رأس السنة الأمازيغية: احتفالات ومطلب الترسيم

بخلاف التقويمين الميلادي والهجري، لا يرتبط التقويم الأمازيغي بأي حدث ديني، بل بحدث تاريخي يتمثل في انتصار الأمازيغ، بقيادة الملك شيشنق (ويكنّى أيضاً "شيشونغ")، على فرعون مصر عام 950 قبل الميلاد، فيعتبر ذلك بداية الاحتفال بـ"إيض يناير" أو السنة الأمازيغية.
2021-01-17

خولة اجعيفري

صحافية من المغرب


شارك
من احتفالات رأس السنة الأمازيغية

"أسكاس أمباركي أسكاس إيغودان" ("سنة سعيدة بكل الخيرات والأمنيات الطيبة")، بهذه العبارة الأمازيغية وابتسامة عريضة، استقبلتنا في بيتها بالعاصمة الرباط الشابةُ سعيدة، وهي ترتدي الزيَّ الأمازيغي المزركش بألوان مبهجة، تزينها الحليُّ الفضية التي أسدلتها فوق صدرها وخصرها استعداداً للاحتفال باليوم الأول من السنة الأمازيغية 2971، الذي يتزامن مع 13 كانون الثاني/ يناير بالتقويم الميلادي.

لم تمنع إجراءات حالة الطوارئ الصحية في البلد، والممتدة إلى غاية 10 من شهر شباط/ فبراير المقبل، المغاربةَ من الاحتفال بـ"إيض يناير" أو السنة الأمازيغية والتي تعتبر "رأس السنة الفِلاحية". فسعيدة اليوم تزورها والدتها والعائلة وعدد من صديقاتها والمقربين، ممن يعتبرون الاحتفال بهذه المناسبة الجماعية هو "إحياء للرابط المقدس بين الأمازيغ والأرض التي يعيشون عليها، ويستفيدون من ثرواتها وسخائها".

احتفال بالإنسان والأرض

وبخلاف التقويمين الميلادي والهجري، لا يرتبط التقويم الأمازيغي بأي حدث ديني، بل بحدث تاريخي يتمثل في انتصار الأمازيغ، بقيادة الملك شيشنق (ويكنّى أيضاً "شيشونغ")، على فرعون مصر عام 950 قبل الميلاد، فيعتبر ذلك بداية الاحتفال بـ"إيض يناير" أو السنة الأمازيغية. يشكك بعض المؤرخين بهذه الرواية، لكن ذلك لا يلغي أن هذه المناسبة ترمز للهوية الأمازيغية، ولتاريخ حضارة ضاربة في القدم، وتعكس بشكل عام الارتباطَ الوثيق بالأرض، وأهميتها لدى الأمازيغ.

ترمز هذه المناسبة للهوية الأمازيغية، ولتاريخ حضارة ضاربة في القدم، وتعكس بشكل عام الارتباطَ الوثيق بالأرض، وأهميتها لدى الأمازيغ.

يكون إحياء رأس السنة الأمازيغية التي تزيد عن الميلادية بـ950 سنة، والمعروفة أيضاً في المملكة المغربية بـ"حاكوزا"، باحتفالات جماعية وشعبية مرتبطة بكل ما له علاقة بالأرض والفلاحة. فيحتفل أمازيغ المغرب، على اختلاف فروعهم، في الريف، وسوس، والأطلسين الكبير والصغير، وجنوب البلاد، إلى جانب القبائل الأمازيغية التي استعربت بعد المد الإسلامي في المنطقة، وأيضاً باقي المدن المغربية بما فيها العاصمة بالطريقة التقليدية نفسها للاحتفالات التي عمّت في السنوات الأخيرة، خاصة بعد ترسيم الأمازيغية كلغة رسمية في البلاد بعد دستور 2011. تحرص الجمعيات على تنظيم مهرجانات موسيقية وعروض في الفروسية وفعاليات ثقافية وأكاديمية تهدف إلى التعريف بالثقافة الأمازيغية، كما تُنظَّم الاحتفالات أيضاً أمام المؤسسة التشريعية منذ سنوات، على أهازيج الأغاني الأمازيغية على طول شارع محمد الخامس بانتظار إقرار هذا اليوم "المبارك" عيداً رسمياً، وعطلة مُؤَدّى عنها في البلاد.

"تاكلا"، أكلة التآزر وتربية النشء على القلة

تأخد سعيدة قدراً مملوءاً بدقيق الشعير لوالدتها الحاجة فاطمة، استعداداً لتحضير وجبة "تاكلّا" التقليدية. ولا تخلو موائد المغاربة ليلة رأس السنة الأمازيغية من هذا الطبق الذي تتخصص النساء الأمازيغيات بإعداده إلى جانب حساء "أوريكمن" و"بركوكش" و"الكسكس"، وهي جميعها الحبوب التي يشترط فيها أن تكون منتوجَ وعطاء الأرض من السنة نفسها.

ويعتبر الأكاديمي والباحث في الشؤون الأمازيغية الحسين آيت باحسين أن رمزية "تاكلا"، عروس أطباق رأس السنة الأمازيغية، تكمن أساساً في "تربية النشء على تدبير الندرة أو القلة، خاصة أنها ترتبط بمناسبة رأس السنة الزراعية التي تأتي بعد فصل الخريف، وفي أشد أوقات فصل الشتاء برودةً، حيث الندرة في كل شيء لدى الفلاح الذي يوْدِع ما تبقى لديه من حبوب تحت الأرض لمواصلة عملية بذرها واستنباتها".

جرى ترسيم الأمازيغية كلغة رسمية في البلاد بعد دستور 2011. وتحرص الجمعيات في هذا اليوم على تنظيم مهرجانات موسيقية وعروض في الفروسية وفعاليات ثقافية وأكاديمية تهدف إلى التعريف بالثقافة الأمازيغية.

ولتحضير هذا الطبق تضع الحاجة فاطمة، دقيق الشعير بالتدريج في طنجرة فيها ماءٌ يغلي، قبل أن تحرّكه بملعقة من الخشب حتى يأخذ قواماً ثقيلاً، وتتركه على نار هادئة إلى أن تتماسك العصيدة، وهي تردد أهازيج أمازيغية، وترد عليها النسوة بأشعار تتغنى بالأرض والحب وطيبوبة البلد.

نواة تمر تظهر محظوظ السنة

تقول الحاجة فاطمة، المنحدرة من منطقة "تافروات" الواقعة في قلب سلسلة جبال الأطلس الصغير، إن الأجيال الامازيغية توارثت منذ القدم "طبق "تاكلا" وهو يرمز للتضامن والتآخي والتآزر كونه في الثقافة الأمازيغية يُقدَّم في إناء دائري مشترك ويتقاسمه جميع أفراد الأسرة، كما يعبر عن مواساة الطبيعة في ألمها تلك الليلة التي ستتمخض عنها سنة جديدة". وتقول: "وهذا الطبق، بعد الانتهاء من تحضيره، وقبل أن نضيف عليه زيت الأركان والعسل ونزينه، نرمي فيه نواة التمر قبل تقديمه، وبالتالي من يجد النواة سيكون محظوظَ السنة".

وإلى جانب أكلة "تاكلا"، تحضّر سعيدة أيضاً طبق "أوريكمن"، وهو حساءٌ مكون من سبعة أنواع من الحبوب والقطاني كالقمح والذرة والعدس والفول وغيرها، تعتبره الشابة الثلاثينية التي ورثت طريقة تحضيره عن والدتها وأجدادها في جبال الأطلس، وأورثته لابنتها تافوكت (اسم أمازيغي يعني الشمس) "الحساءَ الأنسب للبرد القارس التي تعرفه هذه الفترة من السنة، والمسماة في الثقافة الأمازيغية الليالي السود أو الليالي حيان".

تحضيرات على أنغام الأشعار الأمازيغية

لا يخلو تحضير هذه الأكلات من الطقوس الخاصة. فإلى جانب الدعاء بالخير والبركة، تردد النساء أهازيج التراث، وأشعاراً أمازيغية متتالية على أنغام الرقصة الشعبية الجماعية "أحواش" المعروفة في مناطق الأطلس الكبير والصغير، والتي يشارك فيها عددٌ كبير من الناس رجالا ونساء، كتعبير عن الفرح الجماعي الذي ينبعث من كافة البيوت، مرفقاً بالزغاريد والموسيقى، وهي جميعها طقوس ما قبل تقديم الطبق السنوي "تاكلا" ومرفقاته.

رمزية "تاكلا"، عروس أطباق رأس السنة الأمازيغية، المصنوع من دقيق الشعير، تكمن أساساً في تربية النشء على تدبير الندرة أو القلة، خاصة أنها ترتبط بمناسبة رأس السنة الزراعية التي تأتي بعد فصل الخريف، وفي أشد أوقات فصل الشتاء برودةً.

"إيض يناير" هو يوم ترتدي فيه النساء أجمل الأزياء والمجوهرات الأمازيغية التقليدية الخاصة، ذلك أن هذا اليوم "المبارك" في المعتقد الأمازيغي أصبح أيضاً مناسبةً للاحتفال بأحداث الحياة المهمة، كالزفاف والختان وقصة شعر الطفل الأولى.

ولا يقتصر احتفاء الأمازيغ المغاربة بهذه المناسبة على المأكولات، بل إن "إيض يناير" هو يوم ترتدي فيه النساء أجمل الأزياء والمجوهرات الأمازيغية التقليدية الخاصة، ذلك أن هذا اليوم "المبارك" في المعتقد الأمازيغي أصبح أيضاً مناسبةً للاحتفال بأحداث الحياة المهمة، كالزفاف والختان وقصة شعر الطفل الأولى. فكثيرٌ من الأسر تتعمّد انتظار 13 يناير لإحياء هذه المناسبات، حيث الشعوب الأمازيغية القديمة كانت تُؤلّه الطبيعة. وعلى الرغم من تغير هذه المعتقدات الدينية مع وصول الديانات اليهودية والإسلامية لاحقاً إلى شمال أفريقيا، غير أنها ظلّت متمسكة بعادة الاحتفال المتواصلة به إلى يومنا هذا.

مطلب جعل السنة الأمازيغية عيداً وطنياً وعطلة رسمية

وعلى غرار السنوات الأخيرة، يُحيي الأمازيغ المغاربة احتفالاتهم على وقع مطالبَ متكررة بإقرار رأس السنة الأمازيغية كعطلة رسمية، غير أنّ هذا الطلب المُلحّ لا يزال عالقاً حتى الساعة بسبب ما يقال إنه "غيابٌ للإرادة السياسية للتعاطي الإيجابي مع هذا المطلب، ولإنصاف الأمازيغية عموماً في المغرب". ويستند الداعون إلى إقرار "إيض يناير" عيداً وطنياً إلى الوثيقة الدستورية التي اعترفت بالأمازيغية لغةً رسمية عام 2011.

كما اعتبر رئيس "الشبكة الأمازيغية من أجل المواطنة" عبد الله بادو، أن مماطلة الحكومة منذ السنوات التي تلت دستور 2011 في إقرار "إيض يناير" عيداً وطنياً يعبّر عن "التخاذل وعدم جدية الحكومة والأحزاب المغربية في تنزيل التشريعات والقوانين المغربية التي أتت بها مقتضيات الدستور، والتي تعتبر الأمازيغية مكوّناً من مكوّنات الهوية المغربية ولغةً رسمية للبلاد". واعتبر الناشط الأمازيغي أنه "برغم شبه إجماع المكوّنات الحزبية على المطلب، فإنها لا تملك الجرأة السياسية لطرح قانون في هذا السياق، لأنها تشتغل بمنهجية الإشارات التي تصدرها جهات نجهل هويتها، وهو ما يجعل القرار الحزبي حول القضية الأمازيغية ملحقاً بجهة معينة".

المعارضة تدخل على الخط

وفي السياق نفسه، طالب أعضاء في "حزب الاستقلال" المغربي (المعارض)، بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلةً رسمية مدفوعة الأجر داخل مؤسسات الدولة.

وذكر أعضاء المجلس الوطني للحزب (برلمان الحزب)، الذي يعدّ من أقدم الأحزاب السياسية المغربية المحافظة، وعُرف في السابق بدفاعه عن التعريب، في عريضة موجهة إلى نزار بركة، الأمين العام للحزب، أن مبادرتهم جاءت حرصاً "على مكتسبات الحزب في مجال القضية الأمازيغية، والتي تتّسم بالوضوح والشفافية والوطنية"، وللمطالبة باستمرار الحزب وفريقيه البرلمانيين في الدفاع عن إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلةً رسمية، "فضلاً عن صون المبادرة الرمزية في تخليد رأس السنة الأمازيغية، والتفكير الجماعي في أشكال جديدة من النضال في سبيل تحقيق هذا المطلب، الذي يعزز اللحمة الوطنية، ويرسي أسساً حقيقية لوحدة الأمة المغربية".

علاوة على "حزب الاستقلال"، بادر نواب من المعارضة إلى توجيه مذكرة إلى رئيس الحكومة من أجل إقرار رأس السنة الأمازيغية كعيد رسمي وعطلة مدفوعة الأجر، مشددين على أن ذلك يستند الى "مقتضيات دستور 2011، المؤسس للتعدد اللغوي والتنوع الثقافي، وصون الهوية الوطنية الموحدة".

وإلى جانب "حزب الاستقلال"، بادر نواب من المعارضة إلى توجيه مذكرة إلى رئيس الحكومة من أجل إقرار رأس السنة الأمازيغية، مشددين على أن "مقتضيات دستور 2011، المؤسس للتعدد اللغوي والتنوع الثقافي، وصون الهوية الوطنية الموحدة، فضلاً عن كونها تنطلق من المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الشعوب الأصلية في ممارستها تقاليدها وعاداتها الثقافية، تعتبر الاحتفال برأس السنة الأمازيغية تقليداً راسخاً في الثقافة الشعبية لشمال أفريقيا، ويُخلّد بطقوس وتمظهرات مختلفة بتغيّر الجغرافيا والانتماء القبلي".

الحكومة ترمي بالكرة إلى ملعب القصر الملكي

من جانبها، فضّلت الحكومة المغربية عدم التطرّق إلى موضوع إقرار السنة الأمازيغية عطلةً رسمية، متجاهلةً المطالب المتكررة للبرلمانيين والهيئات المدنية والسياسية منذ سنة 2011، ومكتفية بالتلميح إلى أن الأمر ليس بيدها.

مقالات ذات صلة

وإثر ذلك، قال وزير الدولة المكلف حقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان، المصطفى الرميد، في جواب قدمه باسم الحكومة على أسئلة الفرق البرلمانية، إن رئيس الحكومة شرع في مداولات مع عدد من القطاعات الحكومية من أجل إنجاز مخططات قطاعية ترمي إلى تفعيل القانون التنظيمي المتعلق بالأمازيغية. واعتبر الرميد أن موضوع الاحتفاء بالسنة الأمازيغية هو "محل اهتمام الدولة بكل مكوّناتها"، وأنه "سيتم اتخاذ القرار اللازم في سياق التطورات الإيجابية التي تعرفها قضية ترسيم الأمازيغية في المغرب". وخاطب الرميد البرلمانيين بالقول: "بالطبع أنتم تفهمون ما ينبغي فهمه، فهذا الموضوع ينبغي أن يتولى الإعلانَ عنه من بيده أمر الإعلان عن القضايا الأساسية والمهمة بشكل أساسي في البلاد"، في إشارة إلى أن القرار الأخير بيد الملك محمد السادس.

وشدد الرميد على أن الحكومة عازمةٌ على مواصلة تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، بالإضافة إلى بذل مجهودات لتثمين مظاهر الاحتفال بها باعتبارها موروثاً مشتركاً لكل المغاربة.

مقالات من المغرب

للكاتب نفسه

اغتصاب الأطفال جنحة؟

المغتصَبة طفلة في السادسة، والمغتصِب جار أهلها الأربعيني، والأب تنازل عن دعواه، والمحكمة أطلقت سراح المجرم على أن يحاكَم وهو حرّ، والبلاد كلها استنكرت.. فأعيد إلى السجن.