تحـدّيات صناعة الغاز فـي السعودية

الغاز نوعان: مصاحِب يُنتَج من النفط الخام المستخرج، وغير مصاحِب يُنتَج لوحده. تواجه السعودية حتى الآن صعوبات في استخراج الغاز غير المصاحب. والغاز يستخدم في الصناعات البتروكيماوية، الى جانب تحلية المياه وتوليد الكهرباء. وتعوض السعودية عن نقص الإمدادات في الغاز باستخدام النفط الخام. ومع استمرار معدلات الاستهلاك العالية، ستضطر السعودية مستقبلا إلى تقليل حجم صادراتها من النفط الخام. وهو
2013-03-20

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
(زياد سلامة من السعودية)

الغاز نوعان: مصاحِب يُنتَج من النفط الخام المستخرج، وغير مصاحِب يُنتَج لوحده. تواجه السعودية حتى الآن صعوبات في استخراج الغاز غير المصاحب. والغاز يستخدم في الصناعات البتروكيماوية، الى جانب تحلية المياه وتوليد الكهرباء. وتعوض السعودية عن نقص الإمدادات في الغاز باستخدام النفط الخام. ومع استمرار معدلات الاستهلاك العالية، ستضطر السعودية مستقبلا إلى تقليل حجم صادراتها من النفط الخام. وهو تطور ستكون له آثاره من ناحية الدور الذي ظلت السعودية تلعبه كمرجعية نهائية للسوق النفطية العالمية، وكذلك على قدرتها على التعويض عن أي نقص في الإمدادات، عدا تبعات تناقص الصادرات على عائدات البلاد المالية.
تداولت دوائر الصناعة النفطية العالمية مؤخراً معلومات، ليست مؤكدة رسمياً، بأن شركة «رويال دتش/ شل» على وشك الانسحاب من مشروع لاستخراج الغاز من منطقة الربع الخالي في السعودية. ومع ان كلا من المسؤولين السعوديين وشركة شل رفض التوضيح، وقال ان الحوار والمفاوضات مستمران، إلا ان ثلاث نقاط تعزز من احتمالات مغادرة شركة «شل» لمشروع الغاز. أولاها وأهمها، أن الغاز الذي سيكون مخصصا للاستهلاك المحلي سيكون محكوما بالسعر المنخفض الذي حددته السعودية لبيع الغاز، أي 75 سنتا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وذلك خدمة للسوق وللصناعات المحلية، خاصة في ميدان البتروكيماويات التي تحتل السعودية فيها مركزا عالميا باستفادتها من الميزة النسبية لتوفر الغاز بسعر منخفض، بينما يبلغ السعر السائد في السوق العالمية عشرة أضعاف، بل انه في بعض الأسواق الآسيوية، يتجاوز ذلك المعدل العالمي بمراحل. أما الشركات الغربية فتجد السعر الذي تطرحه الحكومة السعودية غير مناسب لها، خاصة أن عمليات الإنفاق على الاستكشاف والتطوير في تلك المنطقة النائية مكلفة للغاية. وثانيتها ان خروج «شل» من مشروع الغاز هذا لن يكون سابقة، فقد غادرت كل من شركتي «أيني» الايطالية و«ريبسول» الاسبانية مشروعاً مماثلاً لاستخراج الغاز من منطقة الربع الخالي ذاتها. ويضاف عامل ثالث له بعد خارجي يتمثل في التحولات التي بدأ يشهدها سوق الغاز العالمي، وتأثير تزايد الإمدادات في الولايات المتحدة نفسها، بعد الاختراق التقني في الأعوام الأخيرة والوصول الى امكان استخراج الغاز من الصخر، مما جعل السوق يتجاوز حالة الشح التي كانت سائدة ويلج الى مرحلة توفر الإمدادات من الغاز لدرجة التخمة أحيانا، الى جانب ما توفره التقنية الجديدة من فرص للشركات الراغبة وذات القدرة أمثال رويال دتش/شل.

إعادة نظر غربية؟

العوامل المذكورة هي من القوة بحيث دفعت الشركات الغربية اما الى الانسحاب أو الى التفحص الجدي لهذا الخيار. فدخول السوق السعودية حلم أي شركة نفط وغاز كبرى. لقد ظلت الساحة السعودية حكرا على الشركات الأميركية تحديدا، وعلى رأسها الأربع الكبيرة: اكسون وموبيل (قبل اندماجهما)، وتكساكو وشيفرون، اللتان كونتا «شركة الزيت الأميركية العربية» (أرامكو). وعلى غير ما شهدته ساحة صناعة النفط في مختلف دول العالم الثالث، من اللجوء الى خيار التأميم، فإن السعودية قادت زميلاتها الخليجيات نحو اعتماد مبدأ المشاركة التدريجية في أصول الصناعة النفطية، حتى سيطرت عليها بالكامل في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وذلك لضمان تدريب الكوادر الوطنية وتجنب حدوث اضطراب في الجوانب الفنية والإدارية. وحتى بعد تملكها بالكامل، تمهلت السعودية عدة سنوات حتى قامت بتعيين المهندس علي النعيمي وزير النفط الحالي أول رئيس لشركة أرامكو.
تملك السعودية ربع الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط الخام. وهي تحتل المرتبة الخامسة في ما يتعلق بالغاز، بعد روسيا وإيران وقطر والولايات المتحدة الأميركية. ويقدر حجم الاحتياطيات فيها بحوالي 288 ترليون قدم مكعب. لكن الخاصية الرئيسية لهذا الغاز ان قرابة 60 في المئة منه يقع ضمن ما يعرف بالغاز المصاحِب، أي ذاك الذي يُستخرج مع النفط الخام، ما يعني عدم مرونة في التعامل مع بؤر الغاز. السعودية تقوم عمليا بدور «المنتج المرجِّح»، الذي يرتفع بإنتاجه من النفط ويخفضه وفق حاجة السوق. وكانت تقوم بهذا الدور بصورة رسمية وبطلب من منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) في ثمانينيات القرن الماضي. ورغم تخليها عن تلك المهمة رسميا، الا انها لا تزال تقوم بها وفق حساباتها الخاصة وما تراه. ونتيجة لهذا، فإنه في الفترات التي يتراجع فيها الإنتاج كما حدث في الثمانينيات، فإن الإنتاج ومن ثم الإمدادات من الغاز المصاحِب تتراجع.
من ناحية أخرى، وخلال العقد الماضي، واستجابة للتصاعد في الطلب من الاقتصادات الآسيوية بقيادة الصين، فإن السعودية دخلت في برنامج لزيادة طاقتها الإنتاجية التي وصلت الى 12.5 مليون برميل يوميا. ومع انها لا تستخدم كل هذه الكمية، الا انه، كجزء من استراتيجيتها النفطية العامة، فلدى الرياض دائما طاقة انتاجية فائضة تتراوح بين مليون الى مليوني برميل يوميا، تستخدم عند اللزوم للتعويض عن أي انقطاع في الإمدادات يستشعرها السوق العالمي، ولأي سبب من الأسباب، في أي منطقة في الكرة الأرضية، لأن السوق النفطي عالمي ومترابط. والمعنى الضمني لاستكمال مشروعات زيادة الطاقة الإنتاجية للنفط الخام، أن السعودية لا تتوقع في المستقبل القريب ورود امدادات جديدة من الغاز المصاحِب، الأمر الذي يضيف الى أهمية مشروعات البحث عن الغاز غير المصاحب التي لم تحقق نجاحا يذكر حتى الآن.

مبادرة الغاز

فكرت السعودية باكرا في استخدام ميدان الغاز لجذب الشركات الأجنبية استقطاباً للاستثمارات وللتقنية، ولتوفير فرص عمل، ولمقابلة الاحتياجات المحلية من الغاز. وفي خلال زيارة له للولايات المتحدة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، طرح ولي العهد السعودي وقتها، الأمير عبد الله بن عبد العزيز، ما عرف بـ«مبادرة الغاز»، انطلاقا من فكرة ان الشركات الأميركية العاملة في ميدان النفط وفرت الأساس القوي للعلاقة السعودية ـ الأميركية، والموضوع هو كيفية اعادة استخدام هذا العامل لتنشيط تلك العلاقة، خاصة بعد خروج الشركات الأميركية وسيطرة السعودية من خلال أرامكو على الصناعة النفطية في السعودية. وقتها كان السوق النفطي يعيش حالة من التراجع وسعر البرميل في مستويات منخفضة.
رحبت الشركات الغربية، والأميركية تحديدا، بالمبادرة على أساس انها يمكن أن توفر لها فرصة للعودة الى السوق السعودي المغري لأي شركة عاملة في هذا المجال. ومع انه تم توقيع اتفاقيات مبدئية في شكل مذكرات تفاهم مع هذا الشركات في حفل مشهور حضره وقتها الملك فهد، الا ان الأمور لم تمض كما هو مأمول، خاصة بعد وضع أرامكو لتفاصيل المشروع، وأبرزها أن يكون التركيز على الغاز غير المصاحِب، بالأخص في مناطق الربع الخالي وغرب السعودية، وأن تتضمن المشاريع جوانب صناعية وتجارية تتيح فرصا للعمل، إلى جانب ضبط السعر الذي يظل محكوما بالسياسة المحلية، لا سيما أن السعودية لا تسعى الى تصدير أو استيراد الغاز، بل الى استخدام كل ما يمكنها إنتاجه في السوق المحلي. ونتيجة لعدم توفر الكميات المطلوبة من الغاز، فإن السلطات السعودية لجأت الى استخدام النفط الخام محليا حتى وصل حجم الاستهلاك المحلي الى أكثر من مليونين ونصف مليون برميل يوميا، وهو ما يهدد الكميات التي يمكن تصديرها مستقبلا، إذا استمرت معدلات الاستهلاك مرتفعة بهذه الطريقة... التي يقدر أن تتضاعف بحلول العام 2030، بالنسبة الى معدل العام 2011 البالغ 3.5 ترليونات قدم مكعب. ولهذا بدأت تلميحات من بعض المسؤولين السعوديين، وخاصة من أرامكو، بضرورة الانتباه الى هذا الجانب، بل إعادة النظر في السعر المحلي المدعوم لبيع الغاز.
الشركات الأميركية تحديدا لم تجد تلك الشروط مغرية، لأنها لم تفتح لها نافذة للولوج الى ميدان التنقيب عن النفط الخام، هذا إلى جانب اشتراط الحاق بعض الجوانب الصناعية بتلك المشاريع، والعمل على توفير فرص عمل للسعوديين، وهو ما اعتبرته الشركات الاميركية لا يقع في صلب مجال عملها النفطي. وكان أن قررت عدم المضي قدما في الفكرة، وبالتالي لم يتم تطوير مذكرات التفاهم تلك الى اتفاقيات نهائية وملزمة للطرفين في أطار زمني محدد.

عقد من الزمان

لكنه في العامين 2003/2004 اكتملت الخطة الخاصة بمبادرة الغاز بالتركيز على هذا الجانب واستبعاد الجوانب التي لقيت اعتراضا من الشركات من قبل، وتم التوقيع مع شركات غربية، وأوروبية تحديدا، من بينها توتال الفرنسية الى جانب أيني وريبسول ورويال دتش/شل. لكن المفاجأة الكبرى كانت غياب الشركات الأميركية لأول مرة في تاريخ السعودية، وأيضا دخول كل من شركتي لوك أويل الروسية وشركة النفط الوطنية الصينية.
وعلى رغم مرور عقد من الزمان على ابرام تلك الاتفاقيات، لم يتحقق شيء. فالاتفاقيات قامت على استثمار تسعة مليارات دولار لإضافة 50 مليار قدم مكعب من امدادات الغاز غير المصاحب، وذلك حتى العام 2016، اما كاكتشافات جديدة أو تطويراً للاكتشافات التي قامت بها أرامكو من قبل، وعلى رأسها حقل «كاران» المكتشف في العام 2006 ، وهو من أوائل حقول الغاز غير المصاحب، الذي يُنوى تطويره لإنتاج 1.8 مليار قدم مكعب. وهناك أيضا حقل «العربية» حيث يُتوقع انتاج 1.2 مليار قدم مكعب في غضون فترة خمس سنوات، وأيضا حقل «الحسبة» حيث يمكن إنتاج 1.3 مليار قدم مكعب.
الشركة التي أقيمت بين شل وأرامكو كان يفترض بها أن تقوم بحفر ثلاث آبار استكشافية واجراء دراسات معمقة في ضوء النتائج التي يتم التوصل اليها بعد الحفر، وذلك حتى نهاية هذا العام. ومن العوامل التي ساعدت على المضي قدما في الفكرة وجود حقل «الشيبة» النفطي الذي ينتج 750 ألف برميل نفط يوميا بالقرب من الموقع، وفيه بنية أساسية يمكن أن تساعد في سير المشروع. لكن كلفة البحث والتطوير عالية، خاصة أن كميات الغاز غير المصاحِب المكتشفة لا تبدو ضخمة، كما انه من «الغاز المرّ» (غير الحلو) الذي يتطلب استثمارات أكبر لمعالجته، وكلفة تطويره أعلى، ما يثير علامات استفهام عن مستوى العائد والجدوى الاقتصادية، خاصة والسعودية تفرض على الشركات سعرا منخفضا للبيع.
السعودية اليوم تقف بين خياري اعادة النظر في الدعم وسعر البيع المحلي، ومن ثمَّ مراجعة شروط عمل الشركات الأجنبية، أو الاستعداد للتضحية بحجم المتاح لها من صادرات النفط الخام، مع ما يمكن أن يعنيه ذلك من انعكاسات على قدرتها التصديرية مستقبلا، بل على عائداتها المالية من صادراتها، وذلك لأن المزيد من انتاج النفط الخام سيذهب الى تلبية الاستهلاك المحلي. وهكذا، بعد مرور عقد من الزمان، تبدو خطة السعودية لاستخراج الغاز غير المصاحِب مواجَهة بأسئلة البداية نفسها.

 

مقالات من السعودية

خيبة م ب س الاقتصادية

كان النزاع المدمر على سوق النفط، ودور السعودية - وبخاصة محمد بن سلمان- في تأجيجه، مقامرة وحماقة في آن. فإن كانت السعودية تخسر 12 مليون دولار يومياً مقابل كل دولار...

للكاتب نفسه

أوبك والعودة إلى مقعد القيادة

يؤكد "أصحاب القرار" السياسي والنفطي أن "واقع الحال" يشير إلى فترة تُقارب ثلاثة عقود إلى أن تدخل اتفاقية باريس للتغير المناخي حيز التنفيذ، وأنه "لا بد" من توفير الطاقة اللازمة...