جنوب السودان من حرب الانفصال إلى صراع النخب

"سودان واحد يكفي". هكذا لخص جون دانفورث المبعوث الأميركي الأسبق الى السودان، الوضع. وهو كان من أشرف على اتفاقية السلام للعام 2005 التي حصل جنوب السودان بموجبها على حق تقرير المصير المؤدي في ما بعد إلى انفصاله ثم الى إقامة دولة مستقلة بعد ست سنوات.كان دانفورث ومعه العديد من الديبلوماسيين المهنيين وخبراء الشأن السوداني، يرون ضرورة الاّ ينتهي حق تقرير المصير بالانفصال، خاصة أنه يمكن عمل
2014-05-21

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
مراعي قبيلة الدينكا في جنوب السودان - تصوير كارول بكويس (نشرها موقع بورد باندا)

"سودان واحد يكفي". هكذا لخص جون دانفورث المبعوث الأميركي الأسبق الى السودان، الوضع. وهو كان من أشرف على اتفاقية السلام للعام 2005 التي حصل جنوب السودان بموجبها على حق تقرير المصير المؤدي في ما بعد إلى انفصاله ثم الى إقامة دولة مستقلة بعد ست سنوات.

كان دانفورث ومعه العديد من الديبلوماسيين المهنيين وخبراء الشأن السوداني، يرون ضرورة الاّ ينتهي حق تقرير المصير بالانفصال، خاصة أنه يمكن عمل ترتيب يسمح للجنوبيين بالإدارة الكاملة لشؤون إقليمهم، إلى جانب المشاركة في الحكومة المركزية، لإعطاء نموذج يساعد بقية أقاليم السودان على التمتع بنصيب أكبر من السلطة والثروة. كما أن ترتيبا مثل هذا سيحد من غلواء التوجهات الإسلامية في نظام الحكم السوداني.

على أن الكثير من اللوبي في واشنطن، خاصة تلك الكنسية ومجموعات النواب المنحدرة من أصول أفريقية وجماعات حقوق الإنسان، دفعت باتجاه أن تتبنى الإدارة نهجا يقوم على تأمين انفصال الجنوب وذلك بأمل تخليص الجنوبيين من هيمنة الشماليين العرب المسلمين.

 لكن، وفي أقل من ثلاث سنوات بعد الاستقلال، وجدت أحدث دولة برزت على خارطة العالم أنها غارقة في متاعب تتجاوز المشاكل المعهودة في بناء الدول حديثة الاستقلال، إلى صراع النخب على مواقع النفوذ والثروة، وهو صراع انحدر بسرعة ليتخذ له أبعادا إثنية وقبلية تقتات من تاريخ طويل من العداوات، وكأن الشمال كان العامل الذي توحد الجنوبيون حوله، وبغياب هذا العامل عادت الصراعات القديمة إلى الظهور مجددا.

وفي الواقع، فإن مثل هذا التطور ليس جديدا. وإبان الحرب الأهلية (1983 - 2005)، قاد رياك مشار، زعيم التمرد الحالي، انشقاقا في العام 1991 ضد مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان جون قرنق، متهما إياه بالديكتاتورية وقيادة الحركة في طريق مسدود بالدعوة الى سودان علماني ديموقراطي، بينما من المفروض أن يكون التركيز على فصل جنوب السودان. خلال المواجهات التي عرفت أحيانا بحرب الدكاترة (إشارة إلى أن كليهما يحمل درجة الدكتوراه)، اتخذ الصراع أيضا نهجا قبليا، خاصة أن قرنق ينحدر من قبيلة الدينكا، أكبر قبائل جنوب السودان، ومشار من قبيلة النوير، التي تليها من الناحية العددية.

حينها قتل من الجنوبيين بأيدي جنوبيين أكثر ممن قتل بيد الجيش السوداني، كما ورد في بحث ميداني للأكاديميين شارون هتشنسون وجوك مادوت جوك نشر في العام 1999. وكانت أبرز واقعات تلك المواجهات مقتل حوالي ألفين من الدينكا فيما عرف بمذبحة منطقة بور، التي أتُهم مشار بتنفيذها.

صراع على القيادة

بعد قرابة عقد من الزمان، حصلت مصالحة سياسية عاد مشار بموجبها الى صفوف الحركة الشعبية. وبعد توقيع اتفاق السلام في 2005 أصبح نائبا لسلفا كير، الذي خلف قرنق في قيادة الحركة وفي حكومة الجنوب كذلك، كما أصبح نائبا للرئيس بعد استقلال الجنوب في 2011.

لكن الصراع بين الرجلين لم يكن خافيا. وفي مؤتمر الحركة الشعبية العام 2008، أعلن مشار عن رغبته في ترشيح نفسه لرئاسة الحركة، وهو المنصب الذي يؤهل شاغله ليكون مرشح الحزب لرئاسة الدولة. على أن وساطة قام بها الأميركان توصلت الى انه من الضروري لقيادات الحركة لجم خلافاتها والتركيز على الهدف الأكبر وهو الوصول بسلام الى موعد استحقاق ممارسة حق تقرير المصير بعد ثلاث سنوات، ومن ثَمّ تحقيق استقلال جنوب السودان. ونتيجة لهذا، اقترح الاستمرار في الصيغة القائمة التي تعطي سلفا كير قيادة الحركة والدولة، ومشار نائبا له، وباقان أموم أمينا عاماً للحركة الشعبية، وهو ما حدث.

على ان الصراع والتنافس بين هذه القيادات بدأ يبرز الى العلن مرة أخرى، ووصل الأمر بمشار الى أن يطرح علانية وفي مقابلة مع صحيفة «الغارديان» اللندنية قبل عام، أن على كير التنحي عن قيادة الحزب والدولة والاكتفاء بسجله كالرجل الذي رفع راية استقلال جنوب السودان، وأنه (مشار) سيرشح نفسه لرئاسة الحركة في مؤتمرها المقبل.

كير رد بسرعة، واستغل السلطات الاستثنائية التي منحها له الدستور، فقام بتقليص العديد من سلطات نائبه مشار، وهي الخطة التي وصلت الى قمتها في شهر تموز / يوليو المنصرم عندما أعفى مشار من منصبه في أطار أكبر تعديل وزاري أخرج بموجبه معظم منتقديه من الحكومة، وكذلك جمَّد عمل أمين عام الحركة أموم وأحاله إلى التحقيق بتهم تتعلق بالفساد. وهكذا بدأ يتكون معسكر من مناوئي كير ضم أيضا ريبيكا زوجة قائد الحركة الراحل جون قرنق وأبنه مبيور، تحضيرا للمعركة في أحد مؤتمرات الحزب في كانون الأول / ديسمبر الفائت.
رواية كير ومناصريه مختلفة، وتقول إن مشار وحلفاؤه خسروا في المواجهة الحزبية ومن ثم خططوا للقيام بانقلاب في ليلة 15 كانون الأول / ديسمبر، وهو ما تصدت له الحكومة وأحبطته في مهده. وظهر كير في اليوم التالي لهذا التاريخ مرتديا بزته العسكرية وهو يعلن إحباط الانقلاب. مشار ومجموعته ردوا بالمقابل، مؤكدين أن ما حدث لم يكن انقلابا وأنما محاولة من كير لتجريد عناصر من قبيلة النوير في الحرس الجمهوري من سلاحهم، الأمر الذي ادى الى اندلاع العنف بسبب الأجواء المحتقنة سياسيا، واستهداف مجموعات النوير على أساس عرقي في جوبا. مشار هرب من جانبه ليحتمي في قبيلته ولينفجر الصراع متخذا شكلا عسكريا وقبليا، على الرغم من انطلاقه أساسا بسبب صراعات سياسية بين قيادات الحركة، خاصة بعد انشقاق اللواء بيتر قديت من جيش الحركة، وهو من أبناء النوير ومعروف أكثر بممارساته كأحد «لوردات الحرب» الذين قاتلوا الى جانب الجيش السوداني ضد الحركة الشعبية، وكذلك ظهور ما يعرف بالجيش الأبيض من أبناء النوير المقاتلين المستهدِفين لتجمعات الدينكا والقبائل الأخرى المناوئة لقبيلتهم.

فشل الوساطات

انحدار الصراع الى المستنقع القبلي والإثني دفع الأمم المتحدة الى تخصيص أماكن منفصلة بعلامات مميزة للدينكا والنوير الذين يحتمون بمعسكراتها. على ان القتال استمر بين الطرفين في كر وفر، ولم تنجح اتفاقية سلام بوساطة من دول الجوار في وقف القتال وما صحبه من ارتكاب لأعمال وحشية، كما حدث في مجزرة «بنتيو» عندما قتلت مجموعات موالية لمشار مدنيين على الهوية مرفقة ذلك بتهديدات تحض على الكراهية، الأمر الذي أعاد الى الأذهان ذكريات مذبحة رواندا.

الإدارة الأميركية ألقت بثقلها وبعثت بوزير خارجيتها جون كيري الى جوبا للالتقاء بالرئيس كير ومهاتفة مشار، بغاية أن يفرض عليهما الالتقاء لوضع حد للقتال. وأعقبت ذلك زيارة لسكرتير عام الأمم المتحدة الى جوبا، تمكن فيها من تحديد وقت للقاء الرجلين في أديس أبابا. واشنطن لم تكتف بالجهد الديبلوماسي وأنما لوحت بإحالة المتهمين بارتكاب جرائم حرب الى محاكم دولية، وهو ما أكد عليه بان كي مون. وفي اشارة الى انها تعني ما تقول، قامت واشنطن بوضع قائدين عسكريين من الطرفين هما بيتر قديت وقائد حرس كير الجنرال ميريال شانونق على قائمة الحظر التي يمكن أن تشمل قيادات أعلى في ما بعد.

اللقاء الذي تم في أديس أبابا في التاسع من شهر أيار / مايو الجاري، وهو الأول بينهما منذ اندلاع الحرب، لم يثمر شيئا يذكر، وهو جاء نتيجة ضغوط لم تسمح للرجلين حتى باللقاء وجها لوجه ومناقشة القضايا، وإنما طلب منهما رئيس الوزراء الإثيوبي ديسالين هايلي مريام التوقيع على الاتفاق وإلا منعا من مغادرة عاصمة بلاده. وقد كان. لكن الهدنة لم تصمد سوى بضع ساعات واتهم كل طرف الآخر بخرقها، وهو ما أثار تساؤلات عن قدرة الرجلين، خاصة مشار، على ضبط القوات التي تعمل تحت إمرتهما، وعن مدى اهتمامهما بمواطنيهما، حيث يقدر عدد الذين قتلوا بسبب الصراع الحالي بنحو 100 ألف شخص، علاوة على نزوح مليوني شخص عن قراهم الى أماكن أخرى داخل أو إلى خارج البلاد، واحتياج نحو خمسة ملايين الى الغذاء بسبب العنف وهطول الأمطار مما يعيق عمليات الزراعة والحصاد لهذا الموسم.

ومع تجدد القتال وإعلان كير تأجيل الانتخابات ثلاث سنوات، مما يعني استمرار رئاسته المخْتَلف عليها، فإن الأمور تتجه الى المزيد من التصعيد والتشرذم، مع احتمال قيام الأمم المتحدة بدفع ملف جنوب السودان الى المحكمة الجنائية الدولية بإيعاز من واشنطن. كما لا تبدو احتمالات الوساطة من دول الجوار كبيرة، أو بروز كتلة ثالثة من داخل الحركة تعمل للخروج بحل توافقي. وكير، من موقعه في رئاسة الدولة ومن ثم سيطرته على الموارد، يبدو في وضع أفضل نسبيا للصمود والمناورة. ولعل الحلول تنتظر تعاظم كلفة الصراع وشعور الطرفين بعبئه، ما قد يدفعهما الى القيام بجهد حقيقي لوقف القتال.

صراع النخب السياسي على النفوذ يعيد الى الأذهان نظرية ريتشارد سكلار عن طبيعة الهيمنة الطبقية في أفريقيا، وكيف انها تتحدد بعلاقات القوة، لا بعلاقات الانتاج. ومؤخرا نشر الأكاديمي كليمنس بينو في دورية «شؤون أفريقية» مقالا عن كيفية صعود الطبقة العسكرية للحركة الشعبية إبان الحرب الأهلية التي استمرت 20 عاما، مستغلة علاقات القوة لتفرض نفسها وتميزها عن المجتمعات المحلية خاصة تلك غير الموالية للحركة. وفي ما بعد، قامت باستغلال جهاز الدولة وموارده من عائدات النفط للغرض ذاته. والأرقام الرسمية المتداولة تتحدث عن أربعة مليارات من الدولار ضاعت على الدولة الفتية بسبب الفساد. وهو يرى ان الصراع الحالي، رغم تدثره بأردية إثنية وقبلية، الا انه يخفي خلفه تشققات عدم المساواة بين مختلف المجموعات، من التي تحتل مواقع عليا (أرستقراطية) أو التي تليها أو المواطنين العاديين، وهي تشققات أبرزتها فترة ما بعد الحرب، بانحسار ستار النضال وتضعضع مشروعيته.

مقالات من السودان

السودان في مواجهة تحديات إعادة التأسيس

تواجه الدولة السودانية أسئلة وتحديات أساسية تفرض إعادة تأسيسها، وعلى رأس ذلك قدرة القوى السياسية على التعامل مع هذه التحديات، واستيعاب قوى التغيير الشبابية، ومطالب الأقاليم في السلطة والثروة، علماً...

للكاتب نفسه

السودان في مواجهة تحديات إعادة التأسيس

تواجه الدولة السودانية أسئلة وتحديات أساسية تفرض إعادة تأسيسها، وعلى رأس ذلك قدرة القوى السياسية على التعامل مع هذه التحديات، واستيعاب قوى التغيير الشبابية، ومطالب الأقاليم في السلطة والثروة، علماً...