عقليّة الأقليّة

كلّما حلّت الأعياد الكبرى الخاصة بالمسيحيين، تتكرّر الحكاية نفسها، خصوصاً على شاشات التلفزيونات العربية والأجنبية، إذ تعجّ نشرات أخبارها بتقارير عن "خطر انقراض" المسيحيين العرب. وفي الأيام الماضية، علت الصرخات ذاتها بمناسبة أعياد الميلاد وسط مشاهد المقاعد شبه الفارغة في الكنائس. في ما يخص العراق أو فلسطين أو لبنان أو مصر، وسوريا أخيراً، يبقى الوضع متشابهاً من ناحية توزُّع المسؤولية على الجميع.
2012-12-26

شارك

كلّما حلّت الأعياد الكبرى الخاصة بالمسيحيين، تتكرّر الحكاية نفسها، خصوصاً على شاشات التلفزيونات العربية والأجنبية، إذ تعجّ نشرات أخبارها بتقارير عن "خطر انقراض" المسيحيين العرب. وفي الأيام الماضية، علت الصرخات ذاتها بمناسبة أعياد الميلاد وسط مشاهد المقاعد شبه الفارغة في الكنائس. في ما يخص العراق أو فلسطين أو لبنان أو مصر، وسوريا أخيراً، يبقى الوضع متشابهاً من ناحية توزُّع المسؤولية على الجميع. أوّل من يتحمّل المسؤولية عن تضاؤل أعداد المسيحيين، هم المسيحيون أنفسهم، عامّتهم ومؤسستهم الكنسية معاً. أما آخر مَن يُلامون، فهم السلفيون التكفيريون والوهّابيون و"القاعدة" ودُعاة التخلُّص من "الكفرة" و"المشركين"، بما أن القول انّ تلك الفئة لا مكان للنقاش معها أصلاً، وأنها مدرسة ظلامية جاهلة ودموية ومتخلّفة، هو كتفسير الماء بالماء، بعد الجهد.
المشكلة الأساسية تكمن في مكان آخر، تحديداً في ارتضاء جزء من مسيحيي المنطقة التخلّي عن مواطَنتهم الكاملة، بما يمكن أن تحمله هذه المواطَنة من حقوق ومن تشارُك في المصائب، تخلٍّ مقابل التنعُّم بأمان وامتيازات وهدايا السلطان، بصفتهم أقليات وأشبه بجاليات أجنبيّة. والنتيجة تظهر اليوم بوضوح في سوريا وفي مصر. ارتضت كنيسة الأقباط أن تبقى "في جيب" حسني مبارك طويلاً، فسمحت له مثلاً بتعيين مَن يرغب من المسيحيين أعضاء في مجلس الشعب المصري وفي المناصب الإدارية العليا، ومَن تجرّأ على الخروج عن طاعتها لإسقاط مبارك ونظامه، وصفته بالخارج عن دينه وأُنزلت بحقّه الحَرَم الكنسي. كيف يمكن لطائفة تتألف مما يناهز 10 ملايين شخص، هم السكان الأصليون للبلد، أن تتصرف كأنها أقلية، بما يحمله هذا المصطلح من مضمون رجعي؟ رغم كل ذلك، لم نشهد ثورة مسيحية مصرية ضدّ تلك الكنيسة.
في سوريا، الوضع أشدّ بؤساً، يختصره واقع أنّ مناطق وأحياء المسيحيين في دمشق اليوم، هي الأكثر أمناً والأكثر تمتعاً بالتيار الكهربائي. والأسوأ من ذلك هو أنّ مَن تشير أسماؤهم من المسيحيين إلى هويتهم الطائفية يمكنهم اجتياز الحواجز العسكرية والتنقل بسهولة نسبية، مكافأةً على دعمٍ توفّره فئة مسيحية كبيرة لنظام عجز الخيال عن توقّع مقدار كرهه لشعبه. عدوى عقلية "الأقلية" لم تبقَ بعيدة عن فلسطين التي أنجبت وديع حداد وجورج حبش وغيرهما... كيف يرضى مسيحيو فلسطين بأن يكون هناك منصب رسمي اليوم اسمه "مسؤول الشؤون المسيحية في السلطة الفلسطينية"؟ هي فلسطين التي لا يزال يتآمر عليها حكام الفاتيكان وأوروبا وأميركا، المسيحيون جداً بالمناسبة. والأنكى من ذلك أنّ جزءاً كبيراً من المسيحيين العرب لا يزالون ينتظرون الخلاص من ذلك الغرب "المسيحي"، كأنهم نسوا كيف عرض الأميركيون يوماً ترحيل مسيحيي لبنان، وعرض الفرنسيون منذ أمد قريب ترحيل مسيحيي العراق.
واليوم يتصرف المسلمون كأنهم هم الآخرون اقليات، سنة وشيعة. كلهم يبرر تعصبه بالخطر المحيق به. وكلهم يبرر بذلك العنف الذي يلجا اليه بوجه الآخر المهدِّد له. عقلية الأقلية سرطان الشعوب.
           

Normal
0

false
false
false

MicrosoftInternetExplorer4

/* Style Definitions */
table.MsoNormalTable
{mso-style-name:"Table Normal";
mso-tstyle-rowband-size:0;
mso-tstyle-colband-size:0;
mso-style-noshow:yes;
mso-style-parent:"";
mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt;
mso-para-margin:0in;
mso-para-margin-bottom:.0001pt;
mso-pagination:widow-orphan;
font-size:10.0pt;
font-family:"Times New Roman";
mso-ansi-language:#0400;
mso-fareast-language:#0400;
mso-bidi-language:#0400;}

للكاتب نفسه

«شجرة فوبيا»

أرنست خوري 2013-11-27

قام تنظيم «الدولة الاسلامية في العراق والشام» (داعش) يوم الجمعة الماضية (22 تشرين الثاني/نوفمبر) بقطع «شجرة الكرسي»، وهي شجرة بلّوط تقع قرب بلدة أطمة السورية، يزيد عمرها عن 160 عاماً،...

ليبيا وضحكة القذّافي

أرنست خوري 2013-11-13

لم يعد لرئيس الحكومة الليبية علي زيدان ما يجرّبه في محاولة إحكام قبضة سلطةٍ مركزيةٍ ما على جزء من أراضي البلاد، إلا التلويح بورقتين انتحاريتين خارجتين عن نطاق الصلاحيات النظرية...

هكذا تكلّم "الصندوق"

أرنست خوري 2013-10-30

أخيراً، خرجت البشارة من بيانات صندوق النقد الدولي: أعلى معدلات نمو اقتصادي في أفريقيا (وربما في العالم) للعام 2013، سجّلتهما ليبيا (16.7 في المئة) ودولة جنوب السودان (69.6 في المئة!)....