كان يا ما كان .. عرقٌ وخبزٌ وياسمين

.. كان ذهابنا للتعزية الى منزل أسرة الشهيد "خالد سعيد" في الاسكندرية زاداً لأيام كثيرة تلته، لكن كان على الرغم من هذا ينقصه شيء ما، هو "الأمل" الذي جاء في يوم 14 كانون الثاني/ يناير، مع نجاح الثورة في تونس. أخيراً التقى مرج البحرين، "الأمل" و"الغضب"، فجلستُ أنتظر الدعوة، فكان حلم الخامس والعشرين.
2021-02-04

منى سليم

صحافية من مصر


شارك
ضياء العزاوي - العراق

"هي من روحِ الشعب خمرٌ
هي من عرقِهِ خبزٌ وياسمين
فكيف صار طعمها طعم نارٍ ودخانِ"
(جوزيف حرب)

سأحكي عن يوم "25 يناير" وحده. لكنه لم يبدأ حقاً في ذلك الصباح، وإنما قبل ذلك بكثير، وعاد ليتجدد قبل الإنطلاق بقليل. كان هناك دائماً، وغالباً منذ اللحظة الأولى.

سأختار بداية بَحْرية، مشهداً صباحياً من الإسكندرية، كان هذا في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2010.

ذهبتُ إلى "محطة مصر" بالقاهرة ضمن مجموعة من شباب الحركات السياسية المختلفة، تمركزنا في إحدى عربات القطار من أجل اللحاق بمسيرة تنطلق بعد صلاة الجمعة من مسجد شهير بمنطقة "سيدي جابر" إلى منزل أسرة الشهيد "خالد سعيد"، وبحضور مؤسس "الجمعية الوطنية من أجل التغيير"، محمد البرادعي العائد لتوه من أمريكا.

قبيل انطلاق القطار بدقائق، دخل عدد من المخبرين، وصاحوا بالناس "القطر مش طالع" روحوا رصيف 3. ارتبك المسافرون، وجدنا أنفسنا نرد عليهم "دول كذابين بيعملوا كده عشان يقبضوا علينا خليكم، القطر هايتحرك". وقال القطار كلمته، انطلقت صفارته، ودبّت فينا فرحة طفولية، ونحن نشير بأيادينا للمخبرين بحركات لائقة من البعض وبذيئة من آخرين، فرحةٌ منبعثة من رحم الغضب التليد.

وصلنا إلى المسجد، قالوا يومها إن وحدات الأمن المركزي بالمحافظة كلها حضرت، وعلى الرغم من هذا، انتشرنا داخل المسجد وخارجه. خطب إمام المسجد خطبة طويلة مملة عن الدروس المستفادة من رحلة الإسراء والمعراج، بدأ الشباب في مطالبته بإنهاء الخطبة التي طالت من دون مبالغة لما يقارب الساعة، فردد حديثاً عن خطيئة اللغو في المساجد. لم يكمل الكلمة، فقد تعالت أصوات متداخلة. فقال كلمتين سريعاً ودعا للصلاة، وما إن انتهت حتى اهتز المحيط على كلمة "الله أكبر.. الله أكبر من الظالمين".

مقالات ذات صلة

خرجتْ المسيرة على الرغم من أنوف الظالمين، والمدججين بالأسلحة، والمأجورين، ووزعت الورود أمام منزل الشهيد. غادر "البرادعي" سريعاً بحيائه المعهود، ثم فوجئت بـالمرشح الرئاسي فيما بعد، والمناضل الناصري "حمدين صباحي" في أحد أطراف المسيرة يهتف وسط الشباب ـ قبل أن يرفعوه على أكتافهم ـ "حركة وطنية واحدة ضد السلطة اللي بتدبحنا".

قبيل انطلاق القطار بدقائق، دخل عدد من المخبرين، وصاحوا بالناس "القطر مش طالع"، روحوا رصيف 3. ارتبك المسافرون، وجدنا أنفسنا نرد عليهم "دول كذابين بيعملوا كده عشان يقبضوا علينا خليكم، القطر هايتحرك". وقال القطار كلمته، انطلقت صفارته، ودبّت فينا فرحة طفولية، ونحن نشير بأيادينا للمخبرين بحركات لائقة من البعض وبذيئة من آخرين، فرحةٌ منبعثة من رحم الغضب التليد.

هتفنا وتنسمنا هواء البحر، تذكرتُ بيروت وبحرها، وصوت فيروز تغني لها "عرقها خبز وياسمين"، ضحكتُ وأنا أقول لصديقتي "وعرق المتظاهرين أيضاً خبز وياسمين". وقبل أن أعود إلى القاهرة وسط خوفنا من التوجه فرادى إلى محطة القطار، فتحت حسابي على فيسبوك وكتبت: "ما بقتش بحس بالأمان غير وأنا في قلب مظاهرة".

كان يوماً مميزاً، كان زاداً لأيام كثيرة تلته، لكن كان على الرغم من هذا ينقصه شيء ما، هو "الأمل" الذي جاء في يوم 14 كانون الثاني/ يناير، مع نجاح الثورة في تونس. أخيراً التقى مرج البحرين، "الأمل" و"الغضب"، فجلست أنتظر الدعوة، فكان حلم الخامس والعشرين.

ذكريات كثيرة وبسيطة ولكنها جميلة، هي أجمل ما في العمر، هي ما تجعل العمر جميلاً .

سهرنا ليلة الخامس والعشرين داخل نقابة الصحافيين، فقد كنا لا نزال في أجواء اعتصام ضد قرار إقالة رئيس تحرير الجريدة التي كنت أعمل فيها حينها. انحزت لوجهة نظر ترى أن ما حدث لرئيس تحرير الجريدة كان عقاباً على دعوة مبارك للرحيل.

سهرنا يومها، ونحن نتندر "بكرة ثورة ما حدش يتأخر". كنا نعرف أنه سيكون يوماً مهماً بكل الأحوال.. لكن هل تخيلنا الثورة ؟ كان حلماً يروح ويجيء داخلي في الساعات المتبقية من الليل دون أن أعلن عنه حتى لرفيقة السكن. اكتفينا بفاصل كوميدي أخير قبل النوم بخصوص ضرورة ارتداء أكثر من بنطلون وأكثر من إيشارب وأكثر من حزام لمنع "قلة القيمة" كما كنا نسميها ضاحكات.

خطب إمام المسجد خطبة طويلة مملة عن الدروس المستفادة من رحلة الإسراء والمعراج، بدأ الشباب بمطالبته بإنهاء الخطبة التي طالت من دون مبالغة لما يقارب الساعة، فردد حديثاً عن خطيئة اللغو في المساجد. لم يكمل الكلمة، فقد تعالت أصوات متداخلة. فقال كلمتين سريعاً ودعا للصلاة، وما إن انتهت حتى اهتز المحيط على كلمة "الله أكبر.. الله أكبر من الظالمين".

جاء ذلك الصباح، ودائماً ما تغني فيروز في صباحات أخرى "انتظر الصباح.. لقياك يا حبيبى ترم الجراح"، أتذكر أنني بنهاية اليوم، وبأعلى درجات الفرحة داخل ميدان التحرير تذكرت هذا الحبيب الذي لم يأت بعد، فقد كان هذا هو اليوم الذي تمنيت دوماً أن أراه فيه، دائماً ما اعتقدت أن يوماً معهوداً سيكون من حظي، وحظ هذا البلد في اللحظة نفسها، فهل أنصفت الأيام أحدنا؟

لأعد مرة أخرى لصباح اليوم، كيف قفزت إلى منتصفه بهذه السهولة؟ فما حدث لم يكن سهلاً على الإطلاق.

حسب اجتماع مسائي في مقر نقابة الصحافيين يوم 24 كانون الثاني/ يناير، كنا وزعنا أنفسنا على مناطق التظاهر من أجل التغطية الصحافية، حتى ولو كانت للنشر على صفحات التواصل الاجتماعي. قلنا لا يمكن أن تأتي الثورة ولا نمارس خلالها دورنا الصحافي.

كنت ضمن المجموعة المكلفة بالتوجه لميدان "مصطفى محمود" الشهير بمحافظة الجيزة. وصلنا في الحادية عشرة صباحاً، وكان المشهد كما توقعناه تماماً: تواجد أمني مكثف، ولا متظاهرين.

قضينا اليوم كأنه كرنفال، تبادل سلامات مع الجميع، نعرفه أو لا نعرفه، ترديد هتافات بعضها نحفظه عن ظهر قلب، وبعضها نجرب حلاوته: "الشعب يريد إسقاط النظام". غنّينا، وكأنها المرة الأولى، أغاني الشيخ إمام حتى جاء الليل، فقررنا الاعتصام وذهبنا إلى مقر اعتصامنا في النقابة، وأحضرنا بطانيات وكل ما يمكن أن نحتاجه في الميدان.

تواصلنا مع أصدقائنا بحركة "شباب من أجل العدالة والحرية"، فأخبرونا عن خطة متفق عليها من "ائتلاف شباب الثورة" الذي كان لا يزال في المهد صغيراً، وبناءً عليها توجهنا إلى "ميدان ناهيا" (منطقة شعبية قريبة) كبديل للميدان الفخم الشهير، وعرفنا أن هذا سيتم تطبيقه على كافة أماكن التجمع التي أعلن عنها.

"منى وحسام وياسمين". كنا ثلاثة، وصلنا إلى هناك، صعدنا السلم من "شارع السودان" المؤدي إلى منطقة "ناهيا". عند مدخل النزول كان هناك عدد قليل من العساكر. لم نعرف: فإذا كان لديهم شك، فلماذا هذا العدد الصغير لمواجهتنا؟ أمام محل حلويات لا أتذكر اسمه كانت هناك مجموعة من أصدقائنا من شباب الحركات السياسية، كنا نتبادل النظرات والوقوف بالقرب من بعضنا البعض في مجموعات صغيرة بانتظار لحظة الصفر وبدء الهتاف والتجمع.

قبل لحظات من انطلاق المشهد المنتظر، جاءني اتصال من المتابعة الصحافية بأن هناك مسيرة بدأت في "دار السلام"، شرق القاهرة. انطلقتْ بعفوية من مجموعة صغيرة، وانضم إليها الأهالي، وتعرضوا للضرب ولم تكن توجد أي تغطية صحافية. للحظات ـ أظنها مهمة وفاصلة في حياتي المهنية ـ فكرتُ لِمَ إذا كان من الأفضل أن أبقى في ناهيا بالأساس كمتظاهرة وناشطة بالعمل العام، وأشارك في المسيرة مع المجموعة التي أعرفها وأنتمي إليها، أم ألبي نداء الواجب الصحافي؟ يومها أدركت أنه ليست لدى عقدة المزج بين العمل الصحافي والعمل العام، لكنهما لو تضاربا، فالأولوية للصحافة بكل تأكيد، لا لشيء إلا(بل)لأنها هي أداتي الرئيسية التي اخترتها منذ طفولتي للمشاركة.

وصلتُ دار السلام وقد تبخر الشباب، قال البعض إنهم تفرقوا بالشوارع الجانبية، وقال آخرون إنه تمّ القبض عليهم. كنت في محيط قسم الشرطة (المخفر) الذي تحول إلى ثكنة عسكرية. حاولت تقصي المعلومات فلم أصل لشيء، فأرسلتُ لغرفة العمليات الحقوقية المنعقدة يومها أن هناك شكوكاً بأنه جرى القبض على شباب في "دار السلام" وأرسلت الأسماء التي حصلت عليها وتركت رقم هاتفي لعدد من الأهالي.

أخذتُ طريق العودة واتصلتُ بزملائي لأعرف مصير مسيرة "ناهيا"، فكانت البشرى الجميلة، صوت صديقي "حسام" وهو يبكي: "ثورة يا منى ثورة تعالي بسرعة إحنا بآلاف والله، في جامعة الدول ووصلنا مصطفى محمود ومش قادرين يوقفونا".

ظللت ألاحق الحلم لمدة ساعة فلم أدركه. حتى وصلت منطقة "وسط البلد"، ووجدت ثلاثة شبان يقفون أسفل مدخل "كوبري 15 مايو" ويتبادلون الحديث بصوت منخفض: "يعني في مظاهرات بجد؟"، اقتحمت الحديث بدون مقدمات بشكل أضحكهم وأخافهم في الوقت نفسه، وقفزنا جميعاً في ميكروباص، ودعونا الركاب للنزول، فقد كان الصوت البهي بدأ بالوصول إلى مسامعنا.

كان أجمل ما يكون من أمام دار القضاء العالي. التففنا مع مجموعة من الشباب حول الحزام الأمني وتوجهنا نحو ميدان التحرير. وفي الطريق، أتذكر هذا الحوار: من أمام مطعم شهير، رأيتُ أول قنبلة غاز مسيل للدموع وهي تطير في الهواء باتجاه الميدان، والبائع يقول لزميله: "لا كده بقى، تبتدي قلة الأدب، هم العيال عملوا إيه غلط يعني؟"، قلت له: "انضم إلينا"، وكان هتاف "انزل يا مصري" يهز الشارع، قال "معاكم والله، هاخلص الشيفت عشان صاحب المحل وأحصلكم، مش انتو قاعدين ولا ماشيين؟"، أجبت من دون تردد: "مش ها نمشى".

عرفتُ أن أول شهيد منا قد سقط في مدينة السويس، بكينا بشدة رددنا اسمه: "مصطفى رجب"، وعزمنا أنه "مفيش رجوع"، ثم شددتُ الغطاء على وجهي ونمتُ مسكونة بروح "الحدوتة"، روح كل حدوتة جميلة سمعتها طوال عمري أو تمنيتها في يوم من الأيام. كل الأحلام نامت على طرف سريري في ذلك اليوم.

قابلتُ عدداً من أصدقائي فور دخولي الميدان، وكانت الصدمة الأولى مع الغاز المسيل للدموع، وعلى الرغم من هذا، لم أستطع منع نفسي من الضحك على مشهد ملابس حسام الغارقة في المياه، قال :"فاتك انتِ ماتش رش المياه"، قلت: "فاتني أخرج معاكم من ناهيا"، قال: "ما تقلقيش، ماحنا خلاص بقى، بدأنا الثورة وهانعمل لسه كتير". كان وما زال أجمل ما في هذه الأيام هو اليقين الذي يعشش فينا.

قضينا اليوم كأنه كرنفال، تبادل سلامات مع الجميع، نعرفه أو لا نعرفه، ترديد هتافات بعضها نحفظه عن ظهر قلب، وبعضها نجرب حلاوته: "الشعب يريد إسقاط النظام". غنّينا، وكأنها المرة الأولى، أغاني الشيخ إمام حتى جاء الليل، فقررنا الاعتصام وذهبنا إلى مقر اعتصامنا في النقابة، وأحضرنا بطانيات وكل ما يمكن أن نحتاجه في الميدان. هناك قابلنا رئيس تحرير جريدتنا المُقال، الذي قال:"أنا لسه راجع من الميدان، وخلوا بالكم هايتفض الساعة 12 إلا ربع"، هززنا رأسنا وحملنا البطانيات، ورددنا على سؤاله عن مكان توجهنا: "راجعين الميدان".

أتذكر مساحة المتر الذي فرشت فيه البطانية، والشبر الذي أسندت عليه ظهري في صحن الميدان، "الكحكة الحجرية". نظرتُ إلى السماء يومها طويلاً ولم يخرجني من تأملاتي إلا مفسدو تأملات المزاج، "عساكر الداخلية".

سيل القنابل الذي انهال علينا والزحف الأسود أفزعنا، ولكن، من جديد، أهداني ذلك اليوم مشهداً جميلاً، كنتُ مع كل من أعرفهم، نجري وأيادينا متشابكة ووجوهنا مغطاة ونتبادل نصائح أولية عن الخل والبصل والبيبسي. جرينا كثيراً، اختبأنا في "كراج التحرير"، ثم خرجنا إلى شارع "محمود بسيوني"، رجعنا ضمن مجموعة إلى شارع "طلعت حرب" في محاولة لدخول الميدان مرة أخرى، ولكن فشلنا، فدخلنا شارع "شامبليون" ومنه إلى ميدان "عبد المنعم رياض" ثم "الإسعاف" و"رمسيس" حتى دوار "شبرا"، ثم عودة مرة أخرى بسبب زحف أسود ثان إلى منطقة الإسعاف، ومنها إلى الشوارع الضيقة في منطقة "بولاق أبو العلا" التي خرجت منها يوماً ثورة القاهرة الأولى إبّان الحملة الفرنسية، وخرجت منها بتلك الساعة المتأخرة من الليل إحدى السيدات وعرضت علينا الاختباء، لكننا جلسنا على أرض الشارع الضيق، كنا حوالي 12متظاهراً، تجمعنا بشكل سريع، الجميع يلهث من شدة الركض، ودار حديث ميلودرامي مسرحي كان يستحق التسجيل: "هل يصح أن ننسحب؟.. الحرب معارك، هانرجع بكرة... دى ثورة مش بالضربة القاضية.. إحنا اتحررنا ولازم نجريهم ورانا لغاية الصبح لأن أكيد الشعب كله هايلحق بنا بكرة". ثم نتيجة الإجهاد وجدنا أنفسنا باتجاه العودة، الشباب عادوا لمقر الاعتصام في النقابة، وعدت أنا وصديقتي للمنزل، وقرر اثنان منا فقط، وبغضب شديد، العودة للميدان. وبعد أقل من نصف ساعة، عرفتُ بخبر القبض عليهما.

شاهدت التطورات على مواقع التواصل الاجتماعي، عرفت أن أول شهيد منا قد سقط في مدينة السويس، بكينا بشدة رددنا اسمه: "مصطفى رجب"، وعزمنا أنه "مفيش رجوع"، ثم شددت الغطاء على وجهي ونمتُ مسكونة في تلك الليلة أكثر من غيرها بروح "الحدوتة"، روح كل حدوتة جميلة سمعتها طوال عمري أو تمنيتها في يوم من الأيام. كل الأحلام نامت على طرف سريري في ذلك اليوم، ولم يؤرقني إلا شيء وحيد هو خوفي على حزن أبي وأمي إذا ما اختار لي المُخرج في هذه الثورة دور الشهيد.

لم يحدث حتى الآن، ولم تنتصر الثورة بعد...

مقالات من مصر

للكاتب نفسه