف الذكوري ضد المرأة، وفقاً لضوابط العرف القبلي العام المتوافق عليه كتابة منذ أكثر من مئتي عام، في "وثيقة القواعد االمرجعية العرفية لكافة القبائل اليمنية". 

ما زال هذا العرف سارياً في المضارب القبلية التي لا تخضع لسلطة الميليشيا الحوثية. فمع محو القبيلة وحوثنة كيانها الاجتماعي عبر تفكيك العرف القيمي وأخلاقيات ذاك العقد الاجتماعي الناظم للسلوك والعلاقات القبلية البينية والغيرية، صارت المرأة هدفاً سنحاً لكل جرائم وانتهاكات العيب الأسود، وانهارت منظومة الحماية الاجتماعية لها مع ربط الحوثيين جرائمهم بحق المرأة بقضايا "شرف". إذ يعكس التعاطي العنيف من مسلحين حوثيين مع المرأة الناشطة حقوقياً، ومع وقفات احتجاجية كانت نفذتها "رابطة أمهات المختطفين" اللواتي أحرقن طرحات الرأس ومقارم العيب الأسود في أمانة العاصمة صنعاء، إسقاط الورقة اليمنية الأقوى صرامة في تقييد العنف الذكوري ضد المرأة، وفقا لضوابط العرف القبلي العام.

واعيباااااه، صرخة المرأة اليمنية على وقع أغنية شهيرة للفنان اليمني الكبير أحمد بن أحمد قاسم ، وصدى يتدحرج من عرش الملكة بلقيس في سنين بعيدة، حيث مثلت قوانين الدولة السبئية الجذر التشريعي والقانوني لوثيقة القواعد المرجعية العرفية * لكافة القبائل اليمنية ، ومن بينها مواثيق "العيب الأسود".

______________

هي وثيقة التشريع العرفي القبلي العام الموروث الموحد لكافة القبائل اليمنية (بكيلي وحاشدي ومذحجي وقضاعي وهميسعي)، المنعقدة بين كافة قبائل اليمن شماله وجنوبه وشرقه وغربه، ممثلين بمراغتهم ومشائخهم في عام 1253 هجرية وبحضورهم وتحت امضاء العلماء وتعميد حكام اليمن حينذاك، وهي مكونه من 24 صفحة. وهي وثيقة تاريخية حقوقية تتضمن نظام العقوبات المتداول في المجتمع اليمني منذ مملكة سبأ مرورا بعصر صدر الإسلام، وحتى الوقت الراهن قام بنقل متونها من المسانيد الحميرية المخطوطة والمنقوشة إلى الأبجدية الحديثة، المراغة هادي بن صالح بن هادي صياد، وتحررت بخط كاتبها السيد حسين بن أحمد أبوطالب، ونالت تأييد كافة ممثلي المجتمع اليمني، وكان كاتب التـراضي بها بينهم هو المـراغه علي ردمان، وكان ذلك في مكان انعقاد اجتماعهم بمدينة صنعاء في عهد الإمام القاسم، كما تم اعتمادها والمصادقة عليها فيما بعد من قبل الإمام يحي حميد الدين ملك المملكة المتوكلية في ذلك الحين، وكتب عليها عبارة "يعتمد، وماهو معتمد من السلف يعتمد لدى الخلف".

مقالات من اليمن

اليمن: المناخ وسيل "جبل اللوز" يتربّصان بصنعاء العاصمة

ظل البناء المرتجل يسبق المخطط الحضري بخطوات، خاصة مع ارتباطه بحجم نفوذ ملاّك الأراضي والمستثمرين في العقارات. وشكّلت الهجرات الداخلية إلى العاصمة طيلة ثلاثة عقود، إضافة لموجات النزوح مؤخراً، ضغطاً...

للكاتب نفسه