دور الجيش المصري في «30 يونيو»

أنتجت الثورة المصرية حتى الآن أربع موجات ثورية، عميقة ومركبة ومتناقضة كثيراً في ظاهرها وفي بنية فاعليها. فالموجة الثورية الأولى رفعت شعار «الجيش والشعب يد واحدة». وعلى النقيض منها، نادت الموجة الثورية الثانية المتمثلة في معركة محمد محمود، بإسقاط حكم العسكر. ثم جاءت الثالثة (يناير 2012 في ذكرى محمد محمود وبعدها مروراً بالإعلان الدستوري) لتزحف على مراكز السلطة التي لم تتغير، مبدية
2013-08-14

علي الرجّال

باحث في علم الاجتماع السياسي متخصص في الدراسات الأمنية، من مصر


شارك
(غرافيتي في القاهرة (من صفحة revolution graffiti على فايسبوك)

أنتجت الثورة المصرية حتى الآن أربع موجات ثورية، عميقة ومركبة ومتناقضة كثيراً في ظاهرها وفي بنية فاعليها. فالموجة الثورية الأولى رفعت شعار «الجيش والشعب يد واحدة». وعلى النقيض منها، نادت الموجة الثورية الثانية المتمثلة في معركة محمد محمود، بإسقاط حكم العسكر. ثم جاءت الثالثة (يناير 2012 في ذكرى محمد محمود وبعدها مروراً بالإعلان الدستوري) لتزحف على مراكز السلطة التي لم تتغير، مبدية معارضة شرسة للإخوان المسلمين ولمنع إعادة إنتاج حزب وطني جديد وسلطة تحتكر المجالين العام والسياسي. وظلت المعركة مع الأمن متمثلا في الداخلية مشتعلة. في المقابل، جاءت الموجة الرابعة (30 يونيو) لتستعيد شعار الموجة الأولى مرة أخرى.
وعلى كل حال، فالتناقض هو السمة الرئيسية لأي ثورة، وبالأخص الثورات الكبرى والممتدة. فنجاح الثورات غالباً ما يكون مرتبطا بدخول عناصر من بينة النظام القديم على خطوط الثورة نفسها، ما يوفر إمكانيات أوسع لإحداث قطيعة مع الماضي، حيث ترى أطراف من النظام القديم استحالة الدفاع عنه حتى النهاية، وتصبح مناصرته تهديدا وجوديا لها. وهذا هو الحال مع أجهزة الدولة المختلفة، وفلول نظام مبارك التي دعمت الموجة الرابعة. ولعل أبرز عناصر النظام القديم هو الجيش المصري. فسرعة تدخله تطرح سؤال الانقلاب والمؤامرة.
إلا ان ثمة شيئا لم يتغير كثيراً بين الموجة الأولى في 25 يناير 2011 والموجة الأخيرة. فمنذ البداية، كان هناك ثلاثة خطوط للفعل شكلت العملية الثورية. فهناك ثورة بداخلها توجه إصلاحي محافظ، ويحيط بهما بصورة دائمة احتمال الانقلاب العسكري.

الخط الثالث: الانقلاب العسكري

لماذا ناصر الجيش الموجة الرابعة؟ راوحت تحليلات السياسيين والأكاديميين في مصر للجيش منذ الثورة بين خطاب الوطنية الممجِّد للجيش، وهو كثيراً ما يتسم برطانة وكلشيهات... وبين التعامل مع الجيش كحفنة من المرتزقة لا يسعون إلا وراء المال. والحقيقة أن كلا التصورين يبدو إختزاليا ومعبأ بالايدولوجيا أكثر منه بالتحليل والتفسير.
ففي الموجة الأولى، أراد العسكر قطع رأس الملك فحسب ــ أو الايهام بذلك ــ لتهدئة غضب الثورة أو اخمادها، بما يسمح بالحفاظ على النظام العام وتركيبة ونمط السلطة فيه، وبما يتيح لهم السيطرة على مقاليد الحكم، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وإعادة انتاج النظام القديم للحفاظ على مكتسباتهم الاقتصادية والاجتماعية. وربما ساند العسكر الثورة في بدايتها لمجابهة مشروع التوريث والحفاظ على الجمهورية.
إلا انه علينا أن نتساءل ماذا تعني الجمهورية للعسكر؟ هى الديكتاتورية العسكرية. هذه الأجابة مستمدة من عمق التجربة التاريخية المصرية الحديثة. فبداية نشوء تلك الفكرة كانت مع أحمد عرابي. والقراءات الجديدة للتاريخ توضح أن العسكريين المحيطين بعرابي، وعرابي شخصيا، كانوا يطمحون لإنشاء تلك الديكتاتورية، بل أحيانا كان يصل الأمر الى حد احتقار المدنيين. وهذا الشكل أو التصور للنظام كان هو الوحيد القادر على إعطاء غطاء شرعى لوجودهم كأشخاص يمكن أن يستمروا فى الحديث باسم الجماهير، وكان يضع الجيش فوق كل الكيانات السياسية والاجتماعية الأخرى التي من الممكن أن تعبر عن الدولة والمجتمع. وكان ذلك السبب الرئيسي فى انفكاك الكثير من النخب المدنية والدينية عن عرابي الذى لم يتورع عن إشهار سيفه عند اختلاف وجهات النظر.

طموح العسكر وتناقضاته

وتكرر الطموح نفسه والتصور عند الضباط الأحرار الذين كان أغلبهم ينتمون الى تنظيمات سلطوية مثل «الإخوان المسلمين» و«مصر الفتاة» أو متأثرين بها. ومن الأيام الأولى للحركة المباركة ــ انقلاب 1952 الذى تحول لاحقا إلى ثورة ــ دار نقاش طويل بين الضباط الأحرار حول اتجاهين: الأول تحقيق ديكتاتورية عسكرية والثاني إنشاء ديموقراطية. إلا ان الجمهورية كانت تعنى لهم الخيار الأول. وكان ثمة عداء عند أغلب تلك التنظيمات للأفكار الديموقراطية، وكانوا ذوي تطلعات محافظة ورجعية، بالإضافة إلى احتقارهم فكرة التعددية ورؤيتها كتشرزم وتحلل. ومنذ الانقلاب، والمؤسسة العسكرية في مصر تعاني ازدواجية في التعامل مع ما يسمى بالشعب المدني. فكما يشير المؤرخ شريف يونس، هناك حالة من «تقديس الشعب»، حيث قام الانقلاب باسمه ودفاعاً عنه. وفي الوقت نفسه هناك احتقار كامل للمدنيين وللشعب المتسبب باستمرار الاستعمار والتحالف مع الإقطاع الفاسد. ولم يكن صدفة ان يعيد الضباط الاحرار إنتاج عرابي كبطل وطني وأسطورة شعبية وثورية. وبدأت الأغاني والأشعار الوطنية تلتف حول الجيش. ونصّب الجيش نفسه ليس فقط كوصي ومتحكم بجهاز الدولة المصرية بل بالوطن ذاته، وكسيد عليه، حيث أصبح المسؤول عن السيادة وأصبحت السيادة تحل فيه وفي رموزه. ومن هنا نستطيع فهم خطاب الجيش عن نفسه، ولماذا يُعد نقد احد قادته انتقاصا من سيادة الأمة وتهديدا للأمن القومي. أختلطت الوطنية بالذكورية وبالأبوية، في مؤسسة واحدة ومن خلالها. ولم يكن عجباً أن يحتوي خطاب مبارك ومرسي والجيش على فكرة تصوير النقد والتمرد كإهانة للأب والسيد في الوقت نفسه.
يمكن فهم هذا القدر من عدم التجانس، واختلاف الرؤى بين المجلس العسكري والحركة الثورية فى الشارع المصري. فالثورة كانت «تريد استعادة الجمهورية» على حد وصف د. هبة رؤوف. وكي نكون أكثر دقة، يمكننا القول إن الثورة تهدف لبناء جمهورية جديدة على قواعد وأسس تواكب طموح الثورة وشبابها، وليس فقط استعادتها. ويدور الصراع الحقيقي حول نمط السلطة وتجلياتها فى شكل الممارسات المختلفة. فالثوار مجمعون على رفض شديد للدولة البوليسية. وهم لم يقوموا بالثورة لإحلال تسلط «الداخلية»، ومن بعدهم الإخوان، محل تسلط العسكر. بل هناك عداء شديد لنمط السلطة المعسكرة على العموم. فالثورة قامت ضد بنى القمع والقهر المختلفة، من السلطة الأبوية إلى هيمنة الأمن على السياسة والنواحي الاجتماعية المختلفة، وهما خاصيتان أصيلتان فى تركيبة السلطة المعسكرة. والمشروع الثوري يتجه نحو تفكيك تلك السلطة ــ في المساحات المدنية ــ بخطوات متسارعة أحيانا ومرتبكة ومتعثرة أحيانا أخرى. والعسكر يعتقدون أنهم من خلال ذلك الانقلاب المتداخل مع الثورة يمكنهم إخضاع الجماهير مرة أخرى، وبهذا يتفوق الانقلاب على الحالة الثورية.

انقلاب غير مكتمل الأركان

ويجب الأخذ فى الاعتبار أن الانقلاب هنا لا يعني بالضرورة استمرارية العسكر فى الحكم المباشر على رأس الدولة. فهناك تغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية على المستوى المصري والعالمي تجعل هذا أمرا عسيرا للغاية. وقد جعل تطور نظم الحكم وانماط الاقتصاد والانتاج السلطة لا ترتكز فقط على جهاز الدولة، بل على شبكات مصالح على مستوى داخلي وعالمي متجاوز للدول أحيانا. وكانت الانقلابات العسكرية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي قد ارتبطت باحتلال نخبة عسكرية ما لرأس الدولة والالتصاق به وبناء ما سمي برأسمالية الدولة. أما الآن، ورغم أن جهاز الدولة ما زال مهما وفعالا لأقصى درجة، إلا انه أصبح عقدة فى شبكة معقدة، ولم يصبح كلا في ذاته ولذاته. وبهذا نستطيع فهم حرص المجلس العسكري في الفترة الأنتقالية على حكومة الجنزوري مثلاً، التي ترسخ الدولة القديمة العميقة وتحافظ على نخب وقيادات النظام السابق نفسها، بالأخص في الصف الثاني والثالث. ونستطيع أيضاً فهم عدم قفز المجلس العسكري بالكلية على السلطة في شكل انقلابي على نمط الخمسينيات أو الستينيات. فمصالح المجلس العسكري مرتبطة بالدولة ومتجاوزة لها في الوقت نفسه، ولا يوجد لدى المجلس مشروع سياسي يتطلب ترؤسه للدولة مباشرة، لكن توجد مصالح اقتصادية واجتماعية تتطلب توغله في الدولة، وجوده فوقها وخارجها لا على رأسها. فمثلما تطورت وتغيرت النظم وأنماط الحكم، وحتى أنماط الثورات، يجب أن نأخذ فى الاعتبار تطور وتغيّر الانقلابات.

الجيش بين لحظات الاستثناء والاستقرار

وكي نفهم تدخل الجيش الأخير، فعلينا النظر إليه من خلال مصالحه الاقتصادية والاجتماعية في حالات الاستقرار، ومن خلال الدولة في حالات الاستثناء مثل الثورة. فالمدخل الاقتصادي فقط سيعجز عن تفسير تدخله الأخير، ببساطة لأن الإخوان قاموا بتنفيذ كل تطلعات الجيش الاجتماعية والاقتصادية وثبتوها في الدستور السابق رغم أنف الثوار. ولم يتورع مرسي عن التهديد بالمحاكمات العسكرية، وغازل الجيش في كل محفل. بل إن الجماعة كمؤسسة كانت تتعمد تشويه الثورة وتصوير أبنائها على أنهم معادون للجيش المصري «العظيم» ويهددون سيادة الوطن ويسعون إلى الوقيعة بين الشعب والجيش. والحقيقة أنه لم يكن هناك توجه ثوري معاد للجيش في ذاته أو لسيادته ودوره العام، بل كان وما زال هناك تمرد حقيقي على عسكرة المجتمع والدولة والسلطة.
ويعمل الجيش في لحظات الاستثناء من خلال منطق الدولة والحفاظ عليها، حتى لو كان ذلك عكس مصالحه الاقتصادية والاجتماعية. ومما سرع تدخل الجيش هو تهديد الإسلام السياسي بسيناريوهات الحرب، وتحديداً الحرب الأهلية، مثل الجزائر والصومال وسوريا. وقد أعرب السيسي عن قيم الوصاية والحماية في خطاباته المختلفة حيث جاءت بصيغة «إحنا ميبقاش لينا لازمه لو سبنا حد يهدد الشعب المصري»، وأيضاً معبراً عن الخوف من تفكك الدولة المصرية «العظيمة». ومما زاد تماسك الجيش في الأحداث الأخيرة هو المحاولات المستمرة من قبل الإسلاميين للترويج لفكرة أن الجيش قد انقسم على نفسه وأن أسلحة كثيرة تدعم مرسي والشرعية المزعومة.

ضرورة الانتقال إلى التفصيل

هل يعني هذا كله تماهي الجيش مع الثورة؟ بالطبع لا. هناك تعارضات جوهرية بين قيم هذين الخطين. لكن السؤال الفعلي هو هل يتصادم الجيش مع الثورة مرة أخرى، مثلما حدث مع المجلس العسكري في الفترة الانتقالية الأولى؟ الاجابة مرتهنة بمدى وجوده في المشهد السياسي وتحكمه الظاهر بمقاليد الحكم المباشر بعد أن تهدأ الأوضاع نسبياً مع الإسلاميين. فقيادة السيسي حتى الآن تُصدِّر المدنيين في الأمور السياسية، مثل البرادعي والببلاوي وآخرين، ويتصدر السيسي المشهد الأمني، وهو أمر مقبول في تقسيم وتوزيع الأدوار. ولو بدأ الجيش بالتنحي تدريجاً من صدارة المشهد، فسيصبح شعار «يسقط حكم العسكر» لا محل له. ولهذا ينبغي تفكيك شعار يسقط حكم العسكر الى عدة عناوين تفصيلية، مثل تفكيك هيمنة العسكر على مساحات سياسية مدينية واسعة، هيمنته على المخيلة الاجتماعية، تحجيم دوره من خلال الدستور، وعدم توغله على مساحات السياسة والاقتصاد، تنحيته الكاملة من الحياة السياسية والديموقراطية، حماية الجيش من تدخل السياسيين والسياسة في عمله الاحترافي، حمايته أيضاً من استخدامه كأداة سياسية. فلبناء دولة سليمة يجب إحداث توازن بين المؤسسة العسكرية والمساحات المدنية، وعدم طغيان احداهما على الأخرى. وهى أمور تحتاج لعمل ثوري استراتيجي وليس مسلكا متشنجا وتصادميا بدون مبرر. وهو ما يبدو حتى الآن غائبا عن الأفق.

مقالات من مصر

للكاتب نفسه