ثورة "11 فبراير" في اليمن.. من سرق "علبة فول" الشعب؟

نبدأ من الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير، حين زلزل هتاف "الشعب يريد إسقاط النظام" في تونس كرسي الرئيس زين العابدين بن علي، مجبراً إياه على التنحي ومغادرة البلاد. في مساء اليوم نفسه، أظهر مقطع فيديو عدداً قليلاً من الشباب في أحد أحياء القاهرة، يهتفون: "ثورة ثورة حتى النصر.. ثورة فْ كل شوارع مصر"... لم تكن شوارع صنعاء حينها هادئة.
2021-02-10

لطف الصرّاري

قاص وصحافي من اليمن


شارك
ساحة التغيير، صنعاء/اليمن شباط/فبراير 2011.

مرت عشر سنوات على ثورة 11 شباط/ فبراير 2011، في اليمن. في ذلك اليوم، أجبر المحتجون في مصر الرئيس حسني مبارك على التنحي عن الرئاسة، بينما كان المحتجون في اليمن ما زالوا مستمرين في الخروج بمظاهرات يومية لتثبيت ساحة للاعتصام ضد نظام الرئيس آنذاك، علي عبد الله صالح.

كان العام 2011 محطة تاريخية فاصلة بين زمن قامت فيه ثورتي "26 سبتمبر 1962" ضد الحاكم المستبد و"14 أكتوبر "1963 ضد المستعمر، وبين زمن تفجرت فيه طاقات المجتمع اليمني وفاض صبره عفوياً، فخرج للمطالبة بمواطنة متساوية وبالعدالة الاجتماعية وعدم استئثار النافذين بالثروة والسلطة. خرج الناس ضد الفساد والمحسوبية، المحميّيْن بالقبضة الأمنية وبنفوذ كبار مشائخ القبائل، الذي أتى على مكتسبات الثورتين بالتظافر مع ما تشكّل له من رأس مال خاص، خرجوا ضد التعامل مع المواطن كصوت في صندوق الاقتراع لإعادة تدوير السلطة الفاسدة نفسها. فكيف حدث الأمر؟

لنبدأ من الرابع عشر من كانون الثاني/ يناير، حين زلزل هتاف "الشعب يريد إسقاط النظام" في تونس كرسي الرئيس زين العابدين بن علي، مجبراً إياه على التنحي ومغادرة البلاد. في مساء اليوم نفسه، أظهر مقطع فيديو عدداً قليلاً من الشباب في أحد أحياء القاهرة، يهتفون: "ثورة ثورة حتى النصر.. ثورة فْ كل شوارع مصر".

لم تكن شوارع صنعاء حينها هادئة. فقد كان حشد من الشباب غير المنظمين حزبياً، يخرجون في مظاهرات يومية، لكن القبضة الأمنية لنظام صالح لم تمكّنهم من اتخاذ مكان للاعتصام المفتوح، ناهيك عن إصرار المتظاهرين على الوصول إلى ميدان التحرير وسط العاصمة، المكان الذي كانت قوات الأمن ومؤيدو صالح يحولون دون الوصول إليه، حتى اتخذه الأخيرون لاحقاً مكان اعتصام مفتوح لهم.

كانت شرارة الاحتجاجات تتطاير نحو عواصم المحافظات الأخرى، خاصة تعز، وعدن التي كانت تفور منذ العام 2007، باحتجاجات مستمرة للحراك الجنوبي السلمي، ضد مركزة السلطة في الشمال، وتغوّل القوى المنتصرة في حرب صيف 1994. هكذا مرت الأيام ببطء شديد ومظاهرات منكسرة، حتى أُجبر الرئيس المصري حسني مبارك، على بث خطاب تنحّيه عن الحكم بلسان عمر سليمان، في 11 شباط/ فبراير 2011.

مساء ذلك اليوم، خرج المحتجون في المدن اليمنية الثلاث ابتهاجاً بانتصار ثورتين سلميتين في غضون شهر أو أقل. في صنعاء وعدن تمّ قمعهم، فلم يتمكنوا من اتخاذ مكان للاعتصام المفتوح، وفي تعز، أصرّت مجموعة من المحتجين على الوصول إلى أمام ديوان المحافظة ولم يبارحوا مكانهم حتى تم إطفاء الكهرباء على الحي والأحياء المجاورة، بما في ذلك إنارة الشوارع. لكن عدداً من أولئك الشباب عادوا إلى وسط المدينة، حيث الساحة الصغيرة المخصصة لموقف "دي لوكس" لحافلات النقل الصغيرة داخل المدينة. هناك افترشوا قطع الكرتون، وأظهرت الصور بعضهم يتناولون عشاءهم المتواضع: خبز الصاج في أكياس بلاستيكية شفافة، وشاياً في كؤوس بلاستيكية وصفائح من علب الفول المفرغة. في صباح اليوم التالي، اعتقلت شرطة المدينة مجموعة منهم، وأفاد شهود عيان حينها، أن أولئك الشبان تعرضوا للتهكم من بعض المارة طيلة الليل، فيما كان آخرون يشدّون على أيديهم، وظلت دورية للشرطة تراقبهم على مقربة حتى الصباح. تطلّب الأمر أسبوعاً آخر من الاحتجاجات اليومية حتى تدخّل بعض قادة أحزاب "اللقاء المشترك" المعارض، لدى السلطة المحلية، التي سمحت للمحتجين بالاعتصام في ساحة أصغر من السابقة ضمن الأحياء الشرقية للمدينة، وهي صارت تُعرف باسم "ساحة الحرية".

بعدها بيومين، تمكن المحتجون في صنعاء من فرض اعتصامهم في الشارع "الدائري" أمام البوابة الشرقية لجامعة صنعاء. أما عدن، فكان تأسيس ساحة الاعتصام فيها معفّراً بدماء أول شهيد في "ثورة فبراير"، وكم كان مؤلماً لجميع اليمنيين ذلك القمع الدموي الذي واجهه المحتجون في عدن. لكن، وبعد التصعيد الإعلامي والشعبي ضد الإفراط في قمع المحتجين في الجنوب أكثر من الشمال، صعّدت قوات الأمن من قمعها الدموي في جميع أنحاء البلاد! وهكذا سرت شرارة الثورة إلى كل مدن اليمن وأريافها، التي تدفق الآلاف من سكانها على ساحات الاعتصام رغبة في التغيير والانعتاق من حالة الموت البطيء الذي كان يعيشه اليمنيون على جميع المستويات.

كانت شرارة الاحتجاجات تتطاير نحو عواصم المحافظات الأخرى، خاصة تعز، وعدن التي كانت تفور، منذ العام 2007، باحتجاجات مستمرة ضد مركزة السلطة في الشمال، وتغوّل القوى المنتصرة في حرب صيف 1994. هكذا مرت الأيام ببطء شديد ومظاهرات منكسرة، حتى أُجبر الرئيس المصري حسني مبارك، على بث خطاب تنحّيه عن الحكم بلسان عمر سليمان، في 11 شباط/ فبراير 2011.

سببت المظاهرات والاعتصامات السلمية حالة إرباك للنظام، لكنه استمر في القمع والاستهانة بإرادة الشعب. إنه الدرس الذي لا يستفيد منه الحاكم العربي على تعاقب وتنوع أنظمة الحكم. يصرخ الناس: نريد حياة كريمة، فترد السلطة الحاكمة بالرصاص والعصي الكهربائية، واعتقال المحتجين بتهمة الارتزاق والعمالة لدول أخرى! الدرس التاريخي مفاده: لا قوة تستطيع التغلب على إرادة الشعب، لكن كان صالح أحد الحكام الذين فاتتهم الاستفادة من دروس التاريخ. إذ استمر في مناورة وقمع إرادة شعبه في التغيير، لمجرد أن بعض قادة المعارضة، وبعض رجال نظامه أيضاً، قفزوا إلى واجهة ثورة شعبية حافظت على سلميّتها حتى تمكن من جرها وجرّ أولئك القادة إلى مربع المواجهة المسلحة. هل كان بالإمكان أفضل مما كان؟ بالتأكيد، لكن الاستبداد ينبوع غباء لا ينضب. وقد رأينا مناورات جميع أنظمة الحكم التي ثارت ضدها شعوبها في 2011: كيف ظلت متمسكة بالسلطة حتى الرمق الأخير، لدرجة أن استجابة بن علي ومبارك لخيار التنحّي عن الحكم، بدت، مقارنة بتصلب علي عبد الله صالح وبشار الأسد ومعمر القذافي، بمثابة "حسنة أخيرة" لديكتاتوريَين معاصرين. وبعد ثماني سنوات، حين اندلعت ثورات مماثلة في الجزائر والسودان ولبنان والعراق، رأينا كيف كررت الديكتاتورية العربية الصيغ نفسها من التهم الجاهزة بالعمالة ضد المحتجين، وكيف مارست القمع المفرط وتحريض الرأي العام ضدهم، والاحتيال على مطالبهم البسيطة والمشروعة.

ذاكرة للثورة

يقول الدكتور محمد علي الشهاري في كتابه "نظرة في بعض قضايا الثورة اليمنية"، إن "زمن الثورة الساخن... لحظات قيامها والأسابيع والأشهر التالية لقيامها، هو أخطر حلقة في تاريخ كل ثورة، وإن كانت هذه الحلقة لا تقرر مصير الثورة".

حديثه هذا جاء في سياق ثورتي اليمن في ستينيات القرن العشرين الماضي، لكن وفق هذا المنطق، أتذكر أنه بعد مضي قرابة ثلاثة أشهر على تثبيت ساحات الاعتصام المفتوح في المدن اليمنية، بدأ نشطاء "ثورة 11 فبراير"، يتذكرون بداياتها كما لو أن سنوات كثيرة مضت على ذلك. كان لكل ناشط ومتظاهر ومعتصم، قصة يرويها عن الثورة، وحينها، كانت دماء المحتجين والمعتصمين لا تزال تراق من قبل قوات أمن النظام ومؤيديه.

غير أن اللحظات التاريخية السابقة واللاحقة لثورة "11 فبراير"، جديرة بالإشارة. فقد سبقتها على المستوى المحلي أربع سنوات من الاحتجاجات الشعبية في الجنوب، بدأت بشعار "تصحيح مسار الوحدة"، ثم تطورت إلى المطالبة بانفصال الجنوب عن الشمال، وهو ما زاد من حدة القمع ضد المحتجين، بما في ذلك القتل والاعتقال. في الشمال، كان سكان منطقة ريفية بمحافظة إب اسمها "الجَعاشِن"، يلوذون بالسلطات المركزية في صنعاء، وبالمدافعين عن حقوق الإنسان، لرفع ظلم شيخ المنطقة عنهم بعد أن وصل الأمر إلى تهجير من يرفض دفع الإتاوات المفروضة عليهم خارج القانون والعُرف. تبنى بعض النشطاء الحقوقيين تنظيم مظاهرات لهؤلاء المهجّرين من أجل لفت اهتمام السلطة لمظلمتهم، وعندما قدح البوعزيزي الشرارة التي أشعل بها جسده احتجاجاً على الظلم، كانت مظلمة أهالي "الجعاشِن" لا تزال تجوب شوارع صنعاء.

خيام المعتصمين في ساحة التغيير بالعاصمة اليمنية صنعاء، 2011.

إلى ذلك، كانت السلطة فرغت لتوها من ست حروب في محافظة صعدة ضد حركة مسلّحة بدأها برلماني ضمن كتلة الحزب الحاكم هو حسين بدر الدين الحوثي. وعندما سرت شرارة الاحتجاجات المطالِبة بإسقاط أنظمة الحكم من تونس إلى مصر ثم اليمن، كانت هذه الحركة المسلحة تتنامى في منطقة نفوذها، وصار الكثير من قيادييها ونشطائها في سجون النظام. وعلى الفور انضم نشطاؤها الطلقاء إلى ساحات الاعتصام المطالبة بإسقاط نظام صالح، جنباً إلى جنب مع الشباب المستقل - الشرارة الأولى للثورة - وشباب أحزاب المعارضة، الذين آزرتهم أحزابهم بإعلان التحامها معهم. ومع وصول شرارة الثورة إلى سوريا وليبيا وأكثر من بلد عربي، تساقط أركان نظام صالح، وأبرزهم اللواء علي محسن صالح - قائد الفرقة الأولى مدرع، ثاني أكبر التشكيلات العسكرية في الجيش اليمني، والتي نهضت بالدور الرئيسي في الحروب الست ضد حركة الحوثيين في صعدة، بمباركة وإسناد ألوية أخرى من الجيش، والجناح القبَلي والأيديولوجي في حزب الإصلاح المعارض - الإخوان المسلمين.

مع وصول شرارة الثورة إلى سوريا وليبيا وأكثر من بلد عربي، تساقط أركان نظام صالح، وأبرزهم اللواء علي محسن صالح - قائد الفرقة الأولى مدرع، ثاني أكبر التشكيلات العسكرية في الجيش اليمني، والتي نهضت بالدور الرئيسي في الحروب الست ضد حركة الحوثيين في صعدة.

لم يكن انشقاق اللواء علي محسن عن نظام صالح انشقاقاً فردياً، بل انشق بثقله العسكري والقبَلي والأيديولوجي إذا ما أخذنا بالاعتبار تقاربه الفكري مع "حزب الإصلاح" وجناحه القبلي، الذي يمثله الشيخ حميد الأحمر - نجل الشيخ عبد الله بن حسين، أكبر ثقل قبَلي وسياسي داخل "أنظمة" الحكم الجمهوري المتعاقبة في الشمال بعد "ثورة 26 سبتمبر"، كما في الشمال والجنوب بعد الوحدة في العام 1990.

وعلى الرغم من أن الانتماء السياسي لأولاد الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر كان موزعاً بين "حزب الإصلاح" المعارض و"حزب المؤتمر" الحاكم، إلا أنهم انضموا جميعاً ل"ثورة 11 فبراير" بما هي ثورة شعبية ضد نظام صالح الذي كانت ملامح توريثه السلطة لنجله، تتجسد بوضوح أشد من أي وقت مضى. وهكذا التقى في ساحة الثورة الخصوم الذين تقاتلوا في الحروب الست، لكن مع سيطرة للطرف الأقوى حينها - قائد الفرقة الأولى وحلفائه القبليين والأيديولوجيين.

هناك وآنذاك، تمّ إنضاج الخصومة الطائفية، بين الحوثيين كحركة دينية مسلحة تعمل على تطوير المذهب الزيدي ليكون أكثر تلاؤماً مع الحركات الشيعية الأخرى في الوطن العربي، وبين جماعة الإخوان المسلمين كحركة دينية سياسية بأذرع عسكرية، انبرت للتصدي للمدّ الشيعي في اليمن. في تلك المساحة التي خصصت للاعتصام ضد نظام الرئيس صالح، كانت العداوة السياسية والمذهبية تتخلّق تحت سطح الثورة السلمية. قام الطرفان باستقطاباتهما في صفوف المعتصمين بلا هوادة، بينما لعب المجتمع الدولي والإقليمي لعبته الانتهازية التي لم يحاول أحد الاقتراب من تفكيكها وكشفها في حينه. وبين التنانين المتصارعة في لباس الثورة والثورة المضادة، تخبّط حلم الأغلبية التي خرجت من أجل التغيير والحياة الكريمة: أولئك الشباب الذين لم يكن معظمهم يعرف حتى ذلك الوقت، أن مصطلحات من قبيل "زيدي/ شافعي" أو "سُنّي/ شيعي" أو "شمالي/ جنوبي"، تعني الحرب، وأن تاريخاً مظلماً تجري استعادته بلا أدنى مسؤولية، من قبل القوى المحلية الساعية إلى السلطة عبر البوابة الذهبية التي انفتحت على مصراعيها، ومن قبل صالح ورجال نظامه، ومن قبل المجتمع الدولي والإقليمي الذي غلّب النفاق السياسي والانتهازية على تدخّله بين الفرقاء.

محطات دامية وتفكيك الدولة

تشبه الثورات العربية في العام 2011، مجموعة أشخاص حاولوا المرور من مرمى قناص. مرقت تونس ومصر في كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير على التوالي، بينما تمكن القناص الخبيث من اليمن وسوريا وليبيا. وعلاوة على انتشار القناصة على خطوط سير المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام، شهدت "ثورة 11 فبراير" محطات دامية أدت إلى حرف مسارها منذ وقت مبكر.

لم يقتصر الأمر على إطلاق النار على المحتجين العُزّل في المواضع القاتلة من الجسد مع كل مظاهرة تجوب الشوارع، إذ شكلت المجازر التي بدأت في 18 أذار /مارس وعُرفت بـ"مجزرة جمعة الكرامة" في صنعاء، محطة تحوّل في مسار الثورة. قتْل أكثر من خمسين معتصماً أخرج الرئيس صالح حينها لإبداء أسفه إزاء حجم العنف الذي مورس ضد المعتصمين الذين كانوا فرغوا لتوّهم من أداء صلاة الجمعة في الساحة. لكن الأسف لا يجدي بعد إزهاق الأرواح، ناهيك عن الشك بصدق التأسّي. في اليوم الرابع، أعلن أكبر أركان نظامه - اللواء علي محسن صالح - تأييده "ثورة الشباب السلمية"، وعزمه على حماية المعتصمين، بما في ذلك الإعلان من تناقض جوهري. غير أن القمع الوحشي للمظاهرات التي كانت تخرج من ساحات الاعتصام، استمر في صنعاء، وعدن، وتعز، ومدن أخرى، دون أن يصدر الجنرال المنضم للثورة أوامره بمواجهة القمع بالسلاح. رجاله في المدن الأخرى فعلوا الأمر نفسه. هل كانوا حريصين على سلمية الثورة؟ لا يحق لأحد الجزم بذلك سوى من كانت صدورهم عارية في مواجهة البنادق وقد قُتل معظمهم أو أصبحوا خارج معادلة الثورة والتسويات السياسية.

التقى في ساحة الثورة الخصوم الذين تقاتلوا في الحروب الست... هناك وآنذاك، تمّ إنضاج الخصومة الطائفية، بين الحوثيين كحركة دينية مسلحة تعمل على تطوير المذهب الزيدي ليكون أكثر تلاؤماً مع الحركات الشيعية الأخرى في الوطن العربي، وبين جماعة الإخوان المسلمين كحركة دينية سياسية بأذرع عسكرية، انبرت للتصدي للمدّ الشيعي في اليمن.

تخبّط حلم الأغلبية التي خرجت من أجل التغيير والحياة الكريمة: أولئك الشباب الذين لم يكن معظمهم يعرف حتى ذلك الوقت، أن مصطلحات من قبيل "زيدي/ شافعي" أو "سُنّي/ شيعي" أو "شمالي/ جنوبي"، تعني الحرب، وأن تاريخاً مظلماً تجري استعادته، بلا أدنى مسؤولية، من قبل القوى المحلية الساعية إلى السلطة، ومن قبل صالح ورجال نظامه، ومن قبل المجتمع الدولي والإقليمي.

في 29 أيار/ مايو، تعرضت "ساحة الحرية" في مدينة تعز لهجوم وحشي وإحراق خيام المعتصمين ونهب متعلقاتهم الشخصية والاعتداء على المستشفى الواقع في نطاق الساحة. أسفر الهجوم عن مقتل وجرح العشرات من المعتصمين، وتمّت تصفية الساحة من كل مظاهر الاعتصام. وعلى إثر ذلك، بدأ المحتجون بالانضمام لتشكيلات مسلحة غير رسمية تابعة لرجال اللواء علي محسن وحزب الإصلاح للدفاع عن أنفسهم.

في صعدة، كان مقاتلو حركة الحوثيين قد سيطروا على المحافظة في الأشهر الأولى من الثورة وعيّنوا محافظاً موالياً لهم قبل أن يتجهوا نحو محافظة الجوف - جنوب شرق- التي أسقط شباب حزب الإصلاح أول معسكرات الجيش فيها. وفي صنعاء، آلت "حرب الحَصَبَة" التي اندلعت في 21 أيار/ مايو، بين قوات صالح وأولاد الشيخ الأحمر، إلى أكبر اختراق للدائرة الأمنية الضيقة للرئيس المتشبث بالسلطة، وهو ما تمثّل في محاولة اغتياله أثناء صلاة الجمعة داخل مسجد دار الرئاسة في 3 حزيران/ يونيو.

أسفرت محاولة الاغتيال بهجوم محكم التدبير، عن مقتل العشرات من رجال نظامه، وإصابته بجروح بالغة استدعت نقله للعلاج في السعودية. وهكذا سقط بين قتيل وجريح أعضاء حكومة تسيير الأعمال التي شكّلها لامتصاص غضب المحتجين، وفرغت الدولة من رجالها. كان ذلك الحدث دليلاً على انفصال الحكومة عن الهم المعيشي للمواطنين الذين اعتادوا منذ سنوات طويلة، وما زالوا كذلك حتى الآن، على تدبّر شؤون معيشتهم بدون الاستناد للدعم الحكومي للسلع الأساسية، وعلى رأسها الغذاء والدواء والوقود. وعلاوة على ذلك، كانت الزيادات في الأسعار التي تبنّت الحكومات المتعاقبة لنظام صالح إضافتها على السلع الأساسية، في طليعة الأسباب التي دفعت الناس للخروج ضدّ النظام، بعد أن وصل الحال إلى رفع الدعم عن الغذاء المستورد والوقود، بحجة مكافحة الفساد!

في 29 أيار/ مايو، تعرضت "ساحة الحرية" في مدينة تعز لهجوم وحشي وإحراق خيام المعتصمين والاعتداء على المستشفى الواقع في نطاق الساحة. أسفر الهجوم عن مقتل وجرح العشرات من المعتصمين، وتمّت تصفية الساحة من كل مظاهر الاعتصام. وعلى إثر ذلك، بدأ المحتجون بالانضمام لتشكيلات مسلحة غير رسمية تابعة لرجال اللواء علي محسن وحزب الإصلاح للدفاع عن أنفسهم.

بعد محاولة الاغتيال، كان الجميع يتوقعون انتقام صالح على الرغم من إعلان أوامره لابنه أحمد - قائد الحرس الجمهوري - بعدم الانتقام. غير أن صنعاء كانت على موعد مع تصعيد خطير في 18 أيلول/سبتمبر، في ما عُرف بـ"مجزرة جسر كنتاكي" ضد متظاهرين خرجوا من ساحة الاعتصام. يومها قُتل أكثر من ثمانين متظاهراً، وتدخلت قوات الفرقة الأولى التابعة للواء المنشق إلى جانب المتظاهرين، وتمّ تسليح الكثيرين منهم. وهنا استكمل صالح آخر مراحل جرّ الثورة إلى مربع المواجهة المسلحة. فور عودته من العلاج في الرياض في 23 أيلول/سبتمبر، تحرك سلاح المدفعية مجدداً في العاصمة، ولم تهدأ النيران حتى تم توقيع المبادرة الخليجية في 23 تشرين الثاني/نوفمبر، ثم بعد نقل السلطة إلى نائب الرئيس حينها - عبدربه منصور هادي، عبر انتخابات رئاسية لمرشح وحيد في 21 شباط/ فبراير 2012.

الإجهاز على ما تبقى من ثورة ودولة

خلال الفترة الانتقالية التي رعتها عشر دول كبرى، تمّ تفكيك الجيش اليمني وتجزئته، في ما عُرفت بـ"هيكلة الجيش"، والتي لا أحد يعرف كيف أُدرجت ضمن مطالب الثورة السلمية!

صحيح أن النظام كان يستقوي بالجيش الموالي له على المعارضين السياسيين وعلى المحتجين، لكن الثورة كانت قد انحرفت عن مسارها السلمي قبل ذلك الوقت بكثير، وبالطبع، كان للنظام الدور الأبرز في حرفها عن ذلك المسار السلمي والمطلبي.

لا يزال اليمنيون يتذكرون مقولة صالح بأنه لن يسلم السلطة إلا إلى "أيدٍ أمينة". وعقب انتخاب نائبه رئيساً للبلاد، ظن البعض أن هادي هو صاحب الأيدي الأمينة. لكن منذ الشهور الأولى لرئاسته، اتجهت الثورة لاجتثاث كبار وصغار المدراء في المؤسسات، والمعيّنين في عهد صالح. تم ذلك تحت شعار "ثورة المؤسسات"، وهو الأمر الذي اجتث في طريقه هيبة الدولة ومؤسساتها، ابتداءً بأصغر مؤسسة حكومية وصولاً إلى مؤسسة الرئاسة التي لم يملأها رئيس توافقي عاش في الظل معظم سنوات نيابته لرئيس الجمهورية.

خلال الفترة الانتقالية التي رعتها عشر دول كبرى، تمّ تفكيك الجيش اليمني وتجزئته، في ما عُرفت بـ"هيكلة الجيش"، والتي لا أحد يعرف كيف أُدرجت ضمن مطالب الثورة السلمية! وبينما كان الشباب - العماد الحقيقي للثورة - يعانون من جراحاتهم الجسدية والمعنوية، كان "الآباء" الذين تبنوا الثورة المباغتة، يتوزعون الدولة حصصاً يعضون عليها بالنواجذ كما يقال.

وبينما كان الشباب - العماد الحقيقي للثورة- يعانون من جراحاتهم الجسدية والمعنوية، كان "الآباء" الذين تبنوا الثورة المباغتة، يتوزعون الدولة حصصاً يعضون عليها بالنواجذ كما يقال. كان بعض الشباب النابهين يحذّرون من "سرقة الثورة"، وكان يتصدى لهم سياسيون مفوّهون بالقول إن "الثورة ليست علبة فول لكي تُسرق". بالطبع لم تعد الثورة وقد وصلت إلى ذلك الحدّ، "علبة فول"، لأنها لو كانت كذلك، لتذكر الجميع البطون الضامرة التي خرج أصحابها يطالبون بحياة كريمة.. أولئك الشبان الذين افترشوا الأسفلت مساء "11 فبراير"، وكان عشاؤهم خبزاً وشاياً في صفائح فول فارغة.

مقالات من اليمن

اليمن: المناخ وسيل "جبل اللوز" يتربّصان بصنعاء العاصمة

ظل البناء المرتجل يسبق المخطط الحضري بخطوات، خاصة مع ارتباطه بحجم نفوذ ملاّك الأراضي والمستثمرين في العقارات. وشكّلت الهجرات الداخلية إلى العاصمة طيلة ثلاثة عقود، إضافة لموجات النزوح مؤخراً، ضغطاً...

للكاتب نفسه

اليمن: المناخ وسيل "جبل اللوز" يتربّصان بصنعاء العاصمة

ظل البناء المرتجل يسبق المخطط الحضري بخطوات، خاصة مع ارتباطه بحجم نفوذ ملاّك الأراضي والمستثمرين في العقارات. وشكّلت الهجرات الداخلية إلى العاصمة طيلة ثلاثة عقود، إضافة لموجات النزوح مؤخراً، ضغطاً...