الجزائر: الصحة في زمن كوفيد-19

لم تؤدِ الجائحة إلى انهيار النظام الصحي في الجزائر، لكنها، مع ذلك، كشفت بحدة هشاشته الكبيرة، وذلك عبر الاستراتيجيات المعتمدة بين الدولة والقوى الاجتماعية الجديدة، وبين القطاع العام والمنظومة الصحية الخاصة، مهددة بتقويض العقد الاجتماعي الذي يربط الدولة بالمجتمع حول مبدأ الصحة المجانية للجميع الذي أقر في 1974.
2021-05-11

غنيّة موفّق

صحافية جزائرية


شارك
| en
حيدر جبار - العراق

تم انتاج هذا المقال بدعم من مؤسسة روزا لكسمبورغ. يمكن استخدام محتوى المقال أو جزء منه طالما تتم نسبته للمصدر.

خلافاً لكل التوقعات المنذرة بالكارثة، لم يؤدِ الوباء إلى انهيار النظام الصحي في الجزائر، على الرغم من الأوضاع السياسية والمالية المتردية التي تستنهض "الشعب" ضد ما يسمى ب"السيستام" (المنظومة الحاكمة) في الجزائر، المتهمة بالفساد والاستبداد. لكن الوباء كشف هشاشته الكبيرة.

في الواقع، استفاد النظام الصحي أيضاً من نسق تطور الوباء الذي كان إجمالاً بطيئاً و"رحيماً". ووفق آخر حصيلة رسمية أعلنت عنها وزارة الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات (الجهة الوحيدة المخولة بتقديم المعطيات حول الوباء) في 15 نيسان/أبريل 2021 فلقد بلغ إجمالي الإصابات المؤكدة 119142 حالةً، والوفيات 3144 حالةً في بلد يفوق تعداد سكانه 40 مليون نسمة.

لكن الجزائر، التي لا تؤمن بالمعجزات، تظل حذرةً وتراقب بقلق انتشار سلالتين جديدتين للفيروس – "السلالة الإنجليزية" و"السلالة النيجيرية"- ما بين حدودها الشمالية (أوروبا)، وحدودها مع أفريقيا جنوب الصحراء، ما بين مهاجريها والمهاجرين إليها، وكلاهما غير مرحب به في الوقت الراهن. وتتشدد الجزائر في فتح حدودها حتى عندما يتعلق الأمر بمواطنيها.

بعد فترة من الهدوء والاستقرار الوقتيين، بدأ نسق انتشار العدوى في التسارع منذ 15 آذار/ مارس 2021، ليرتفع من 100 حالةٍ مؤكدة في اليوم، إلى 167 حالةً مع أربع وفيات كمعدل يومي.

في انتظار الآتي، وإلى حد الآن، خالف تطور الوباء - الذي يحيّر ويربك خبراء العالم أجمع - التوقعات المنذرة بالكارثة، بما فيها تلك التي أعلنها المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، السيد تيدروس أدهانوم غيبريسوس، في 20 آذار/ مارس 2020 عندما دعا أفريقيا إلى الاستيقاظ والتأهب لأسوأ السيناريوهات... وكأن أفريقيا لا يمكنها إلا أن تستغرق في النوم متجاهلةً العالم المتغير.

وفق آخر حصيلة رسمية أعلنت عنها وزارة الصحة والسكان وإصلاح المستشفيات (الجهة الوحيدة المخولة بتقديم المعطيات حول الوباء) في 15 نيسان/أبريل 2021 فلقد بلغ إجمالي الإصابات المؤكدة 119142 حالةً، والوفيات 3144 حالةً، في بلد يفوق تعداد سكانه 40 مليون نسمة.

لكن بعيداً عن هذه الأحكام المسبقة المتحيزة والراسخة حول أفريقيا "متبلدّة"، فإن هذا الوباء سيكشف على العكس - كما يُظهر ذلك المثال الجزائري - التغيرات العميقة التي تحرك وتهز هذه القارة. إذ إنها تواجه تحولات تتراكم، وتتجمع بشكل يوحي بالانفجار في المستقبل: ما بين التحول الوبائي والتحول الديموغرافي والتحول الاقتصادي من نظام اقتصادي مركزي إلى اقتصاد السوق.

منذ بداية القرن الحادي والعشرين، انتقلت الجزائر من مجابهة الأمراض المعدية - التي تراجعت بفضل حملات التطعيم الشاملة - وتحسين مستوى المعيشة، إلى التعامل مع أمراض مزمنة جديدة متل أمراض القلب والأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم والسكري والسرطان. تطور هرمُ الأعمار بحيث أصبحت نسبة الذين تتجاوز أعمارهم 65 سنةً تناهز 10 في المئة من إجمالي السكان، مما نتج عنه تزايد احتياجات الرعاية الصحية في وقت تتقلص فيه موارد الدولة والضمان الاجتماعي، ويثقل كاهلَ الأسر بأعباء إضافية. والحال أن قطاعات بأكملها من المجتمع تنزلق إلى الفقر أو تزداد فقراً. هذا الوضع جعل الجزائر من أكثر البلدان الأفريقية تأثراً إذا ما نظرنا إلى عدد الوفيات الناجمة عن الإصابة بعدوى الكورونا، لدى من تتجاوز أعمارهم 65 سنةً، كما هو الحال في جنوب أفريقيا التي لا تتجاوز نسبة هذه الشريحة العمرية 5 في المئة من عدد سكانها حسب أرقام منظمة الصحة العالمية.

ستكشف جائحة كوفيد 19 كل التغيرات التي تعتمل في قلب نظام الصحة الجزائري مع توجه لتقوية القطاع الخاص الذي كان فيما مضى أقلياً، وذلك عبر تقسيم فريد للعمل يتم على حساب القطاع العام المهيمن. عمومي/خاص، هكذا اعتاد المخيال الجزائري على فهم نظامه الصحي. في القطاع العمومي المكتظ والمنهك نجد الانتقاد والانتقاص من القيمة، والضغط على أقسام الطوارئ، واحتساب عدد الموتى.. أما في الخاص، فهناك المصحات الجديدة والتحاليل والتشخيص. المجانية والتكلفة في المرفق العمومي، الأرباح والاستثمار في المؤسسات الخاصة. انزلاق سيتأكد أكثر من خلال الكيفية التي تدار بها الجائحة من قبل الذين يحكمون الجزائر، وسط التعتيم والخطابات التي لم تعد تستطيع أن تخفي حقيقة أن هناك ما يشبه التوجه القوي والحتمي نحو تقويض مجانية الرعاية الصحية التي أقرت في 1974.

من التشكك إلى العنف

في آذار/ مارس 2020، عندما تم تحديد أول بؤرة لتفشي عدوى كوفيد - 19 في ولاية بليدة، أدت إلى حدوث أول حالة وفاة - امرأة في 1 آذار/مارس، معلنةً انتشار فيروس "مميت"- أحصت وزارة الصحة، الجهة الوحيدة المخولة بتقديم معطيات حول تطور الوضع الوبائي: 26 حالة وفاة، و409 إصابات مؤكدة خلال الفترة الممتدة من 19 إلى 27 آذار/مارس 2020. انتابت موجة هلع حقيقية شبكات التواصل الاجتماعي، بسبب المنشورات التحذيرية والمنذرة بالكارثة التي نشرها أطباء شباب يعملون في مؤسسات الصحة العمومية، ويدعون فيها إلى اليقظة ويتوسلون الجزائريين، مطلقين نداء "ابقوا في بيوتكم" المخيف، ناقلين هكذا تجربتهم المولّدة للقلق، ومعرفتهم بعدم قدرة مؤسسات الصحة العمومية على قبول وإيواء الحالات الخطيرة التي تعاني من عجز في التنفس.

كشفت جائحة كوفيد 19 كل التغيرات التي تعتمل في قلب نظام الصحة الجزائري، مع توجه لتقوية القطاع الخاص الذي كان فيما مضى أقلياً، وذلك عبر تقسيم فريد للعمل يتم على حساب القطاع العام المهيمن. في القطاع العمومي المكتظ والمنهك، نجد الانتقاد، والانتقاص من قيمته، والضغط على أقسام الطوارئ، واحتساب عدد الموتى.. أما في الخاص، فهناك المصحات الجديدة والتحاليل والتشخيص.

بعدها بسبعة أشهر، أي في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، وعندما أُصيب الرئيس عبد المجيد تبون (75 سنة) بدوره بالمرض، فهو ذهب - كما هو بديهي - للعلاج.. في ألمانيا، سائراً على خطى سلفه عبد العزيز بوتفليقة الذي كان يعالِج قلبه بين سويسرا وفرنسا.

بالنسبة للمجتمع، كانت الرسالة في غاية الوضوح: لا الأطقم الصحية ولا حكام البلاد لديهم ثقة في نظام الصحة الجزائري. رسالةٌ كانت لها آثار وخيمة، فاقمت تفكك الروابط الاجتماعية بين المجتمع والمرافق العمومية، وأدت إلى نبذ الدولة المتماهية مع الحكومة وطبقتها الحاكمة الكريهة والمكروهة.

تحولت هذه الأوضاع إلى مولد حقيقي لانعدام الأمن والعنف اللذين سيمسّان حتى المستشفيات التي شهدت أقسام الطوارئ فيها تهجم الناس المنكوبين على العاملات – وهنّ أغلبية - والعاملين في قطاع الصحة.

"الأوضاع تزداد سوءاً في ظل تطور الحالة الوبائية، يعبر بقلق الياس مرابط، رئيس النقابة الوطنية لممارسي الصحة العمومية، على أعمدة جريدة "ليبيرتيه" اليومية في 16/07/2020 أي بعد أربعة أشهر بالكاد من بداية انتشار الوباء. الموظفون المنهكون أصلاً يعيشون أوضاعا عصيبة، فهم يعملون تحت الضغط وتنقصهم الإمكانيات ولا يمكنهم التمتع بإجازات (...) ويظلون بعيدين عن أقربائهم. ويضاف إلى كل هذا خشيتهم من الإصابة بالمرض".

بذهاب الرئيس تبّون للعلاج في ألمانيا حين أُصيب بكوفيد، بعد نداء الأطقم الصحية للمواطنين إلى البقاء في بيوتهم كانت الرسالة واضحةً: لا الأطباء ولا حكام البلاد لديهم ثقة في نظام الصحة الجزائري. وهذه الرسالة فاقمت تفكك الروابط الاجتماعية بين المجتمع والمرافق العمومية، وأدت إلى نبذ الدولة المتماهية مع الحكومة، وطبقتها الحاكمة الكريهة والمكروهة.

هكذا تصادمت شريحتان هشتّان: المعالِجون في مواجهة المرضى. ولكن هذا الصدام لم يشمل كل القطاع الصحي، بل إنه تركز بشكل شبه حصري في مؤسسات الصحة العمومية - وهي الغالبة في الجزائر - حتى إن محمد الميرواي، وزير الصحة آنذاك، عبّر عن اندهاشه من الأمر وتساءل - كما نقلت عنه برقية لوكالة الأنباء الجزائرية في 30 تموز/ يوليو 2020 - عن "سبب اختلاف سلوك المواطنين ما بين القطاع العمومي والقطاع الخاص (...) حيث إن مرافقي المريض يعتدون (...) على العاملين في القطاع العام، على الرغم من مجانية الرعاية الطبية التي توفر لهم، لكنهم يتصرفون باحترام عندما يتعلق الأمر بالقطاع الخاص".

وهذه وضعيةٌ أكثر ظلماً من المعتاد، خاصةً وأن طواقم الصحة العمومية هي التي ستتجند وتواجه الوباء، "المحاربون "أصحاب المآزر البيضاء" العاملون في القطاع العمومي برهنوا بشكل جلّي على إنسانيتهم وحرفيتهم منذ بداية الجائحة في الجزائر. أطباء القطاع الخاص ساهموا أيضاً في رعاية المرضى، تشير زليخة سنوسي، الباحثة في "مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية" (1) ، قبل أن تستدرك موضحة "لكن هناك أطباء في هذا القطاع فضّلوا إغلاق عياداتهم على الرغم من إقرار الحكومة إجبارية "مواصلة نشاطهم حتى لا يضعوا أنفسهم تحت طائلة الملاحقة الجزائية، والسحب الفوري والنهائي لكل شهاداتهم وتراخيص ممارسة المهنة"، بعد المصادقة على المرسومين التنفيذيين 70-2020 (بتاريخ 24 آذار/مارس 2020) و86-2020 (بتاريخ 2 نيسان/أبريل 2020). كان هؤلاء الأطباء يخشون – وبعضهم لأسباب وجيهة - من العدوى في فترة كانت فيها وسائل الوقاية ما تزال شحيحةً في السوق.

إلى حدود 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2020، بلغ عدد المصابين بالكورونا في صفوف العاملين في مجال الصحة 9146 حالةً، وتوفي منهم 120 شخصاً حسب التقديرات التي قدمها الدكتور جمال فورار، الناطق الرسمي للجنة رصد ومتابعة فيروس كورونا.

"المحاربون"، أصحاب المآزر البيضاء، العاملون في القطاع العمومي، برهنوا بشكل جلّي على إنسانيتهم وحرفيتهم منذ بداية الجائحة في الجزائر.

ماذا كان جواب الحكومة إزاء كل هذه المحن؟ القمع. وذلك عبر إثقال قانون العقوبات بأحكام جديدة وعقوبات سجنية تتراوح مدتها بين عامين وعشرين عاماً، بهدف ضمان "حماية جزائية" لموظفي الصحة كما ينص على ذلك الأمر الرئاسي الصادر في 30 تموز/ يوليو 2020 دون أي مناقشة في البرلمان عديم الفائدة، والذي تم حلّه منذ ذلك الوقت في انتظار الانتخابات التشريعية التي يفترض أن تنظم في حزيران/يونيو 2021.

نادرةٌ هي الأصوات التي ارتفعت لتعبر بشكل علني عن استنكارها، كما فعل البروفيسور فريد شاوي، وهو مختص في أمراض المعدة والأمعاء، ومعروف بحسه النقدي ويحظى بالاحترام: "كيف كان يتوجب أن نتصرف إزاء هذه الكارثة؟ بالقمع أو عبر إعادة بناء الثقة التي لا مكان بدونها لأي حل مستدام؟". وذكّر شاوي بأن "عدم القيام بإصلاحات هيكلية في الوقت المناسب، جعل ظروف العمل البائسة - بالنسبة للمعالِجين - وظروف الاستقبال المخزية - بالنسبة للمستعلمِين- تؤدي إلى فقدان ثقة متبادل بين مختلف الفاعلين في المنظومة، استياءٌ عام لدى الطواقم الصحية كما الإدارة والممولين وطبعاً المستعملين. هؤلاء المستعملون هم الذين يدفعون الفاتورة الأثقل، إذ إنهم أصبحوا دخلاء غير مرحب بهم في المنظومة العمومية للرعاية الصحية، و"زبائن" تفرض عليهم فواتير باهظة في القطاع الخاص. "مريض غير مرحب به" في القطاع العمومي، و"مريض مستنزف" في القطاع الخاص. هذان هما الاختياران المتاحان لكل من يرغب في تلقي العلاج في الجزائر، ضمن ديناميات جديدة يسميها محمد مبتول، المختص في أنثروبولوجيا الصحة، بعبارة موجزة وبليغة "سوق رعاية صحية مشوه"، هو المحرك الرئيسي - بشكل "سريع وعنيف" - لـ"تحول هام" بدأ منذ عقد التسعينيات الفائت.

بين العمومي والخاص

أصبح تحديد السياسات الصحية الوطنية يخضع أكثر فأكثر للإكراهات والضغوط الخارجية التي تقود السلطات العمومية إلى التركيز الواضح على خطاب رسمي يتمحور حول "إدماج" قطاع الرعاية الصحية الخاص في النظام الصحي الرسمي. بعبارة أخرى، يتعلق الأمر بالتوفيق بين طريقة تنظيم مركزية وبيروقراطية - تلك التي تدار بها المستشفيات - وقطاع رعاية صحية "مسموح له" بالتطور برضا وموافقة السلطات العمومية. وبما أن هذا التوفيق يعد ضرباً من المستحيل، فإن الغاية الأكثر وضوحاً هي التوصل إلى "سلم اجتماعي" بين البيروقراطية الصحية والقطاع الخاص، مما ينتج عنه "سوق الرعاية الصحية المشوه" هذا، كما يشرح البروفيسور مبتول.

قبل انفتاح 1988، كان القطاع الطبي الخاص محدوداً جداً، ويتمثل أساساً في عيادات الطب العام، ولم تكن هناك عيادات طب اختصاص ومصحات خاصة، وهذا كان هشاً مقارنة بنظام الرعاية الصحية العمومي المنظم وفق بنية هرمية تنطلق من مراكز الرعاية الصحية المنتشرة في كل أرجاء البلاد، وصولاً إلى المراكز الاستشفائية الجامعية - وهي أقل عدداً بكثير. أدى الترخيص بإنشاء مصحات خاصة متخصصة في 1988 إلى تغيير المعطيات بشكل كلي. في البداية، كان نسق انتشار هذه المصحات خجولاً، ثم تسارع بقوة مع إقرار برنامج الإصلاح الهيكلي في 1994 وإعادة تحديد دور الدولة.

أصبح تحديد السياسات الصحية الوطنية يخضع أكثر فأكثر للإكراهات والضغوط الخارجية، التي تقود السلطات العمومية إلى التركيز الواضح على خطاب رسمي يتمحور حول "إدماج" قطاع الرعاية الصحية الخاص في النظام الصحي الرسمي. بعبارة أخرى، يتعلق الأمر بالتوفيق بين طريقة تنظيم مركزية وبيروقراطية - تلك التي تدار بها المستشفيات - وقطاع رعاية صحية "مسموح له" بالتطور برضا وموافقة السلطات العمومية.

تقول زليخة سنوسي "وهكذا، سيتنامى إنشاء المصحات بمعدل 14 مصحةً سنوياً ما بين 1988 و2006. ومنذ 2007 أصبح المعدل في حدود تسع مصحات سنوياً، ليبلغ في 2015 عددها 237 مصحةً طبية-جراحية، و33 مصحةً طبية تعمل إلى جانب 8352 عيادة فحوص مختصة، و6901 عيادة طب عام، و6144 عيادة طب أسنان (...). وفي 2005 أحصينا 148 مركزاً لتصفية الدم بعد توقيع مؤسسة الضمان الاجتماعي اتفاقيةً تتكفل بمقتضاها بمصاريف رعاية المرضى".

هذا التخصص للقطاع الحر باتجاه الأمراض المزمنة اعتماداً على التكنولوجيا المتجددة وغير المتوفرة بشكل كاف أو المعطوبة في أغلب الأحيان في أقسام القطاع العمومي المكتظة، مثل الماسح الضوئي الطبي (السكانر) والفحص المنظاري للقولون والمنظار البطني والتصوير بالرنين المغناطيسي، الخ... "ليست الإمكانيات ما ينقصنا"، يقدّر المختص في الأمراض المعدية محمد اليوسفي، رئيس قسم في مستشفى بوفاريك، ورئيس النقابة الوطنية للممارسين الأخصائيين للصحة العمومية، "وحتى وإن كانت غير كافية، بل ما ينقصنا هو التنظيم والإرادة السياسية". وهذا له تأثير على مكانة الأطباء المختصين الذين يتنافس القطاعان الحر والعمومي للظفر بخدماتهم. مثلاً، يسمح القانون، منذ سنة 1999، لأطباء الاختصاص الممارسين في القطاع العمومي بتقديم خدماتهم لهذه المصحات الجديدة عبر "النشاط التكميلي".

"هذه كارثة، كما يعتبرها الدكتور يوسفي، كنّا كنقابيين ضد هذا القرار وقلنا: ستدمرون ما تبقى من الصحة العمومية. تحول النشاط التكميلي إلى تكملة للراتب الشهري. لكن وبما أن صندوق النقد الدولي كان يفرض شروطه في تلك الفترة، وأجور الناس كانت متدنية، تمّ التغاضي عن الأمر. في البداية كان أطباء الاختصاص هم فقط المعنيون بهذا القرار، لكن اليوم، الجميع يعملون لحساب القطاع الخاص، من الكوادر شبه الطبية وصولاً إلى الحراس. هناك شرطان لتطبيق هذا النشاط التكميلي حتى لا تكون هناك انحرافات: إدارة قوية ومجلس عمادة أطباء قوي، وهذان غير متوفرين. انحرفت الأمور بشكل كامل: عدم احترام للشروط التي ضبطها القانون بما يتعلق بمدة النشاط التكميلي، والحضور في الأقسام، ووضع أسماء الأطباء على الوصفات والشهادات الطبية من أجل التصريح الضريبي، وهذا طبعاً له تأثيراته على المرافق العمومية". في 2010 أضيف إجراءٌ ثان في المنحى نفسه، "النشاط الربحي" الذين(الذي)يسمح للأطباء الممارسين في المؤسسات الاستشفائية الجامعية وأطباء الاختصاص - وهذا يشمل رؤساء الأقسام والوحدات - العاملين في القطاع العمومي بممارسة نشاط ربحي في المؤسسات الصحية الخاصة في عطلة نهاية الأسبوع والعطل الرسمية. ويلخص البروفيسور مبتول الوضع قائلاً: "في التداخلات بين المنطق الاجتماعي لكل من السلطات العمومية وأطباء الاختصاص، تظهر جلياً غلبة سوق رعاية صحية مشوه، هو الذي يقف وراء تقوية القطاع الخاص الذي يتعذى من مواطن الخلل والعجز في المستشفيات، وكذلك من طريقة تنظيم وإدارة بيروقراطية وممركزة للنظام الصحي. وقد برزت هذه التداخلات بشكل حاد مع الجائحة".

"بي. سي. آر" و"سكانر" (الماسح الضوئي الطبي)

عند بداية ظهور الجائحة، وحده "معهد باستور" في الجزائر العاصمة كان قادراً على إجراء فحص اختبار العينات الموحد (PCR/RT) قبل أن يتم تركيز ثلاثين مخبراً ملحقاً، مجهزاً بالإمكانيات الضرورية، حتى وإن لم يكن توزيعها متساوياً عبر مناطق البلاد، للوصول إلى إجراء 2000 اختبار كمعدل يومي. هذه القدرات أصبحت غير كافية مع تتابع انتشار الفيروس بين فترات الذروة (حتى 600 حالة في اليوم) والهدوء، خاصّةً وأن المستشفيات، على الرغم من جهودها، ستجد نفسها في مواجهة متكررة مع ندرة أو نفاذ مخزون أدوات التشخيص والكواشف الكيميائية والمستهلكات الطبية. ونجد في الصحافة الجزائرية صدًى متكرر لمحنة المستشفيات. وبانتظار تغير الأمور، وفي ظل غياب البدائل، كان المسح الضوئي الطبي للقفص الصدري هو الحل المنصوح به لتقصي الإصابة بالعدوى دون أي ضمانة لدقة التشخيص. أما المرضى القلقون والمشتبه بإصابتهم بالفيروس، فلم يكن أمامهم من ملجأ غير المصحات الخاصة. وإزاء هذا الوضع، أصدرت اللجنة العلمية لمتابعة ورصد فيروس كورونا، بعد فترة قصيرة وبالإجماع، "توصيات للإدارة العامة لهياكل الصحة في الوزارة بصياغة استراتيجية، بالتنسيق مع المسؤولين، حول شروط وكيفية إجراء هذا الفحص". لغة خشبية لكنها ناجعة. ففي الثاني من تموز/ يوليو 2020 أعلنت وزارة الصحة أن "المخابر التي تتبع القطاع الخاص أصبح بإمكانها القيام بتحليل اختبار "بي سي آر " لتقصي كوفيد-19.

 وفي وقت قياسي أصبحت عشرات المخابر الخاصة تعرض خدماتها دون أي ندرة أو نفاذ مخزون... لكن التسعيرات المعتمدة ستثير السخط إلى درجة أجبرت حكومة الدكتور عبد العزيز جراد على التفاوض مع القطاع الخاص. وكانت حصيلة المفاوضات برقيةً مقتضبة نشرتها وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية: "تم تسقيف أسعار فحوصات السكانر والتحاليل البيولوجية للكشف عن فيروس كورونا، وهذا بموجب اتفاقية تم إبرامها بين وزارة الصحة وجمعية أطباء مراكز الأشعة وممثلي 11 مخبراً بيولوجياً". وبناءً على هذه الاتفاقية، أصبح سعر الفحوصات بالسكانر في حدود 7000 دينار جزائري وتحاليل "بي.سي.آر" 8800 دينار، وفحوصات الأجسام المضادة 3600 دينار، والاختبارات المصلية ب 2200 دينار.

ما انفكت نسبة مساهمة الأسر في مصاريف الصحة تتنامى، لترتفع من 10 في المئة في سبعينيات القرن الفائت إلى حوالي 40 في المئة في الوقت الحاضر.

في القطاع العام كان كل شيء مجانياً. وهكذا أصبحت هذه الاختبارات التي لا تتكفل مؤسسات الضمان الاجتماعي بمصاريفها عبئاً جديداً في بلاد تعاني من بطالة مزمنة تفاقمت مع فقدان 500 ألف عامل لوظائفهم بسبب الجائحة. ما انفكت نسبة مساهمة الأسر في مصاريف الصحة تتنامى لترتفع من 10 في المئة في سبعينيات القرن الفائت إلى حوالي 40 في المئة في الوقت الحاضر. وهذا ما دفع البروفيسور فريد شاوي لأن يكتب: "إنها نهاية الرعاية الصحية المجانية"، مضيفاً: " في البداية كنت أعتقد أنه انحراف مرتبط بغياب سياسة صحية، لكن عندما ننظر إلى مختلف المراحل التي مر بها النظام الصحي، ندرك أنها سياسةٌ متعمدة تتمثل في إثقال كاهل الأسر بنصيب متنامٍ من مصاريف الصحة".

"سياسة متعمدة" يضاف إليها حجر صحي تسلطي، وغير ممكن لأغلبية المعوزين في ظل أزمة السكن، والبطالة التي تقدر نسبتها المتوسطة بحوالي 25 في المئة من إجمالي السكان النشطين، والاقتصاد غير المهيكل الذي يشغل 40 في المئة ممن هم في سن العمل (حسب إحصائيات البنك الدولي).. وكل هذا وسط انغلاق أمني فاقمته الأزمة الصحية. ومنذ 18 شباط / فبراير 2021، أغلقت كل الحدود أمام الجزائريين الذين لم يعد بإمكانهم الدخول أو حتى الخروج بدون "رخصة خروج" أقرّت في الخفاء، ويخضع تسليمها إلى قرار وزارة الداخلية وحدها. وهكذا تحقق الجزائر المريضة إحدى أحلام الشرطة.

محتوى هذا المقال هو مسؤولية السفير العربي ولا يعبّر بالضرورة عن موقف مؤسسة روزا لكسمبورغ.

ترجمه عن الفرنسية: محمد رامي عبد المولى

______________

[1] النظام الصحي الجزائري في مواجهة أزمة كوفيد-19 الصحية"، نشر بالفرنسية في كراسات الباحثة في "مركز البحث في الاقتصاد المطبق من أجل التنمية"، المجلد 30، العدد الثالث، 2020. file:///C:/Users/Lenovo/Downloads/202240-Article%20Text-506465-1-10-20201215.pdf
[2] أستاذة في كلية العلوم الاقتصادية والتجارية وعلوم التسيير في جامعة الجيلالي بونعامة خميس، في مليانة 

مقالات من الجزائر

للكاتب نفسه

الصحافي ليسَ شرطيّاً… دائماً

في العاشر من آب/أغسطس، انتهت محاكمة الصحافي الجزائري خالد درارني، الذي كان موقوفاً احتياطياً منذ آذار/مارس، مع بداية الحراك الذي انطلق في 22 شباط/فبراير. حُكم عليه بثلاث سنوات حبس بتهم...

اﻷﺳﻼف يمنحوننا الصُدف السعيدة

ﺳﺒﺐ وﺟﻮدﻧﺎ ﻫﻨﺎ اﻟﯿﻮم: ﻟﻨﺪﻓﻦ، ﻓﺮدﯾﺎً وﺟﻤﺎﻋﯿﺎً، 24 رأﺳﺎً ﺑﺪون أجسادها*، "ﺑﻘﺎﯾﺎ" كما يُكتب ﻫﻨﺎ وﻫﻨﺎك. ﺑﻘﺎﯾﺎ ﻣﻦ ﻣﺎذا؟ ﺑﻘﺎﯾﺎ ﻗﺮن وﻧﺼﻒ، وبقايا ﺛﻼﺛﺔ أرﺑﺎع تاريخٍ، ﺗﻨﺘﻈﺮ ﻓﻲ ﻣﺴﺘﻮدﻋﺎت اﻟﻐﺒﺎر.