ملامح انهيار التحديثية العراقية المعاصرة

انهارت تجربة الحداثة العراقية على مرحلتين: الاولى مع اتجاه جهاز الحكم او «الدولة الحديثة» الى الدكتاتورية القصوى (العائلية ـ الريعية) خلال فترة 1968 ـ 2003، والثانية هي المعاشة الآن، والمستمرة منذ 2003. هذا لا يعفي بقية الفترات أو الحقب، وبالأخص حقبة 1921 ـ 1958، من العلل الاصلية، والاسباب المؤسِّسة لمآلات الانهيار الحالي.توطئةتبدأ مظاهر التحديث الأول في
2013-06-26

عبدالأمير الركابي

كاتب من العراق


شارك

انهارت تجربة الحداثة العراقية على مرحلتين: الاولى مع اتجاه جهاز الحكم او «الدولة الحديثة» الى الدكتاتورية القصوى (العائلية ـ الريعية) خلال فترة 1968 ـ 2003، والثانية هي المعاشة الآن، والمستمرة منذ 2003. هذا لا يعفي بقية الفترات أو الحقب، وبالأخص حقبة 1921 ـ 1958، من العلل الاصلية، والاسباب المؤسِّسة لمآلات الانهيار الحالي.

توطئة

تبدأ مظاهر التحديث الأول في العراق مع الوالي مدحت باشا (1869 ـ 1872). وعلى الرغم من قصر مدة حكمه، إلا ان ما حققه من منجزات في الميادين الادارية والعمرانية والاقتصادية لا يضاهيه انجاز قبله، بل وحتى بعده. أرسى مدحت باشا أسس التحديث إذ بدأ بسن قوانين ملْكية الأرض التي تعد أهم عنصر في حياة العراق في حينه، قبل ان يطبق «قانون التسوية» الذي غيّر العلاقات الزراعية من مشاعية الى شبه اقطاعية عام 1932. كما وفر، بالحدود الممكنة في حينه، العلاقة التبادلية التجارية مع الرأسمالية العالمية، باستغلال دجلة والفرات للملاحة عبر شط العرب، فوصلت السفن العراقية في عهده الى بريطانيا وتركيا. وأسس أول صحيفة، وشق الطرق الخارجية والشوارع ي المدن، وأحيى الأنهار، ووضع التقسيمات الادارية والبلدية المعمول بها الى الآن مع تحويرات غير جوهرية. وأسس التلغراف، وأقام المستشفيات والمدارس والمعاهد، وبنى المدن (مدينة الناصرية في الجنوب على سبيل المثال).
يذهب بعض أصحاب الرأي للقول بان الحداثة العراقية تعود الى ما قبل مدحت باشا، فيركزون على الوالي «داود باشا»، المملوك الاخير (1817 ـ 1831)، مضاهين إياه بمحمد علي، حاكم مصر الذي تؤرخ معه نهضتها الحديثة. ففي عهد داود باشا، اتخذت الكثير من المواقف وطبقت اجراءات جرت العادة على اعتبارها من معالم بدايات النهوض الحديث، مثل تصنيع السلاح، واقامة المعاهد العسكرية، ورعاية الادب، واعتماد الحماية الجمركية بمواجهة البضاعة والممثلين الانكليز في بغداد، واخماد ثورات العشائر، واقامة الجيش الضخم (قيل ان تعداد جيشه فاق 100 ألف جندي)، حتى أنه أطلقت عليه تسميات من قبيل «الوالي الجبار». والمثير هو أنه كان عازما على الاستقلال بالعراق عن العثمانيين. إلا أن مجافاة الطبيعة والمحيط أكلت منجزاته، فانتهى عهده بكارثة الطاعون، التي تزامنت مع فيضان أفنى سكان بغداد تقريبا، إلى أن أكمل عليه الاحتلال التركي، المسمى «الثالث»، بقيادة علي رضا الذي خلع داود باشا ليجلس محله في الولاية، في واحدة من أطول الفترات التي عرفها تاريخ الحكم في العراق في تلك الفترة، (استمرت 11 عاما)، خلت من اي منجز يُذكر.
لم تعرف أية جهود لافته في هذا المجال بعد استقالة مدحت باشا عام 1872. ولم يعد مثل هذا المسار مطروحا الاّ بعد الاحتلال الانكليزي، وما نجم او تمخض عنه من ردود أفعال، كانت ثورة العشرين من ابرزها، وتوحيد البلاد تحت حكومة مركزية واحدة عام 1921، حيث بدأت العوامل والخاصيات الوطنية الذاتية تَحضَر، مثل انتاج مدينة الناصرية الجنوبية لقوتي الحداثة السياسية الأساسيتان، الحزب الشيوعي وحزب البعث، ليس على أسس طبقية في مدينة هي الأكثر بؤسا وتخلفا، بل على أساس التراث المشاعي الزراعي المنقلب بفعل تحولات الدولة الحديثة الى سرقة الارض وظهور الاقطاع. وهو ما منح الشيوعية العراقية زخما وتسارعا غير عاديين...

إشكالية الحداثة: المنجز والبنية

المسألة الجوهرية هنا هي انعدام التفريق بين المنجز الحداثي المنقول والبنية. فاذا كان بالإمكان نقل المنجزات الحديثة والعصرية، فإنه يستحيل استعارة البنى التي أنتجتها. فلا نتوقع تحقيق منجزات من دون ان نتعامل معها كنتاج بنى اخرى، وسيرورات تاريخية مختلفة، هذا عدا عن أنه مع نقلنا لها، سوف تكون عرضة للتحور، او الانهيار، بفعل الأثر الذي يلقيه عليها واقع بنيوي مختلف عنها كليا.
فالدولة الحديثة المؤسَّسة في العراق عام 1921 قامت على قاعدة جزئية، إذ انها استندت إلى نخب تنتمي الى احدى المكونات (النخبة المدينية السنية العثمانية)، بينما استُبعدت مكونات هامة أخرى. وأعقب قيام «الدولة الحديثة» محاولة تشكيل مفهوم للوطنية العراقية، تمثل في نشوء «الحزب الوطني العراقي» بقيادة جعفر ابو التمن (1922 ـ 1932). ولكن هذه المحاولة انتهت الى الفشل، بينما استمرت خاصية الجزئية، التي طبعت البداية طيلة تاريخ الدولة الحديثة خلال 82 عاما، بحيث دخل هذا العامل في صلب وجوهر آليات تطورها، ومنعها من ان تنتقل في أي من فتراتها، إلا ما ندر (فترة حكم عبد الكريم قاسم 1958 ـ 1963) إلى عامل صهر وتوحيد مجتمعيين. على العكس من ذلك، ورغم التبدل الذي طرأ على ملامح وتعريف ذلك المكوِّن، أصبح الحفاظ على الموقع المتميز ذاك هدفا بحد ذاته، أدى إلى تحوير الأحزاب الحديثة، وحرفها غالباً عن مضمونها المفترض، بحيث حوّل أحدها (البعث) الى قوة عصرية تخدم أغراضاً ما دون عصرية ولاحديثة، وتؤدي دور التغطية على الطابع الجزئي لدولةٍ يقودها في الظاهر حزب قومي، بينما نواته هي وحدة قرابية عشيرية ريعية، إسمنت ديمومتها في الحكم موارد النفط.

بؤس المشهد اليوم، بل رعبه

من يقصد اليوم شارع الرشيد، ويطالع الخراب الذي حل به، والوظائف التي صار يؤديها، بعد ان كان درة التحديث العمراني العراقي منذ نهاية القرن التاسع عشر، وقد تحول الى سوق شعبي تعمه الفوضى وتخيم عليه الكآبة والخراب، وكتل الاسمنت، والبنايات المتهالكة... لا يشك للحظة بان الحداثة العراقية قد شملها مجددا قانون النهوض والانهيار. الا اننا اليوم لسنا أمام خرائب بابل المدفونة تحت التراب، ولا خرائب بغداد درة الدنيا بعد مجيء هولاكو، او كما كانت تبدو في القرن التاسع عشر، بعد أنْ لم يبق منها سوى بقايا مدينة هرمة... فما يحدث الآن هو دورة مختلفة، لا يمكن ان تقارن بالدورة الحضارية الكبيرة الاولى ونهايتها في بابل، ولا الثانية ونهايتها على يد هولاكو 1258. ذلك ان محاولة النهوض الحالية لم تكن من فعل العناصر والآليات الذاتية، بقدر ما كانت مستعارة، واحتوت على قوة فرضْ أتت من خارجها، ولم توطَّن.
حين نخرج من شارع الرشيد باتجاه ساحة الرصافي، نحو شارع المتنبي يوم الجمعة، يطالعنا ركام هرم، من بقايا ثقافة شاخت، وتكلس يحيل الى الموت: عشرات من الصحف التي لا تقرأ، دليل على تفتت الوعي، وبلاد بلا منظومة شعورية وتصورية، لا في الشعر في بلاد الشعر، ولا في الافكار أو الرواية، ولكل عراقه الذي يتصوره... وفي مقهى الشابندر القابع في آخر المتنبي، عشرات الرواد الذين تشبه حالتهم حالة شارع الرشيد اليوم، بوجوههم الهرمة الجافة وشعورهم القطنية وأجسادهم المتهالكة وعالمهم الذي خلفوه وما زالوا يجترونه، بينما تزدحم حيطان المقهى المعتم فوق رؤوسهم بصور تاريخ حداثة منهارة ومناسباتها. وإذا خرجنا من هناك الى آخر شارع الرشيد من جهة الميدان، يتحول المشهد الى فيلم رعب لا مثيل له. هنا تتجمع نماذج من البشر لا يمكن تخيل وجودهم، رجالاً ونساء... إمرأة تعودت ان تسير كل يوم مدة ساعة تقريبا، وهي عارية تماماً على الرصيف، ثم ترتدي ثيابها بعدما جمعت بعض آلاف من الدنانير، لتجلس مع أصحابها وكان شيئا لم يكن، فتأتي والدتها مع الغروب لتأخذ الدنانير وتأخذ ابنتها معها، لتعيدها في الصباح التالي. وسكارى لا يصحون، يمارسون نمطا من الحياة المتخيلة لكن المعيشة. فتاة اخرى تبيع منذ سنوات مواليدها الذين لا تعرف اباءهم. تلد وتبيع وهكذا... ولعل الطريف وجود مقهيين للمثليين، منقسمان من حيث نوعية الرواد، احداهما للمثليين الخرس، والثاني للناطقين، مقاه مثل الكهوف، وكراسي وكنبات متهالكة. باعة أشياء غريبة لا تخطر على البال، حديد وتنك وحصى وأصداف... هنا كانت بغداد الليل والسهر في الثلاثينات، الملاهي الأولى افتتحت هنا، والمطربات الكبيرات، والعربات الفارهة التي تجرها الخيول... وهنا لذلك ربما، تجد ضالتك اذا قصدت ان تسمع مطربا قديما، مثل الكبير القبانجي. من هنا اشتريت أقراص أغانيه كلها.

الاحتلال وما بعده

منذ قام الاحتلال في 2003 بسحق الدولة الحديثة، بصيغتها الدكتاتورية الفئوية القصوى، والعراق تسوده قوى ما قبل الدولة، تعتاش انتخابيا على الطوائف، والبلاد يعمها تقليد المشي الى المزارات والمراقد بالملايين. وفي الآونة الاخيرة، انتقلت «عمليتها السياسية الطائفية «، من الدكتاتورية الانتخابية الطائفية، الى نوع من إرهاب الدولة، باستخدام المليشيات من قبل الأجهزة الحاكمة... أما الأحزاب العلمانية فخرجت من التاريخ والواقع، وارتضت الالتحاق بحكومات الطوائف.
بغداد التي نعرفها اندثرت، بانتظار نهوض بغداد أخرى، ودورة اخرى...

مقالات من العراق

غيمة في رأسي

ميزر كمال 2021-08-19

انشغلتُ عن النجاة بأسبابها، وامتلأت بالهواجس والكوابيس، وصرتُ بعيداً عني، كنت أشعر بالتغيير يجري في داخلي، واسمع الصخب في رأسي: صخب القصف والرصاص وصراخ ذوي القتلى، الذين كانوا يسقطون كل...

للكاتب نفسه

الثورة الأخيرة

كتب الكثير عن حدث 14 تموز 1958 العراقي، من دون أن تذكر الثورة، أو بالأحرى أن الثورة لم تجسَّد من حيث الوقائع الدالة عليها أو التي هي روحها. ربما تكون...