«ستّات الشاي» في السودان

ثلاثية سيدات الشاي والنظام العام وتقدم النساء في مجال الخدمة العامة، تشكل الملامح الرئيسية للمشهد النسائي في العاصمة السودانية الخرطوم، بملايينها الستة، الأمر الذي يعكس حالة الصراع المستمر لتحسين وضع النساء في البلاد
2014-03-05

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
(من الانترنت)

ثلاثية سيدات الشاي والنظام العام وتقدم النساء في مجال الخدمة العامة، تشكل الملامح الرئيسية للمشهد النسائي في العاصمة السودانية الخرطوم، بملايينها الستة، الأمر الذي يعكس حالة الصراع المستمر لتحسين وضع النساء في البلاد، وتحركه صعودا وهبوطا في اطار المجرى العام للتطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

فالسيدات اللواتي يقمن بأعداد وبيع الشاي والقهوة في المكاتب ومواقع العمل المختلفة، وعلى امتداد كورنيش النيل، بل وفي الشوارع المتربة، أصبحن ظاهرة لفتت أحد محرري صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» الأميركية التي نشرت موضوعا عنها. كما أصبحت جلسات الشاي بمقاعدها الصغيرة المتناثرة منبرا لتبادل الأخبار والشائعات، وتقول الطرفة المتداولة ان الرئيس الأميركي باراك أوباما قرر القدوم الى الخرطوم متخفيا ليعرف الأوضاع على الطبيعة، ونصحه البعض أن أفضل نقطة يبدأ منها مهمته هي عند «ستات الشاي». وبالفعل جلس أوباما الى احداهن وسألها عن تفاعلات خطاب الرئيس عمر البشير الأخير الذي دعا فيه الى حوار وطني شامل حول مشاكل البلاد، فردت عليه سيدة الشاي بطريقتها الشعبية قائلة: «خطاب شنو؟ انت ما سمعت انو أوباما وصل الخرطوم متخفيا؟».

أما محاكم النظام العام، فهي التي قامت الحكومة بتأسيسها لإحداث انضباط في الشارع، ولم تخل من استخدام لعامل الدين وتفسيره وتطبيقه، بما يسهم في تأكيد السلطة الحكومية تجاه خصومها. سلطات النظام العام التي لها شرطتها ومحاكمها والعاملين فيها من ذوي التأهيل الضعيف استُخدمت بصورة رئيسية أداة قمع ضد الخصوم السياسيين، كما ان هذا القمع وقع على النساء الى حد كبير خاصة عند تفسير بعض مواد قانون النظام العام الفضفاضة مثل اللبس غير المحتشم وتبني تعاريف مبتسرة ومتعسفة، مثلما حدث مع قصة البنطلون الشهيرة عندما اتهمت أحدى الصحافيات التي كانت تلبس بنطالا بأنها غير محتشمة في لبسها، وهي تهمة عقوبتها الجلد. وتتعرض النساء للكثير من التعديات بسبب قانون النظام العام ابتدءا من مصادرة أدوات عمل الشاي لعدم دفع مستحقات البلدية من رسوم، أو مواجهة تهم اللبس غير الملائم، أو تصنيع الخمور البلدية، والتعرض للسجن أو الغرامة أو حتى لبعض التحرشات الجنسية.

تطور مستمر

لكن من الجانب الآخر، فأن مسيرة المرأة في السودان وتطورها نحو الأفضل في مختلف المجالات ظل مستمرا وبدفع من بعض قوى المجتمع الحية. فالدفع باتجاه تعليم المرأة له تاريخ يتجاوز القرن من الزمان، ويعود الى العام 1907 عندما قرر رائد تعليم البنات في السودان الشيخ بابكر بدري البدء بتعليم بنات أسرته، وهي الخطوة التي نمت وتوسعت وتُوجت بقيام جامعة الأحفاد للبنات في السودان التي تعتبر حاليا من أفضل الجامعات في البلاد، وهي مؤسسة تعليمية خاصة وتحظى بعلاقات دولية متميزة كما تضم بين جنباتها قرابة خمسة آلاف طالبة يدرسن في مختلف المجالات.

هذه البداية المبكرة في التعليم أثمرت فيما بعد، ومع التطور السياسي في السودان، في تحقيق النساء لعدد من الانجازات في مختلف المجالات، على رأسها حصول المرأة على حق الانتخاب لأول مرة في العام 1953، أي قبل استقلال السودان، بداية بالمتعلمات في ما كان يعرف وقتها بدوائر الخريجين. وتوج هذا الحق بأنتخاب السيدة فاطمة أحمد إبراهيم نائبة برلمانية في العام 1965، في أول أنتخابات بعد ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964 الشعبية التي قضت على أول حكم عسكري في السودان، كما كرست حق النساء في الانتخاب والترشيح. وفي العام 1970، تم تعيين أول قاضية شرعية في البلاد، وربما تكون تلك الخطوة الأولى من نوعها في العالم الاسلامي. بل وشهد العام 2003 بروز زينب محمد محمود أول سفيرة سودانية، وهي التي بدأت العمل في السلك الديبلوماسي من أول السلم حتى قدمت أوراق اعتمادها سفيرة للخرطوم في العاصمة السويدية استوكهولم. وتوجد حاليا نحو عشر سفيرات في الخدمة، ثلاث منهن يقدن العمل في سفارات السودان في ايطاليا واسبانيا والنرويج. وشهدت انتخابات العام 2010 تطبيق مبدأ تخصيص 25 في المئة من مقاعد البرلمان للنساء على المستويين الاتحادي والولائي، وهو ما عبر عن نفسه أيضا في وجود للنساء في التشكيلات الحكومية خاصة. ووجود سيدة في الوزارات السودانية يعود الى العام 1975 من خلال الدكتورة فاطمة عبد المحمود وزيرة للشؤون الاجتماعية، التي كانت من بين المرشحين الذين نافسوا عمر البشير على الرئاسة في انتخابات 2010. 

استقلال اقتصادي

في انعكاس واضح لتبعات عمليات النزوح الداخلي بسبب الاضطرابات السياسية والأمنية في مختلف بقاع السودان، تحفل الكثير من الصحف السودانية بإعلانات عديدة من المحاكم عن قضايا من سيدات طلبن الطلاق من الزوج إما بسبب الغيبة أو الإعسار. وهو ما يعتبره العديد من خبراء الاجتماع انعكاسا لحالة الانتقال التي يمر بها المجتمع السوداني من الريف الى المدينة وما يصاحبه من ضعف وتغير واضمحلال لدور مؤسسات الأسرة والقبيلة التي كانت توفر حماية ورعاية لأفرادها بمختلف الصور. كما أسهمت النزاعات السياسية وما صحبها من اضطراب أمني في ولايات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، حيث ينشط متمردون على السلطة الحكومية، الى الكثير من عمليات النزوح الى مناطق أخرى وخاصة العاصمة الخرطوم، التي تضخمت سكانيا وتمددت جغرافيا بصفتها نقطة جذب يمكن أن توفر فرصة للكثيرين والكثيرات لكسب عيشهم والاعتماد على أنفسهم.

ووجدت العديد من هؤلاء النسوة في ميدان صنع الشاي والقهوة وبعض البهارات والكسرة، وهي خبز سوداني من الذرة، وسيلة يمكن أن تؤمن عيشا لهن ولأسرهن، خاصة والكثير منهن يعلن أطفالا بسبب الطلاق أو غياب الزوج لأي سبب. وباستثمار بسيط لشراء أدوات الانتاج، من موقد للنار والكفتيرة وهي الإناء الذي يعد فيه الشاي والكؤوس لصب الشاي والقهوة ومقاعد صغيرة يطلق عليها لفظة «بنبر» لجلوس الزبائن، فإن ست الشاي يمكنها الحصول على دخل يتراوح بين سبعة الى عشرة دولارات في اليوم، وهو ما يوفر لها بعض أساسيات أسرتها، بما في ذلك السكن، رغم انه يكون في الغالب في مناطق عشوائية وبعيدة تستهلك منها عدة ساعات في اليوم ذهابا وإيابا. ويعتقد أن في ولاية الخرطوم نحو 13 ألفا من السيدات العاملات في بيع الشاي، وأن أكثر من 1500 من بينهم أجنبيات من دول الجوار، خاصة أثيوبيا. 

يقدر عدد سكان السودان في الوقت الحالي بحوالي 35 مليون نسمة، مع تزايد واضح لنسبة التحضر والاندماج في الحياة المدينية. وبسبب تقلبات الوضع السياسي والاقتصادي، فإن النساء يشكلن تقريبا حوالي ثلث القوى النشطة اقتصاديا حتى في الريف، كما ان نسبتهن في جهاز الدولة تجاوزت النصف بسبب اغتراب أعداد كبيرة من الرجال بحثا عن فرص عمل أفضل في الخارج. ومع ان مسيرة السودان الاجتماعية اتجهت بصورة عامة الى أعلى كما يتضح من الانجازات التي حققها الحضور النسوي في مختلف المجالات العامة، الا ان ذلك التقدم لم يترجم تحسينا في وضع المرأة وحياتها اليومية، ولو انه أسهم في تعزيز الوعي لديها، وهو ما تعبر عنه موجة السعي للاستقلال الاقتصادي عن طريق العمل، سواء في بيع الشاي أو غيره من المهن، وممارسة قدر من الحرية فيما يتعلق بحياة المرأة وأسرتها بعيدا عن هيمنة الرجل.

مقالات من السودان

السودان… تباشير تسوية أم نُذرها؟

اعتاد السودانيون منذ سنوات على استقبال الأعياد بقدر ضئيل من الأفراح يكاد يتلاشى تماماً في بعض مناطق السودان حيث تجري الدماء بشكل "معتاد" فغاب الفارق بين المآسي والأفراح. ومع ذلك...

حادثة عنصرية بالسودان تعيد طرح الأسئلة الصعبة

"العبد" و"صاحب الأنف الكبير" لوصف مدير الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون المُقال بسبب نقل الهيئة للمظاهرات السلمية المناهضة للانقلاب. الكلام الهامس جرى داخل المحكمة المنعقدة لمحاكمة مدبري انقلاب 1989، وقد تلفظ...

للكاتب نفسه