السودان: التخلي عن سيادة محدودة من أجل التنمية؟

أسهمت متلازمة التغير المناخي والتطور غير المتوازن في السودان إلى تصاعد الإحساس بالغبن التنموي الذي عبّر عن نفسه في شكل انفجارات سياسية واجتماعية وأمنية. تغييرات المناخ شهدت العقود الثلاثة الماضية في السودان تطورات خارج السياق المألوف والطبيعي، خاصة في الفترة 1984-2014، مثل كارثة السيول والفيضانات الأشهر في تاريخ السودان في العام
2015-12-10

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
راشد دياب - السودان

أسهمت متلازمة التغير المناخي والتطور غير المتوازن في السودان إلى تصاعد الإحساس بالغبن التنموي الذي عبّر عن نفسه في شكل انفجارات سياسية واجتماعية وأمنية.

تغييرات المناخ

شهدت العقود الثلاثة الماضية في السودان تطورات خارج السياق المألوف والطبيعي، خاصة في الفترة 1984-2014، مثل كارثة السيول والفيضانات الأشهر في تاريخ السودان في العام 1988، إذ بلغت معدلات الأمطار التي هطلت على الخرطوم في ليلة واحدة 210 مليمترات، أي بما يفوق المعدل السنوي العادي بثلاثة وأربعين مليمتراً، وأيضاً عودة مناسيب النيل الى الارتفاع بعد الانحسار المعهود، وتعرض الريف الجنوبي لمدينة أم درمان إلى عودة الحياة إلى المجاري المائية الجافة منذ عقود طويلة، أو تعرض بعض المناطق في "ولاية نهر النيل"، في الشمال، إلى عواصف ترابية بالغة القوة، وصعود الفاصل المداري إلى شمال وادي حلفا، مما جعل كل أرض السودان تحت تأثير الرياح الجنوبية الغربية الرطبة ومن ثم هطول الأمطار على صحراء العتمور وعلى الواجهة الغربية الجبلية على البحر الأحمر. ومن الظواهر المناخية كذلك، ذات البعد البيئي المستدام، الزحف الصحراوي الكثيف على الضفة الشرقية لنهر النيل من ولاية نهر النيل وحتى وادي حلفا قرب الحدود مع مصر، بمعدل خمسة كيلومترات سنوياً، الأمر الذي أدّى الى ضمور في النشاط الزراعي وبالتالي تراجع سكاني، ترك المنطقة وتحول إلى الضفة الغربية للنيل.
زيادة التصحر والجفاف اللذان ضربا مناطق في غرب السودان عُرفت أنها مستودع للثروة الحيوانية، أثّر سلبياً على المناطق الزراعية، وتلك المتاحة للرعي، وفوق ذلك على الرعاة الرحَّل الذين يشكلون نسبة تقل عن 8 في المئة من إجمالي سكان السودان ويملكون ما بين 70 ــ 80 في المئة من ثروة البلاد الحيوانية التي تقدر بما بين 72 مليوناً إلى 84 مليون رأس من الماشية. كما أنّ التوقعات السائدة تقول إن حجم القطيع يتضاعف كل عشرين عاماً، أي يتوقع له أن يبلغ 208 ملايين بحلول العام 2031، ثم 400 مليون رأس في منتصف هذا القرن، الأمر الذي ينذر بوقوع هذه الثروة الحيوانية بين فكي كماشة: يجد نفسه محاصراً من جهة الشمال بالصحراء الزاحفة جنوباً، ومن جهة الجنوب بالحدود الدولية مع دولة جنوب السودان، مما سيشدد العبء على الغطاء النباتي الموجود ويزيد التوتر والاشتباكات بين الرعاة والمزارعين بسبب الصراع على ما هو متاح من عشب ومياه.
وسيؤدي اندلاع الاضطرابات الأمنية الى إحجام الاستثمارات الوطنية والأجنبية عن الدخول في هذه المناطق التي تعتبر أقاليم الهامش، مما يعزز من تفاقم الفجوة بينها وبين المركز بكل ما يرتِّبه ذلك من تبعات سياسية وأمنية واقتصادية، خاصة أن الصراع السياسي في السودان تمحور خلال العقود الثلاثة المنصرمة حول العلاقة بين المركز والهامش، بسبب الغبن التنموي الذي تشعر به الأقاليم، وأسهم في اشتعال التمرد على السلطة المركزية بمختلف السبل. وهو ما تفاقم بسبب استئثار المركز بعائدات عقد الطفرة النفطية التي شهدها السودان برغم أنّ الهامش هو مصدر تلك الثروة!
مؤشرات التنمية البشرية في السودان متواضعة بصورة عامة، وفي أقاليم الهامش بصورة أخص، واتجاه "التواضع" إلى تفاقم بسبب مفعول الكماشة ذاك، والصراع المتوقع بين القطاعين الرعوي والزراعي المطري في أقاليم الهامش لانحسار المراعي وموارد المياه.. وتداعيات ذلك على الحالة الأمنية. والحروب القبلية التي شهدتها مناطق في ولايات دارفور وكردفان مؤشر على ذلك.

تصحيح المعادلة في مناطق الهامش

يرى الدكتور عمر محمد علي، الخبير الاقتصادي والتنموي السوداني الذي عمل في مؤسسات إقليمية، أن التصدي لهذا السيناريو الكارثي يتطلب وضع استراتيجية قادرة على تصحيح المعادلات وإطلاق قطار التنمية في أقاليم الهامش بسرعة تفوق سرعة نظيره في المركز، والقفز فوق الزمن. ويفرض هذا التوجه التعقيدات التي تحيط بجهود التنمية في السودان، إضافة إلى وضع البلاد المعقد سياسياً، وشح التمويل خاصة مع الدَين الخارجي الذي يتحمله البلد. ولهذا اقترح إستراتيجية جريئة تعتمد التركيز على الهضاب الجبلية في أقاليم الهامش، التي تتمتع بطقس معتدل، مما يعطيها تميزاً في مقابل أراضي السودان السهلية المعروفة بطقسها الحار بسبب موقعها المداري ـ القاري، مما يؤثر على الإنتاج بسبب الإجهاد الحراري.
كما تتعزز اقتصادات تلك الهضاب لوجود أراض زراعية خصبة في ظهرها، إضافة الى أن معدلات هطول الأمطار فيها أعلى، مما يوفر إمكانية لإنتاج الكثير من المحاصيل، والسماح بالحصول على كميات هائلة من المياه يمكن ان يتم توظيفها بصورة أفضل، خاصة أن معظم الهضاب الجبلية في السودان توجد في المناطق التي تحظى بمعدلات عالية لهطول الأمطار تتجاوز 600 مليمتر وتصل أحياناً إلى ألف مليمتر، خاصة في قمم الجبال، مثل جبل مرّة في دارفور الذي يطلق عليه أحياناً سويسرا أفريقيا.

قامت الدراسة (تحت عنوان: تغير المناخ والتخطيط الاستراتيجي في السودان: رؤى حول آفاق التنمية في أقاليم الهامش، وتغطي 379 صفحة) بعملية مسح للهضاب والمرتفعات المقترحة، وتوصلت إلى تحديد بعضها ليكون التركيز عليها، وهي هضبة درديب في شرق السودان بمساحة تبلغ 2750 كيلومتراً مربعاً، تظللها الغيوم والسحب في فصلي الخريف والشتاء كما توجد بها مصادر للمياه السطحية والموسمية. الهضبة الثانية المقترحة تقع في المناقل في ولاية الجزيرة في وسط السودان، وهي أقل ارتفاعاً لكنها تعلو على سهلي الجزيرة وكنانة، وتمتد على مساحة تقدر بحوالي 5 آلاف كيلومتر مربع، كما أنّ معدلات هطول الأمطار فيها تتراوح بين 300 ــ 400 مليمتر. المنطقة الثالثة هي جبال الانقسنا في ولاية النيل الأزرق في جنوب شرق البلاد، وتقدر مساحتها بحوالي 1300 كيلومتر مربع وارتفاعها نحو ألف قدم فوق سطح البحر، كما تحظى بمعدلات أمطار عالية تفوق 800 مليمتر وتحيط بها مناطق زراعية شاسعة تصل إلى مليون فدان. وهناك أيضاً منطقة جبال النوبة في الجنوب بمساحة 78 ألف كيلومتر مربع، وتتراوح معدلات الأمطار فيها بين 600 ــ 800 مليمتر، وتتوفر فيها إلى جانب وفرة المياه، الأراضي الزراعية الخصبة والثروة الحيوانية. ويمكن تقسيم المنطقة إلى جزءين: هضبة رشاد وتقع في حضن سلسلة من الجبال تمتد شمالاً وجنوباً تتخللها بعض القمم العالية وتحيط بها سلسلتان جبليتان شرقاً وغرباً. والمنطقة الثانية هي التي تضم قريتي هيبان وكاودا على هضبتين ترتفعان عن سطح البحر بنحو ألف متر. ثم تأتي منطقة جبل مرّة التي تتمتع بمناخ يشبه مناخ البحر الأبيض المتوسط في بعض أجزائها في أعلى الهضبة، وتتدرج مع تدرج الطقس إلى مناخ الـ "سافانا" (مناطق عشبية) الغنية وشبه الغنية وشبه الصحراوية، وذلك على امتداد سلسلة جبال مرّة شمالاً وجنوباً بطول 115 كيلومتراً، وأفقياً بطول 45 كيلومتراً، أي بمساحة تزيد على 5 آلاف كيلومتر مربع، تتمدد شمالاً وجنوباً لتتحول الى هضبة متدرجة الانحدار.

"القفز فوق الزمن"

لتسريع عامل الزمن وتخطي المتاعب التقليدية والبيروقراطية للاستثمار في السودان، وما يضاف إليها من ظروف المقاطعة وعدم استقرار الوضع السياسي والأمني، تطرح الدراسة قيام مناطق اقتصادية خاصة تنطلق من مفهوم "السيادة المستعارة"، تماماً مثلما حدث مع هونغ كونغ والدور الذي لعبته بالنسبة للاقتصاد الصيني برغم الخلافات السياسية والإيديولوجية بين الصين وبريطانيا. وبسبب تعظيم قيمتها الاستراتيجية، تصبح هذه الهضاب منطلقاً لصناعات غذائية تستهدف العالم العربي الذي يعاني من فجوة وصل حجمها إلى أكثر من 76 مليار دولار في العام 2012، وهي مرشحة للاتساع مع الزيادة السكانية وتغير أنماط الغذاء. "السيادة المستعارة" تلك ستتعلق فقط بما يساوي 1.6 في المئة من مساحة السودان، وفي أراض بعضها خال من البشر وبعضها قليل السكان، وهي مناطق على أي حال، وفي الظروف الراهنة، لا تتوفر إمكانية لتطويرها في المستقبل القريب، حيث تمحورت التنمية تاريخياً حول مدن ومناطق معينة استأثرت بالسلطة والثروة، لتصبح عنصر جذب وعبء في الوقت ذاته على الاقتصاد الوطني. ولهذا أصبح من الضروري التفكير في صيغة تنموية بالنسبة لتلك الأقاليم، تسابق بها الزمن. وتقوم الفكرة على إعارة السيادة السودانية على هذه المناطق المقترحة، إلى الدول الخليجية الثرية، وفق اتفاق قانوني لأجل متفق عليه موثق ومودع لدى الأمم المتحدة، وهو ما يمكن أن يمثل عنصر جذب في سوق المنافسة الدولية لاستقطاب الاستثمارات الخليجية. وتركز الدراسة على ضرورة القبول الشعبي بالفكرة واتخاذ قرارات بشأنها من قبل الأجهزة القائمة، وكذلك تعويض المتأثرين من السكان بصورة عادلة.
النقطة الأولى التي تلفت النظر في هذا الطرح الذي يبحث عن حلول، وفيه جرأة وخيال مطلوبين في أحوالنا (وشبه معدومين!)، تتمثل في إمكانية القيام بخطوة مثل هذه في ظل انقسام وصراع سياسي حاد تعبّر عنه الحروب الأهلية المنتشرة في البلاد. ولهذا فأي خطوة من هذا النوع تتطلب قدراً من الاستقرار السياسي والوفاق الوطني بما يمكن أن يوفر حداً من الاستمرارية والديمومة للبناء عليه. ثم هل يملك أي نظام، مهما كانت شرعيته، حق التخلي عن السيادة لمصلحة دول أخرى، والتخلي عن حقوق أجيال مقيمة وأخرى ستأتي في المستقبل؟ الفكرة تقوم على التخلي عن السيادة السودانية على هذه الأراضي بدون "مقابل" واضح، وذلك على افتراض أن تنطلق قاطرة التنمية في هذه المناطق لتسحب معها بقية أنحاء البلاد، وهو افتراض يحتاج الى عملٍ كثير لنقله إلى الواقع سواء عبر الاتفاقيات التي ستُبرم وفوق ذلك حول كيفية تنفيذه ومتابعته.
والأهم من ذلك كله، هي نوعية المشاريع التنموية التي سيتم تنفيذها، وإذا كانت ستصبح فعلا قاطرة للتطور الإنمائي الذي يراعي الهموم العامة، الاجتماعية والبيئية على السواء وضمانات عدم تحوله إلى مجرد مشروع استثماري رأسمالي، عملاق بالتأكيد ومربح، لكنه "يقفز" فوق البلد نفسه. 


وسوم: العدد 172

للكاتب نفسه

أوبك وعودة مختلفة لأجواء السبعينات

في الخامس من الشهر الجاري، تشرين الأول/ أكتوبر، اجتمعت "أوبك بلس" وقررت تقليص الإنتاج بمقدار مليوني برميل يومياً، وهي الخطوة التي استفزت واشنطن ودفعت ببايدن إلى التهديد بأنه ستكون لها...