محاكم التظاهر في مصر.. مشهد داخلي يكشف مرارة الواقع خارجه

هنا نتحدّث عن قاعة محكمة، داخلها يقبع الخوف والرجاء، الحق والظلم، شاهدا الإثبات والنفي، المنصة والقفص.. وفي الخطوط الفاصلة بين هذه الثنائيات يصدر الحكم ويعيد تشكيل مصير انسان. المكان: معهد أمناء الشرطة بمنطقة السجون في طرة. القضية المعروفة إعلامياً بـ "معتقلي أحداث مجلس الشورى" المتهم فيها 25 من شباب الثورة في مصر من بينهم الناشط السياسي المعروف علاء عبد الفتاح. الزمان:
2015-01-11

منى سليم

كاتبة وصحافية من مصر


شارك
| en
(من الانترنت)

هنا نتحدّث عن قاعة محكمة، داخلها يقبع الخوف والرجاء، الحق والظلم، شاهدا الإثبات والنفي، المنصة والقفص.. وفي الخطوط الفاصلة بين هذه الثنائيات يصدر الحكم ويعيد تشكيل مصير انسان.
المكان: معهد أمناء الشرطة بمنطقة السجون في طرة. القضية المعروفة إعلامياً بـ "معتقلي أحداث مجلس الشورى" المتهم فيها 25 من شباب الثورة في مصر من بينهم الناشط السياسي المعروف علاء عبد الفتاح.
الزمان: كانون الاول/ ديسمبر 2014 (بعد عام كامل من بدء إجراءت اولى المحاكمات في مصر على خلفية قانون التظاهر)
التفاصيل: قفص كبير مدجج بالأسلاك والحواجز الزجاجية، يحميه عشرات العساكر وبداخله 25 شاباً في ملابس بيضاء.
يدخل القاضي من الباب الصغير وينادي على اسم شاهد الإثبات الاول (ضابط شرطة) يدخل من الباب الصغير نفسه. لكنه يدخل هو وعدد من الضباط، يحتشدون على مدخل الباب المفتوح، رغم مخالفة هذا لقواعد المحاكمة، ويتحركون بلا مبالاة رغم تحذير القاضي لهم.
عام كامل مرّ على بدء إجراءات التقاضي في هذه القضية، أو بالأحرى إعادة المحاكمة بعد صدور حكم على جميع المتهمين بالسجن 15 عاماً وغرامة 100 ألف جنيه بتهمة الاعتداء على أفراد الأمن أثناء ممارسة عملهم وقطع الطريق والتظاهر من دون ترخيص.
وقد سرى المنطق على مدار عام، فكان الحصاد 1578 شخصاً قبض عليهم بتهمة خرق قانون التظاهر، وفق إحصاءات موقع "ويكي ثورة" ـ وهو الجهد الحقوقي التطوّعي المختص بتوثيق كل ما يتعلق بالحياة السياسية والعامة في مصر ـ وذلك في تسعة أشهر، منذ إصدار القانون وحتى 25 آذار/مارس 2014. وخلال 95 جلسة محاكمة من الدرجة الأولى لمن تمّ القبض عليهم، تم الحكم ببراءة 309 من المتهمين، والحكم بإدانة 630، بينما لم تتم إحالة 219 متهماً إلى المحكمة. وخلال الأحكام النهائية، أدانت المحكمة 99 متهماً، بينما صدر حكم ببراءة 4 فقط، ولم تتم إحالة 495 متهماً إلى المحكمة. وبهذا يكون إجمالي أحكام الإدانة التي صدرت بموجب قانون التظاهر قد بلغ 67 في المئة من الأحكام.. وهو حصاد سمح بتشكيل مشاهد متحركة داخل المحاكم المصرية التي تنظر في نوع جديد من القضايا اسمه "التظاهر دون ترخيص". وتبقى قضية "مجلس الشورى" هي الأنسب لشرح هذا المشهد وتصنيفه، ليس فقط بصفتها القضية الأولى في هذا المجال، ولكن لأنها "الأكبر حجماً" أيضاً بالنسبة لكل الأطراف. وهي الفيصل الرئيس لحسم أغلب المجموعات الثورية الشبابية لموقفها من النظام الذي تشكل منذ 3 يوليو، على الرغم من كونها خارج المعسكر الداعم لعودة الرئيس المعزول محمد مرسي. وهي أصوات رافضة لسياسات السلطة الحالية منذ خطاب "التفويض" الشهير للمشير عبد الفتاح السيسي (بصفته وزيراً للدفاع فى 23 تموز/ يوليو 2013). وقد تمّ القبض على أفراد منهم بل ورموز مثل الناشط السياسي علاء عبد الفتاح، ومهاجمة تحركاتهم تحديداً منذ تلك الوقفة في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2013.
بالاتجاه المقابل، ووفق أدبيات المعسكر الداعم للنظام، فإن حالة إشاعة الفوضى والتعبير الدائم عن المطالب بالتظاهر لم يعد مسموحاً بها لكلفتها بالنسبة لدولة تحاول أن تلملم شتات نفسها بعد 4 سنوات من الهزات العنيفة. وأن كل ما يحتاجه الشعب من النظام الحالي الآن هو "الاستقرار". ويرفض هذا المعسكر وفق منطقه أي جدل حول إلزامية تحقيق "العدل" قبل إقرار "الاستقرار" بل يرى نفسه يقود ـ وحده ـ تحقيق "المصلحة الوطنية" وعلى الجميع أن يتبعه أو يصبح عدواً للوطن.
لم تقتصر لائحة الاتهام التي تمّت وفقها إحالة المتهمين للمحكمة على خرق قانون التظاهر وحده، بل تراصّ إلى جانبها عدد آخر من التهم، تحوّلت الى قائمة ثابتة مثل: الاعتداء على قوات الأمن ورجال الشرطة ـ قطع الطريق العام ـ تخريب الممتلكات ـ التحريض ضد مؤسسات الدولة كالداخلية والقضاء بترديد هتافات معادية. كما تم تفصيل تلك اللائحة بشكل محكم ليصدر حكم سريع في أقل من ستة أشهر بالسجن 15 عاماً وبالغرامة 100 ألف جنيه لـ 25 من المتهمين، وهو حكم يحتاج الى كثير من التأمل إذا ما تمّت مقارنته بما جاء في نصوص قانون خرق التظاهر وحده (القانون 107 لسنة 2013) والتي نصت على أنه يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تتجاوز 5 سنين وغرامة 50 ألف إلى 100 ألف لكل من خالف الحظر المنصوص عليه في المادة السابعة من القانون، كذلك المادة 21 والتي تنص على أنه يُعاقب بالغرامة التي لا تقل عن 10 آلاف جنيه ولا تتجاوز 30 ألفًا كل من دعا لمظاهرة من دون إخطار.
وقد صدر الحكم الأول بالقضية غيابياً ضد ثلاثة من المتهمين هم علاء عبد الفتاح ووائل الكومي ومحمد النوبي رغم تواجدهم امام قاعة المحكمة والتعطيل العمدي لقوات التأمين من الشرطة لهم عن الدخول فيصدر الحكم حتى قبل دخول هيئة الدفاع نفسها.
ولأسباب تتعلق بحملات الضغط السياسي والإضراب عن الطعام داخل السجون وخارجه، او لتوازنات دولية، أو لموقف عقائدي للقاضي.. فقد أصدر هذا الأخير قراراً بإخلاء السبيل والتنحي عن القضية، لتبدأ إجراءات إعادة المحاكمة أمام دائرة أخرى كانت أولى قراراتها هي حبس جميع المتهمين احتياطياً على ذمة القضية، وهو ما دفع هيئة الدفاع ممثلة هذه المرة بالمحامي الحقوقي عمرو إمام للالتماس من هيئة المحكمة الحفاظ على هيبة القضاء نفسه وإصدار حكم بإخلاء سبيل جميع الموقوفين لانتفاء أسباب حبسهم احتياطياً، وقد أثبتوا اولاً حسن النية بحضورهم جميعاً للجلسة التي تم فيها القبض عليهم وعدم محاولة أي منهم الهرب خارج البلاد.. ورغم هذا تتوالى الجلسات ويستمر الحبس الاحتياطي.
وكانت جلسة الاستماع لشهود الإثبات ـ وهم عشرة من ضباط الشرطة ـ تحمل الكثير من الدلالات كتذكير الشاهد الأول بأقواله، ما يثير سؤال جدية شهادته، وهو مَن شهد بقيام المتهم الأول علاء عبد الفتاح بالاعتداء عليه بالضرب وسرقة جهازه اللاسلكي، وأيضاً عدم التوقف أمام رفض الشاهد قبل الأخير الردّ على سؤال "لماذا لم تسرع لنجدة زميلك الضابط الذي قلت إنك شاهدت الاعتداء عليه من مسافة لا تزيد عن مترين؟".
دلائل أخرى يحملها هذا المشهد المفتوح النهايات داخل المحكمة، لكن قد يكون من الأنسب ان نختم من نقطة البدء، فسيارة الترحيلات حملت الموقوفين من سجنهم الى حيث تمنوا العدل والحرية.. أي الى قاعة المحكمة.. ففوجئوا بأنهم داخل قاعة ضيقة بمعهد إعداد أمناء الشرطة بمنطقة السجون الشهيرة بـ "طرة"!

 

مقالات من مصر

للكاتب نفسه