ســيـاســـة الاســتـئـثـار واقـتــــلاع الجــــذور

استهوتني قصة المشاريع العقارية الضخمة والمدن الجديدة التي سيطرت على النشاط الاقتصادي في دول الخليج العربي، لأنها تجسد في طياتها كل أوجه الخلل المزمن الذي تواجهه المنطقة. فيتجسد الخلل السياسي والاستئثار بالسلطة في الفساد الذي استشرى في صفقات الأراضي وعمليات ردم البحر (الدفان) الذي تتطلبه هذه المشاريع، بالإضافة إلى انعدام دور غالبية المواطنين في التخطيط والموافقة على هذه المشاريع. أما الخلل
2012-11-07

عمر الشهابي

مدير مركز الخليج لسياسات التنمية


شارك
برج دبي ومحيطه

استهوتني قصة المشاريع العقارية الضخمة والمدن الجديدة التي سيطرت على النشاط الاقتصادي في دول الخليج العربي، لأنها تجسد في طياتها كل أوجه الخلل المزمن الذي تواجهه المنطقة. فيتجسد الخلل السياسي والاستئثار بالسلطة في الفساد الذي استشرى في صفقات الأراضي وعمليات ردم البحر (الدفان) الذي تتطلبه هذه المشاريع، بالإضافة إلى انعدام دور غالبية المواطنين في التخطيط والموافقة على هذه المشاريع. أما الخلل الاقتصادي المتجذر في المنطقة، فيبرز في الكميات الهائلة من الأموال التي أتت أساساً من الريع النفطي لتصب في هذه المشاريع (حوالي 1.2 تريليون دولار)، والتي هي بدورها أيضاً نوعٌ آخر من الريع «العقاري». هذا بالإضافة إلى التركيبة المتشعبة من الشركات الاستثمارية والمطوِّرين العقاريين والبنوك التي تشكلت حول هذه المشاريع. في المقابل، يتجلى الخلل السكاني المزمن في هذه المدن الجديدة، الموجهة في الأساس لشعبٍ جديد ليسكن فيها، حيث تغيّرت رؤية متخذي القرار لتدفق الوافدين ومعاملتهم لهم، من النّظر إليهم كظاهرة عرَضيّة لا بد منها، هدفها سد متطلبات الإنتاج، إلى تبني استقطاب الوافدين كهدف أساسي، بسبب زيادة الطلب الاقتصادي عليه في دول المجلس. تبين هذه المدن الجديدة بشكل جلي أن أوجه الخلل المزمنة في المحاور السياسية والاقتصادية والسكانية مترابطة، وتغذي بعضها بعضاً في جدلية مستمرة، حيث لا يُمكن فصل هذه المحاور عن بعضها والنظر إليها منفردة. وهذا التشعب المتعمق بين العوامل السياسية والاقتصادية والسكانية الحادة ينذر بخلطة متفجرة من الصعب التنبؤ بتبعاتها. بل إنه من شبه المستحيل على صنّاع القرار أن يتحكّموا في مسارها في خطط مرسومة مسبقاً. طبيعة هذه المشاريع العقارية تشير إلى مسارين: إما أن تنجح وتتحول بذلك الى مدن جديدة ضخمة يقطنها الملايين من السكان الجدد. وإما أن تفشل فشلاً ذريعاً، وتتحول إلى مبانٍ خاويةٍ ينبذها الناس، وتكون في نهاية الأمر مشاريع «فيل بيضاء» white elephants، وعملية نصب كبرى مصيرها أن تصبح مدن أشباح.
كلا الخيارين لا يزال مطروحاً. ومن الممكن أن يحدث الاثنان على مر الزمن. فكثير من هذه المشاريع قد تم إيقافها في خضم الأزمة المالية العالمية. في المقابل، فإن الكثير من المدن الجديدة قد تم بناؤها فعليّاً وأصبحت مأهولة، كمنطقة المارينا في دبي، و«أمواج» في البحرين. والقول بأن رؤوس الأموال والمتنفذين سيقفون مكتوفي الأيدي وسيرضون بأن تبقى هذه المشاريع شاغرة، يعبر عن فهم ضيق لمنطق رؤوس الأموال وتحركاتها. وكما رأينا، فقد سمحت البحرين لملاك العقار الدولي بالتصويت في الانتخابات البلدية للعام 2010، كما مدّدت الإمارات مدة الإقامة المرتبطة بشراء العقار من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات في العام 2011. وتدل تصريحات المسئولين عن هذه المشاريع إلى أنهم يتطلعون إلى إعادة تلك التي تم إيقافها متى ما سنحت الفرصة، هذا بالإضافة إلى نية بناء مشاريع عقارية ضخمة جديدة.
النقطة الرئيسية هنا، هي أنه من المستحيل أن يتواصل الخلل السكاني في التراكم من دون أن تكون له تبعات جذرية مصيرية على المنطقة في المستقبل غير البعيد. بعض هذه التبعات تمت مناقشتها بإسهاب، بما فيها ازدياد أعداد الوافدين في سوق العمل، وتهميش دور المواطنين إنتاجيّاً وعدديّاً، بالإضافة إلى تشوّه الهوية العربية في المنطقة وازدياد حدة التعصب وكره الغرباء (xenophobia) بين صفوف بعض المواطنين. في المقابل، ستتواصل حالات الاضطهاد التي يتعرّض لها الكثير من أبناء العمالة الوافدة وتدني حقوقهم على المستوى الاقتصادي والسياسي. وبإمكاننا تلخيص هذه الإفرازات بأنها حالة شديدة من «الاغتراب» التي يعيشها المواطنون والوافدون معاً.
أما بالنسبة إلى ظاهرة المشاريع العقارية، فلها معطياتٌ تختلف كمّاً ونوعاً عن ظاهرة توافد العمالة الأجنبية. ولعل الخاصية الأهم هي بروز ظاهرة «المجتمع المغلق» أو ما يمكن تسميته «بالمدينة داخل المدينة». حيث يتم خلق مجتمع من «الكانتونات» المنفصلة، تعيش كل مجموعة منها في منأى تام عن بقية المجموعات، لا يربطها ببعضها أي انتماء قومي أو ثقافي أو سياسي، ولا يكون هدفها الجامع سوى النمو الاقتصادي وتحريك رؤوس الأموال في إطار اللغة الانجليزية الحاضنة. هنا تصبح المدينة مفهوماً بالإمكان بناؤه وتجديده وإعادة تركيبه بشكل سريع بناءً على أهواء متخذي القرار والخبراء المنفذين للمشروع. والحالة الأساسية التي تميّزها هي التغير المستمر في ملامح وعمران المدينة وحتى سكانها، فلا البيوت ولا النخل ولا حتى البحر في مأمن من الهدم والاقتلاع والدفن. كل هذا قد يحصل في سنين أو أشهر معدودة، فلو قُدّر لأحدٍ أن يشد الرحال إلى الخارج طلباً للعلم؛ لما عاد بإمكانه التعرف على المدينة أو على سكانها عند عودته من الدراسة.
فالمدينة في الخليج لم تعد تعكس رغبات ونمط حياة أهلها وساكنيها أو وتعبّر عنها. فهم عامةً مهمّشون ومن دون أي دور فعال في تحديد ملامحها العمرانية والاجتماعية. فها هم يشاهدون العمارات تعلو من حولهم وليس في يدهم إلا أن يراقبوا ويتأقلموا. وقد لا يكونوا هم حتى من ساكني منطقتهم الحالية في المستقبل القريب. وهكذا تم هزّ واقتلاع الجذور التي كانت تربط السكان بمدنهم. وفي المقابل، أمست المدينة مفهوماً متقلباً قد يتبدل هو وساكنوه في غضون أيام معدودة. وهكذا أصبح ما يحدّد شكل المدينة وحتى جغرافيتها ليس سكانها، الذين يتغيرون بنفس سرعة تغير المدينة، بل المردود المادي وتطلعات متخذي القرار.

مدير مركز الخليج لسياسات التنمية

عن موقع "جدلية"
http://www.jadaliyya.com/

مقالات من الخليج العربي

مقاومة التطبيع في الخليج

يُفترض بالغريزة الأساس التي تُميِّز من يتصدر لإدارة الحكم، أن تُنبِّهه إلى مراعاة تطلعات الناس واحترام القضايا العادلة التي يؤمنون بها، وفلسطين - الناس والأرض والفكرة والمبدأ - في طليعة...