تونس: رئيس الجمهورية يقلب الطاولة

قلب رئيس الجمهورية الطاولة على الجميع، فأعلن تجميد البرلمان، وعزل رئيس الحكومة، وتوليه النيابة العمومية، وعزمه محاسبة الفاسدين، وإنقاذ البلاد من الوضع الكارثي الذي وصلت إليه. قرر ساعتها مئات آلاف التونسيين كسر حظر التجوال، واحتلوا الشوارع إلى حدود الفجر معبرين عن مساندتهم لقرارات الرئيس.
2021-08-01

محمد رامي عبد المولى

كاتب وباحث من تونس، من فريق "السفير العربي"


شارك
رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال لقاء مع راشد الغنوشي،رئيس البرلمان المجمّد وزعيم حركة النهضة. (أرشيف)

تنكّر التونسيون لتقاليدهم العريقة في الانتفاض شتاءً، خاصةً في الموسم "الينايري"، ليصنعوا الحدث في قلب الصيف. في يوم عيد الجمهورية، 25 تموز/ يوليو، تفجّر غضبهم نهاراً، وتلقّفه رئيسهم ليلاً ليصدر جملةً من القرارات القوية و"الصادمة"، اعتبرها البعض انقلاباً صريحاً وخطوةً واسعة نحو الديكتاتورية، واعتبرها آخرون استعادة لمسار ديمقراطي متعثر ومحتضر، وإنقاذاً لبلاد تنزلق نحو الهاوية.

يوم طويل جداً.. جداً!

ربما سيتذكر التونسيون يوم 25 تموز/ يوليو 2021 كواحد من أطول الأيام التي عاشوها في حياتهم.. امتد هذا "اليوم" من مساء السبت 24، إلى مساء الإثنين 26. كانت النقاشات محتدمةً مساء السبت في علاقة بالدعوة إلى النزول إلى الشارع للمطالبة بحل البرلمان وإسقاط الحكومة ومحاسبة الفاسدين والمسؤولين على تفاقم الوضع الوبائي، بين مساند ومشجع، ومتوجس ورافض، خاصةً وأن الجهات التي دعت للخروج غير "معلومة".

صبيحة الأحد بدأت وسائل التواصل الاجتماعي تعجُّ بالصور والفيديوهات التي تظهر مسيرات في عدة مناطق تونسية، ومحتجين يحاولون اقتحام مقرات لحركة النهضة الإسلامية، ووثائق عثر عليها في هذه المقرات: فواتير، قوائم أجور ومنح لأعضاء الحركة، تقارير أمنية، الخ. الصور والأجواء كانت تذكّر بالأيام الأخيرة من عهد بن علي وسقوط مقرات حزبه. وما ذكرنا أكثر بتلك الأيام هو بيان حركة النهضة الذي أدان "العصابات الإجرامية التي يتمّ توظيفها من خارج حدود البلاد ومن داخلها للاعتداء على مقرات الحركة ومناضليها، وإشاعة مظاهر الفوضى والتخريب خدمةً لأجندات". مع دخول حظر التجوال (المفروض منذ أشهر بسبب جائحة كورونا) حيز التنفيذ عند الساعة الثامنة مساءً، هدأت الأمور وفرغت الشوارع، لكن كان جلياً أنه ستكون هناك تتمة للأحداث والأغلب أن الشوارع ستمتلئ مجدداً.

في التاسعة مساءً قلب رئيس الجمهورية الطاولة على الجميع، وبثت صفحته الرسمية خطاباً يعلن فيه تجميد البرلمان، وعزل رئيس الحكومة، وتوليه النيابة العمومية، وعزمه محاسبة الفاسدين، وإنقاذ البلاد من الوضع الكارثي الذي وصلت إليه. مباشرةً بعد نهاية الخطاب بدأت الزغاريد وصيحات الفرح تنطلق من عدة منازل، ثم قرر مئات آلاف التونسيين كسر حظر التجوال، واحتلوا الشوارع إلى حدود الفجر معبرين عن مساندتهم لقرارات الرئيس.

توالت البلاغات والمراسيم الرئاسية: فتح تحقيقات في عدة قضايا فساد، إقالة وزراء وكتاب دولة ومكلفين بمهام في الدواوين الحكومية، تحريك ملفات قضائية ثقيلة دفنت في إدراج قضاة مقربين من الائتلاف الحاكم، رفع الحصانة عن كل النواب، إعلام 460 رجل أعمال بضرورة الدخول في صلح جزائي، وإرجاع قرابة خمسة مليارات دولار منهوبة من المال العام...

في الساعات الأخيرة من الليلة الفاصلة بين 25 و26 تموز/ يوليو تطورت الأحداث. فبدأت ردود الفعل من قبل حركة النهضة والقوى البرلمانية المتحالفة معها، والتي عبّرت عن عدم اعترافها بشرعية القرارات، وأعلنت مواصلة البرلمان والحكومة عملهما كأن شيئاً لم يحدث. ولإظهار جدية هذا الموقف، توجه رئيس مجلس نواب الشعب وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، وبعض النواب من حزبه والأحزاب المتحالفة معه، إلى مقر البرلمان. رفضت القوات العسكرية التي كُلفت بحماية المقر وإغلاقه، دخولهم. عقب ذلك أطلقت الصفحات الرسمية للغنوشي وحزبه نداءً للتونسيين حتى يلتحقوا بالمجلس للاعتصام، و"يحموا الشرعية والديمقراطية". في الوقت نفسه تقريباً، نزل رئيس الجمهورية إلى الشارع الرئيسي في قلب العاصمة تونس، والتقى بالمواطنين وتحدث إليهم، فيما بدا أنها رسالة تؤكد عدم خوفه من خصومه وتمتعه بسند شعبي.

صبيحة الإثنين توافدت أعداد قليلة من أنصار النهضة على مجلس النواب، وأحاطوا، تحت الشمس الحارقة، بزعيمهم راشد الغنوشي الذي اعتصم داخل سيارته إلى منتصف النهار قبل أن يغادر محيط البرلمان. منعت قوات الأمن نشوب معارك بين المعتصمين، المساندين للحكومة والمساندين لقرارات الرئيس. في بقية المدن كان الوضع هادئاً والحياة عادية. في الساعات الأولى بعد الظهر نشرت وسائل الإعلام خبراً عن اقتحام قوات الأمن مكتب قناة الجزيرة وإغلاقه، ثم تسربت معلومات عن نية كانت لدى القناة للتوجه إلى بيت رئيس الحكومة هشام المشيشي، لتصوير لقاء يعلن فيه عدم اعترافه بقرارات قيس سعيد، وتمسكه بمنصبه. تزايدت المخاوف والـتأويلات. في الساعات الأولى من مساء الإثنين 26 تموز/ يوليو بدأت الأمور تنفرج، خاصةً مع إصدار المشيشي بلاغاً يعلن فيه التزامه بالقرارات وتخليه عن المنصب. كما أصدرت رئاسة الجمهورية بلاغاً جديداً يعلن تعطيل العمل لمدة يومين في أغلب الإدارات العمومية، يهدف حماية وثائق مهمة من الإتلاف من قبل المتورطين في قضايا فساد. ظهر جلياً أن سعيد كسب الجولة الأولى.

توالت البلاغات والمراسيم الرئاسية: فتح تحقيقات في عدة قضايا فساد، إقالة وزراء وكتاب دولة ومكلفين بمهام في الدواوين الحكومية، تحريك ملفات قضائية ثقيلة دفنت في إدراج قضاة مقربين من الائتلاف الحاكم، رفع الحصانة عن كل النواب، إعلام 460 رجل أعمال بضرورة الدخول في صلح جزائي، وإرجاع قرابة خمسة مليارات دولار منهوبة من المال العام، فتح تحقيق حول التمويل الأجنبي لعدة أحزاب (منها "النهضة") في الانتخابات الأخيرة، إحداث خلية خاصة بمجابهة كوفيد 19، وعدة قرارات أخرى. على الجانب الآخر، تطورت الأمور أيضاً. مثلاً تراجعت حدة خطاب "قلب تونس" (حزب نبيل القروي) وعبّر بعض نوابه عن مساندتهم قرارات قيس سعيد. "ائتلاف الكرامة" حليف النهضة الآخر، دخل في حالة من الهياج، فعدد كبير من نوابه مطلوبون للقضاء في قضايا مختلفة، ورفع الحصانة عنهم قد يحملهم إلى السجن. أما حركة النهضة فبدأت تدعو إلى الحوار - على الرغم من استمرارها بتوصيف قرارات رئيس الجمهورية بالانقلاب - والعودة إلى الوضع "الطبيعي"، كما أن بعض قياديها بدؤوا يتحدثون عن ضرورة القيام بمراجعات، واعترفوا بأن حزبهم يتحمل مسؤولية "جزئية" في تدهور أوضاع البلاد. شكك البعض بهذا التراجع واعتبروه مجرد مناورات يراد بها تخفيف الكره الشعبي لهم، وربح الوقت لرص الصفوف، واستجلاب الدعم الداخلي والخارجي لهجوم معاكس.

كيف وصلنا إلى هنا؟

قد يكون ما فعله الرئيس التونسي مفاجئاً، لكن انفجار الأوضاع كان متوقعاً وبوادره أكثر من ظاهرة إلا للمتعامين عن الواقع. أولاً الثورة التونسية بروحها الاجتماعية - التحررية أجهضت منذ ربيع 2011 عبر تحويلها إلى مسار سياسي وحقوقي تقني تحتكره نخب قديمة وجديدة بعيداً عن هموم أغلب مكونات الشعب، وبـ"رعاية" (مراقبة وتحكّم) المجتمع الدولي. لم يحاسب الفاسدون ولا الجلادون والمستبدون. رجال الأعمال أصبحوا أكثر نفوذاً، وصاروا يحركون النظام السياسي بعد أن كانوا تحت رحمته. النقاش حول كيفية تلبية تطلعات الشباب والمناطق المهمشة تحول إلى صراع هوياتي بين الحداثيين والإسلاميين. الإرهاب والتطرف الديني أصبح لهما رعاة في السلطة. المحاور الإقليمية التي كان نفوذها في تونس ضعيفاً، صارت تتدخل في القرار السيادي بوجوه مكشوفة. المؤسسات المالية الدولية والشركاء الاقتصاديين استغلوا اهتزاز الدولة لفرض شروط وسياسات "إصلاحية" عمقت تبعية البلاد والدين الخارجي وكلفة خدمة الدين. نسب البطالة ارتفعت، ومعها نسب الفقر والعاملين في قطاعات الاقتصاد غير المهيكل والمهاجرين نظامياً أو عبر قوارب "الحرقة". عشر حكومات متعاقبة، أغلبها مشكّل من تحالفات انتهازية فاشلة تقودها حركة النهضة، سدت كل أفق أمام أغلبية التونسيين ورذّلت العمل السياسي. هذه كلها أسباب عميقة لما حدث في 25 تموز/ يوليو 2021.

هناك أيضاً أسباب مباشرة مرتبطة بأمرين أساسيين: نتائج انتخابات 2019 والأزمة الوبائية. انتخابات 2019 الرئاسية والتشريعية أفرزت برلماناً فسيفسائياً سيطرت عليه حركة النهضة بأقل من ربع المقاعد عبر تحالفها مع رجل أعمال تتعلق به عدة تهم فساد، وائتلاف من السلفيين والشعبويين، وتزعمت المعارضة فيه واحدةً من أشد السياسيات دفاعاً عن نظام بن علي، وغاب عنه اليسار بشكل شبه كلي. الائتلاف البرلماني المهيمن سيصطدم سريعاً برئيس جمهورية من طينة خاصة. هذا الأستاذ الجامعي المتقاعد - مختص في القانون الدستوري - الذي وصل إلى قصر قرطاج بلا حزب ولا تاريخ نضالي ولا مال ولا دعم إقليمي أو دولي، كان يُتوقع منه أن يكون الرئيس الأضعف في تاريخ البلاد، لكنه سرعان ما كشر عن أنيابه وأظهر سعيه إلى ممارسة صلاحياته كاملة، مما شكّل عقبةً أمام حركة النهضة وحلفائها، وصعّب سيطرتها على كامل مفاصل السلطة، وعطل تمريرها لعدة قوانين تخدم مصالحها ومصالح حلفائها ورعاتها. 

مجلس نواب الشعب تحول منذ بداية هذه المدة النيابية إلى سيرك يومي، كان في البداية يثير سخرية التونسيين، ثم أصبح يثير غضبهم واشمئزازهم. دخل المهيمنون على البرلمان في صراع مفتوح مع رئيس الجمهورية منذ الصيف الفائت، فأسقطوا حكومة الياس الفخفاخ التي كانت منسجمةً مع الرئيس، واستطاعوا ضمان ولاء هشام المشيشي الذي خلفه في المنصب. ورد قيس سعيد بتعطيل تحوير حكومي موسع ورفض التوقيع على قانون المحكمة الدستورية. في الأثناء، كان الوضع الوبائي يتدهور بشكل كبير ليرتفع عدد الإصابات ومعه عدد الوفيات، وسط تراخٍ وتقصير كبيرين من قبل الحكومة.

ما فعله الرئيس التونسي كان مفاجئاً، لكن انفجار الأوضاع كان متوقعاً وبوادره ظاهرة: أولاً الثورة التونسية بروحها الاجتماعية - التحررية أُجهضت منذ ربيع 2011 عبر تحويلها إلى مسار سياسي وحقوقي تقني تحتكره نخب، قديمة وجديدة، بعيداً عن هموم أغلب فئات الشعب، وبـ"رعاية" (مراقبة وتحكّم) المجتمع الدولي. ولم يحاسب الفاسدون ولا الجلادون والمستبدون. واصبح رجال الأعمال أكثر نفوذاً...

انتخابات 2019 الرئاسية والتشريعية أفرزت برلماناً فسيفسائياً سيطرت عليه حركة النهضة بأقل من ربع المقاعد عبر تحالفها مع رجل أعمال متهم بالفساد، وائتلاف من السلفيين، وتزعمت المعارضة فيه واحدةً من أشد المدافعات عن نظام بن عليز وتأزمت الأوضاع الاقتصادية ، وتعالت التحذيرات من الإفلاس، وأصبحت الإصابات بالكورونا تعدُّ يومياً بالآلاف والوفيات بالمئات وتكرر انقطاع الأوكسجين عن المشافي العمومية... 

وبالتوازي مع تأزم الوضع الصحي، كانت الأوضاع الاقتصادية تتعقد أكثر فأكثر، والتحذيرات من الإفلاس تتعالى من عدة مصادر، محلية وأجنبية. واصلت الحكومة، بمباركة البرلمان، سياسة الاستدانة الخارجية مع الخضوع للشروط القاضية برفع الدعم عن السلع الغذائية الأساسية والمحروقات. في بدايات صيف 2021، تدهورت الأوضاع أكثر، وتزايدت تحذيرات رئيس الجمهورية للبرلمان والحكومة بضرورة تعديل سياساتهما، وتهديده بالتدخل. تهديدات وتحذيرات، آخرها قبل أيام قليلة من 25 تموز/ يوليو، لم تأخذها حركة النهضة على محمل الجد. في بداية شهر تموز/ يوليو، أصبحت الإصابات بالكورونا تعدُّ يومياً بالآلاف والوفيات بالمئات وتكرر انقطاع الأوكسجين عن المشافي العمومية. أصبح التونسيون يعانون من الوباء والأزمة الاقتصادية وحظر التجوال وانسداد الأفق السياسي. زد على ذلك مهازل وفضائح تتعلق بحملات التلقيح ولا مبالاة حكومة تخلفت عن جلسة مساءلة في البرلمان بدعوى كثرة المشاغل، ليتبين فيما بعد أن العديد من وزرائها كانوا يومها يستجمون في منتجع سياحي، في الوقت الذي كان فيه أطباء ومديرو مشافٍ يستغيثون بسبب امتلاء أسرة الإنعاش وانقطاع الأوكسجين. لم تستطع المعارضة بمختلف تلويناتها تكوين ثقل وازن في البرلمان أو في الشارع يمكّنها من تشكيل بديل وتلقف الغليان الشعبي. في تلك الأيام انطلقت دعوات "مجهولة المصدر" تنادي التونسيين إلى النزول إلى الشارع يوم 25 تموز وإسقاط البرلمان والحكومة.. ولم يأخذ كثيرون - على رأسهم حركة النهضة - هذه الدعوات على محمل الجد..

انقلاب؟

"لرئيس الجمهورية في حالة خطر داهم مهدّد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتّمها تلك الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن عن التدابير في بيان إلى الشعب. ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة السير العادي لدواليب الدولة في أقرب الآجال، ويُعتبر مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طيلة هذه الفترة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حل مجلس نواب الشعب، كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة. وبعد مضيّ ثلاثين يوماً على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك، يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس نواب الشعب أو ثلاثين من أعضائه البتُّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه. وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجل أقصاه خمسة عشر يوماً. ويُنهى العمل بتلك التدابير بزوال أسبابها. ويوجه رئيس الجمهورية بياناً في ذلك إلى الشعب".

أصبح التونسيون يعانون من الوباء والأزمة الاقتصادية وحظر التجوال وانسداد الأفق السياسي... ومهازل وفضائح تتعلق بحملات التلقيح، ولا مبالاة حكومة تخلفت عن جلسة مساءلة في البرلمان بدعوى كثرة المشاغل، ليتبين فيما بعد أن العديد من وزرائها كانوا يومها يستجمون في منتجع سياحي، في الوقت الذي كان فيه أطباء ومديرو مشافٍ يستغيثون بسبب امتلاء أسرة الإنعاش وانقطاع الأوكسجين.

هذا نص الفصل 80 من الدستور التونسي، الذي استند إليه رئيس الجمهورية لإضفاء الشرعية على قراراته. كما هو واضح، يعطي الفصل صلاحيات استثنائية في حالة الخطر الداهم، لكنه لا يوضح ماهية وشروط "الخطر الداهم". يُذكر هنا أنه عند مناقشة هذا الفصل في المجلس التأسيسي، واحتجاج بعض النواب على ضبابيته، اعتبر مقرر الدستور آنذاك، الحبيب خضر، وهو عضو عن حركة النهضة، أن الأمر لا يستحق نقاشاً كبيراً ويجب تمرير الفصل، الذي حظي فعلاً بأغلبية الأصوات. وفيه نجد إشارةً إلى المحكمة الدستورية، وهي هيئة يفترض أن تنظر في دستورية القوانين والمراسيم ، وقد أقرها دستور 2014، وحدد مهلة سنة لتشكيلها. لكن الفائزين في رئاسيات وتشريعيات 2014، أي الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي وحزبه "نداء تونس" وحركة النهضة، استعملوا كل المناورات الممكنة لتعطيل تشكيلها، ولم تتحرك النهضة وحلفاؤها لتشكيل المحكمة إلا في بدايات سنة 2021، وذلك سعياً منها لمحاصرة الرئيس، وربما شرعنة محاولة عزله من منصبه.

لا يشير الفصل إلى حل مجلس النواب ولا إلى تجميده، كما لا يمنح الرئيس سلطة إقالة الحكومة. وهذا ما اعتمدت عليه حركة النهضة وبعض القوى السياسية والمدنية والشخصيات، للقول بعدم شرعية قرارات الرئيس ولا دستوريتها.. يقفز الجدل القانوني "التقني" على حقيقة أن الأزمة سياسيةٌ واقتصادية بامتياز، وأنها أزمة مصيرية، فيها تهديد للوجود، وترهل للكيانات الجامعة، كالدولة، بشكل يوحي بالخطر الداهم... وهناك تناقض مستعص بين نية الرئيس المضي قدماً في إنقاذ البلاد، بينما يقود البرلمان والحكومة ائتلافٌ رافض للإصلاح ومتستر على الفساد، ومصرّ على المضي قدماً في كل الخيارات الاقتصادية والاجتماعية الفاشلة؟

ردود فعل متنوعة في الداخل والخارج

أثارت قرارات الرئيس التونسي ضجةً كبيرة في تونس وخارجها. ردود الفعل الشعبية كانت مرحبةً بشكل ظاهر، في حين تنوعت مواقف الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنخب عموماً. على المستوى الحزبي كانت حركة النهضة وحلفاؤها الرئيسيون (حزب "قلب تونس" و"ائتلاف الكرامة") على رأس الرافضين لقرارات الرئيس، معتبرين أنها "انقلابٌ على الدستور" ونكوصٌ عن الديمقراطية، مطالبين الرئيس بالرجوع عنها، وداعين التونسيين إلى التصدي لها. اتخذت بضعة أحزاب أخرى، مثل حزب العمال التونسي (الشيوعي سابقاً) والحزب الجمهوري موقفاً مشابهاً بررته بتخوّفها من تمهيد الطريق أمام استبداد جديد.

يفترض بالمحكمة الدستورية أن تنظر في دستورية القوانين والمراسيم ، وقد أقرها دستور 2014، وحدد مهلة سنة لتشكيلها. لكن الفائزين في رئاسيات وتشريعيات 2014، الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي وحزبه "نداء تونس"، وحركة النهضة، استعملوا كل المناورات الممكنة لتعطيل تشكيلها. ولم تتحرك النهضة وحلفاؤها لتشكيل المحكمة إلا في بدايات سنة 2021، سعياً لمحاصرة الرئيس، وشرعنة محاولة عزله من منصبه.

هناك بالمقابل أحزابٌ، قومية أو يسارية بمختلف تلويناتها، أو ليبرالية، عبّرت بشكل صريح أو مبطن عن دعمها قرارات الرئيس، معتبرةً إياها ضرورية، ومحملةً حركة النهضة وحلفاءها مسؤولية الوصول إلى هذا الوضع، مع مطالبة الرئيس بضمان عدم المساس بالحريات، وإعلان خارطة طريق سياسية واضحة، وعدم إطالة مدة الإجراءات الاستثنائية. حرص قيس سعيد منذ اليوم التالي لإعلانه قراراته على الاتصال بممثلي كبرى المنظمات الوطنية، وعلى رأسها "الاتحاد العام التونسي للشغل" (مركزية نقابية) و"الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة" (أرباب العمل) و"الرابطة التونسية لحقوق الإنسان" وعمادة المحامين، والنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين، والاتحاد الوطني للمرأة التونسية، لشرح دوافع خطوته وطمأنة المجتمع المدني بخصوص الحريات واحترام الدستور والمسار الديمقراطي. أصدرت أغلب هذه المنظمات، وحتى منظمات لم تدعَ إلى اللقاء بالرئيس، بيانات إيجابية بدرجات مختلفة تجاه قرارات الرئيس، بين التفهم والمساندة المشروطة والدعم شبه الكامل. وبالطبع كان لبعض مكونات المجتمع المدني الأخرى مواقف مختلفة، إذ اعتبرت مثلاً "الجمعية التونسية للقانون الدستوري" قرارات سعيد غير دستورية. وتباينت قراءات خبراء القانون الدستوري لما أقدم عليه الرئيس، بين مدافع عن شرعيتها ومشكك فيها ورافض لها تماماً. وطبعاً هذه القراءات ليست تقنيةً بحتة، فهناك المواقف الشخصية والأيديولوجية من حركة النهضة ومن الرئيس.

أما على المستوى الدولي، فلم تستعمل أي دولة أو منظمة دولية لفظ انقلاب. وإذا ما استثنينا موقف نائب الرئيس التركي الملمّح إلى لا شرعية قرارات سعيد، وموقف اتحاد العلماء المسلمين الذي كفّر التونسيين الخارجين عن "العقد الاجتماعي"، وموقف الإخواني الليبي خالد المشري رئيس "المجلس الأعلى للدولة" المندد بما سمّاه "انقلاباً" ، فإن جلّ المواقف الدولية (فرنسا وألمانيا، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، الأمم المتحدة، الولايات المتحدة) كانت متحفظةً، وحاولت الموازنة بين التعبير عن تفهّم أسباب ما يحدث والدعوة إلى العودة سريعاً إلى "الوضع العادي" والحوار، وتفادي الانزلاق إلى مربع العنف. وكان وزير الخارجية التونسي، عثمان الجرندي المحسوب على رئيس الجمهورية، قد خاض حملةً ماراثونية من الاتصالات بنظرائه في عدة دول ومنظمات لتوضيح الوضع في تونس وشرح مبررات قرارات قيس سعيد.

"سورة ياسين.. وحجر"

"اقرأ سورة ياسين.. وهز (احمل) في يدك حجرة"، هكذا يقول مثل شعبي تونسي للتأكيد على ضرورة الحذر حتى وإن كانت الثقة عالية بأمر أو بشخص ما. السند الشعبي الكبير الذي يحظى به سعيد، وكذلك الدعم الذي أظهرته عدة قوًى مدنية وسياسية، لا يجب في أي حال من الأحوال أن يتحول إلى صك على بياض، ومن الضروري أن يكون متناسباً مع أداء الرجل في الأيام القادمة واتضاح نواياه. ولا يمكن تبرير أي تقييد للحريات الأساسية والعمل الصحافي والسياسي والمدني بدعوى الظروف والإجراءات الاستثنائية. السلطة مغرية والطريق إلى الجحيم معبد بالنوايا الحسنة.

سيكون أيضاً من الظلم للرجل أن يطالب بإصلاح كل ما أعطبه الآخرون سواء بعد الثورة أو قبلها. وتجب الإشارة هنا إلى أن قيس سعيد ليس يسارياً ثورياً، يعني لا ننتظر تغيرات اقتصادية-اجتماعية راديكالية، هو ينتمي إلى مدرسة "الدولة الراعية" ذات البعد الاجتماعي، وهذه تعدُّ نعمةً في زمن السياسات النيوليبرالية المهيمنة.

لا يشير الفصل 80 من الدستور التونسي الذي استند إليه رئيس الجمهورية لإضفاء الشرعية على قراراته، إلى حل مجلس النواب ولا إلى تجميده، كما لا يمنح الرئيس سلطة إقالة الحكومة. وهذا ما اعتمدت عليه حركة النهضة وبعض القوى السياسية والمدنية والشخصيات، للقول بعدم شرعية قرارات الرئيس ولا دستوريتها..

سياسة الرئيس الاتصالية أقل ما يقال عنها إنها ضعيفةٌ والمعلومات شحيحة. يبرر البعض ذلك بضرورة التكتم وكسب عامل المباغتة. لكن في زمن الأزمات تصبح العملية الاتصالية حيويةً، والمعلومة حقٌّ سواء للمواطنين أو الصحافيين والإعلاميين، كما أن تبني سياسة اتصالية انسيابية وشفافة هو في صالح رئيس الجمهورية نفسه، فغياب المعلومة الصحيحة، وعدم إعلان النوايا يفتح الباب واسعاً أمام الإشاعات والأخبار المشوهة، ويسهل عمل ماكينات الدعاية السوداء والنافخين في نار الاقتتال الأهلي. وأما الاستنجاد المكثف بشخصيات عسكرية لتولي مناصب مدنية فغير مبرر، فتونس لديها ما يكفي من الكوادر المدنية، وهذا الحل يرسخ لدى الشعب فكرة أن الجيش هو الجهة الوحيدة الكفوءة والنظيفة في البلاد، وقد يفتح شهية قيادات الجيش بعد تذوق حلاوة المناصب والسلطة. وقيس سعيد يجب أن يعي أنه يتحمل مسؤوليةً تاريخية كبيرة جداً، وجمع في يده اليوم صلاحيات لم تجتمع يوماً في يد أي رئيس تونسي (قانونياً ونظرياً)، كما أن كلامه عن التطهير وإنقاذ البلاد أنعش آمال التونسيين، ورفع من أسقف توقعاتهم وانتظاراتهم، وخذلانتهم لا يعني فقط إحباطهم، بل موجة غضب قد تطيح بالكل أو يأس نهائي يترك البلاد فريسةً لكل الضباع.

****

في 25 تموز/ يوليو 1957 أعلن أول رئيس حكومة تونسية تنبثق بعد استقلال البلاد عن فرنسا، الحبيب بورقيبة، عن إلغاء النظام الملكي (حكم البايات الموروث من العهد العثماني)، وإعلان الجمهورية الأولى. في 25 تموز/ يوليو 2013، وإثر اغتيال النائب الناصري محمد البراهمي الذي أتى بعد سلسلة من الاغتيالات والأعمال الإرهابية، اندلع حراك سياسي معارض مسنودٌ شعبياً، وانتهى بإسقاط حكومة "الترويكا" (ائتلاف حكومي ثلاثي تقوده حركة النهضة)، وبتسريع المصادقة على دستور كانون الثاني/ يناير 2014، الذي أعلن ولادة الجمهورية الثانية. هل ستنتهي حركة 25 تموز/ يوليو 2021، بإعلان جمهورية ثالثة، أم أنها ستكتفي بترميم صدوع الجمهورية الثانية والمنظومة الحاكمة؟ هل ستنقذ البلاد من هاوية الإفلاس والتفكك والتقاتل؟ أم ستسرع انزلاقها نحوها؟ 

جزءٌ من الإجابة عند قيس سعيد، وجزء عند حركة النهضة، وجزء عند الشعب والقوى السياسية والمدنية الوطنية، وجزءٌ آخر في عواصم عربية وغربية. 

مقالات من تونس

تونس على حدود الشرعية الديمقراطية

كشفت التجربة التونسية في السنوات العشر الأخيرة أن "المنظومة" تتمتع بقدرة غير متوقعة على امتصاص الصدمات، وأن النخبة السياسية والاقتصادية الحاكمة تجد دوماً الوسيلة لكي تتأقلم مع التشوهات والمسوخ الذين...

للكاتب نفسه