كُردستان وحرية التعبير في العراق

في آب / أغسطس الفائت، ضُرب مراسلان كرديان على أيدي عناصر من البيشمركة (القوة العسكرية لإقليم كردستان) بسبب تصوير رتل عسكري منسحب من قضاء طوز خورماتو. ولم يكن المعتدون هذه المرّة أفراداً أو جنوداً عاديين، ولا هو حدث بالسر، وإنما كانوا ضبّاطاً يحمل بعضهم رتباً كبيرة، ما دفع مركز "ميترو" إلى مناشدة البارزاني "منع تجاوزات القادة العسكريين بحق الصحافيين والمدنيين". إلا أن تسارع
2014-10-06

عمر الجفال

كاتب صحافي من العراق


شارك
(من الانترنت)


في آب / أغسطس الفائت، ضُرب مراسلان كرديان على أيدي عناصر من البيشمركة (القوة العسكرية لإقليم كردستان) بسبب تصوير رتل عسكري منسحب من قضاء طوز خورماتو. ولم يكن المعتدون هذه المرّة أفراداً أو جنوداً عاديين، ولا هو حدث بالسر، وإنما كانوا ضبّاطاً يحمل بعضهم رتباً كبيرة، ما دفع مركز "ميترو" إلى مناشدة البارزاني "منع تجاوزات القادة العسكريين بحق الصحافيين والمدنيين". إلا أن تسارع الأحداث جرف المناشدة بعيداً، كما حصل لرسالة الكاتب الشاب سردشت عثمان الأخيرة، التي أرسلها إلى أصدقائه وزملائه قبل مقتله بـ 13يوماً، في 2010، طالبهم فيها بحملة من أجل ردع السلطة عن التعرّض له، وكانت آخر كلماتها "تأييدكم لي وجمع تواقيع الطلاب المستقلين في الجامعة أمر مهم جداً. ففي النهاية هو صوت للدفاع عن الحريات الفردية وحرية التعبير في هذا البلد". لكن تلك التواقيع لم تجدِ نفعاً، ولم تكف يد الجلادين "الديموقراطيين".

مثال سابق بل أمثلة

"ما يقلقني في هذه التهديدات هو أن هناك الكثير الذي لا بد أن يُقال قبل أن نرحل. مأساة هذه السلطة هي أنّها لا تبالي بموت أبنائها". هذه كانت آخر كلمات سردشت عثمان بحقّ سلطة إقليم كردستان العراق التي يكرّر بشكلٍّ يومي رئيسها ورئيس حكومتها وسياسيوها تدبيج الخطابات المُدافعة عن سلطة القانون وحرية التعبير التي يكفلها دستور الإقليم، والارتقاء بالديموقراطيّة. عثمان، الصحافي الكردي، كتب هذا بعد أن تلقّى تهديدات على هاتفه المحمول وبريده الإلكتروني من أشخاص مرتبطين برئيس الإقليم مسعود بارزاني.
تنبأ الشاب الذي كان في عامه الأخير من دراسته الجامعية، بموته، لأنه حاول رفع سقف الحرية عالياً، وتحريك الساكن، والمسكوت عنه في الإقليم الذي يسلّم لسلطة دكتاتورية لا تقبل النقد من مواطنيها، ترسّخ التقاليد العشائرية البالية، لكنها تسوّق نفسها على أنها سلطة ديموقراطية. وبقية القصة أو سرديتها معروفة: ففي 4 أيار / مايو 2010، اقتاد مجهولون عثمان من أمام جامعته وحرسها، وبعد يومين وُجِدَ في محافظة الموصل مقتولاً وعلى جسده آثار تعذيب، وكانت رصاصات عدّة قد استقرّت في جسده. كان عثمان يكتب مقالات ساخرة عن حكومة الإقليم وبمقدمتها بارزاني، سخرية لاذعة طالب بإحداها أن يزوّجه الرئيس ابنته لينعم بالمال والسلطة، في إشارة إلى السلطة التي بدأت تتغوّل وتحوّل الإقليم إلى محميّة لعائلة بارزاني، الذي يترأس الإقليم، فيما يترأس ابن أخيه حكومته، ويتولى أبناؤه إدارة الأجهزة الأمنيّة.
بعد 4 أشهر على مقتل عثمان، وبعد تشكيل حكومة الإقليم لجنة بتكليف من الرئيس بالتحقيق بمقتل الصحافي الشاب، أعلنت النتائج، ولم تكتفِ على طريقة سلطة بغداد بتسجيل القضية ضدّ مجهول، وإنما عمدت إلى تشويه سمعة المغدور الشاب عبر إلصاق تهمة تعاونه مع جماعة "أنصار الإسلام" السلفيّة الجهادية التي قامت بعمليات إرهابيّة عدة، وصدّرت رواية أن عثمان وعد الجماعة بالعمل معها، وبعد أن حنث بوعده قامت بتصفيته جسدياً.
إلا أن عثمان لم يكن الوحيد الذي لاقى حتفه بسبب انتقاد فساد المسؤولين في الإقليم، فقد سبقه سوران مامه حمه، الذي اغتيل في تموز/ يوليو 2008، بسبب كشفه قضايا فساد تورّط فيها مسؤولون كبار، ولحق به بعد ذلك الصحافي كاوه كرمياني، الذي اغتيل في كانون الأول / ديسمبر 2013 بهجوم مسلح نفذه عليه مجهولون أمام منزله، وكان كرمياني متهماً بالتحقيق بقضايا فساد عديدة منها ما يخص قطع أراضٍ توزّعها حكومة الإقليم على المقربين والمتنفذين.

السلطة والفساد

سلطة إقليم كردستان تحاول تصدير نفسها عبر شبكة معقدة من مراكز العلاقات العامة في الولايات المتحدة وأوروبا، وعبر عدد كبير من وسائل إعلامها داخل الإقليم وخارجها، على أنها سلطة ديموقراطيّة وتحترم حريّة التعبير. لكن الواقع يخالف الصورة المصنوعة، إذ تبدو عائلة بارزاني مسيطرة على الحكم، ويحظى أولاد مسعود بارزاني واقرباؤه بالحصانة من أية متابعة قضائية، وهؤلاء يسعون بشكل مستمر إلى ترهيب الصحافيين من تناول قضايا الفساد في كتاباتهم، بعدما طالت معظم مفاصل الحياة في الإقليم. وبالرغم من عدم وجود قانون يمنع انتقاد بارزاني، لكن العرف الساري له سطوة أعلى من القانون. كما أن الترهيب عبر القضاء ليس أقل وطأة. ففي العام 2008 رفع الحزبان الكرديان دعوى قضائية في الولايات المتحدّة الأميركية ضد الكاتب والباحث الأميركي مايكل روبن الذي عاش في كردستان لأكثر من 6 أعوام، بسبب نشره مقالاً يتهم فيه جلال طالباني، الرئيس العراقي السابق، بامتلاكه 400 مليون دولار، ويتهم مسعود بارزاني رئيس الإقليم بامتلاكه 2 مليار دولار.
وفي العام 2010، وفي خضم الخلاف حول قضيّة النفط بين الإقليم والمركز، كشفت صحيفة "روزنامة" الأسبوعية كيفية تهريب الحزبين الحاكمين للنفط، وما الذي يجنيان من أموال جراء عمليات التهريب تلك. وكان الردّ سريعاً، إذ رفع "الحزب الديموقراطي الكردستاني" (حزب البرزاني) دعوى قضائية ضد الناشر ورئيس التحرير طالب فيها بتعويض "مادي ومعنوي" قيمته مليار دولار. لم يفكّر إقليم كردستان بتشكيل هيئة للنزاهة للتحقيق بملفات الفساد إلا بحلول العام 2009، في الوقت الذي بدأت فيه كردستان تستردّ عافيتها اقتصادياً (تحصل على 17 في المئة من الموازنة الاتحادية). وبالرغم من القانون الذي صدر العام 2007 والذي يكفل حماية الصحافي وحرية وصوله إلى المعلومة، فكلّ الصحافيين الذين قتلوا أو تعرّضوا لمضايقات كانوا يؤشرون لمستوى الفساد المتصاعد الذي يرافق أعمال الإعمار والبناء في الإقليم.

تعسّف مستمر

في العام 2009 حمّلت منظمة "صحافيون بلا حدود" الفرنسية الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان، الاتحاد الوطني والحزب الديموقرطي الكردستاني، مسؤولية الانتهاكات التي يتعرّض لها الصحافيون في كردستان، وكان ذاك العام قد شهد في أشهره الستة الأولى حالات انتهاكات واضحة من بينها 35 شكوى قانونية في المحاكم، و35 أخرى كانت حوادث ضرب واعتقال وعقوبات قانونية. وكان مركز "ميترو" للدفاع عن حقوق الصحافيين في الإقليم لم يتأسس بعد، وكان رصد الانتهاكات صعباً.
وفي العام 2011 أصدر المركز أوّل تقرير له كشف خلاله حجم الانتهاكات بحق الاعلاميين التي تعدّت 359 انتهاكاً مختلفاً، تضمنت 4 جرحى من بينهم نتيجة إطلاق عيارات نارية، و8 حالات حرق وتخريب لمكاتب قنوات اعلامية، و85 اعتداء بالضرب، و57 تهديداً، و52 عملية اعتقال واحتجاز قسري، و81 اعتراضاً لعمل الصحافيين، و15 تحطيماً لآلات وأدوات الصحافيين، و11 تعرّضاً لبيوت ومكاتب إعلامية، و12 حالة اطلاق نار على الصحافيين، و47 حالة استيلاء على أدوات عملهم وآلاته، و2 حالة إطلاق نار على قنوات إعلامية، وحالة واحدة تضمّنت وضع عبوة ناسفة لصحافي، وحالة حرق سيارة لأحد الصحافيين.
لهذه الانتهاكات طابع سياسي واضح، إذ أن أغلب المقار التي تمّ الاعتداء عليها، والصحافيون الذين تعرّضوا للاعتداء، يعملون مع الأحزاب المعارضة للحزبين الرئيسيين المتهمين بتزوير الانتخابات واستخدام المال العام في الترويج للحملات الانتخابية، الأمر الذي يبيّن الخشية من ممارسة "الديموقراطية" الفعليّة التي يدعي الحزبان الرئيسيان دفاعهما عنها. وفي العام 2012 سجّل مركز "ميترو" انخفاضاً في حالات الانتهاك، التي بلغت 190حالة، معلناً أن الانخفاض يشمل العدد والنوعية أيضاً، حيث لم تسجل حالات قتل أو جرح أو إطلاق رصاص على الصحافيين.
إلا أن العام الذي تلاه عاد ليسجّل ارتفاعاً جديداً، وكان القتل والشروع فيه موجودَين بوضوح. ولن يكون غريباً أن الجرائم المرتكبة بحق الصحافيين تمر من دون عقاب، لأن "العديد من مرتكبي تلك الجرائم محميون ولا يطالهم القانون"، بحسب مركز ميترو.

مقالات من العراق

ماذا وراء الاشتباك بين السيد الصرخي وقادة الأحزاب الشيعية في العراق

لا يمتلك المرجع الديني الصرخي جناحاً مسلحاً مثلما هي حال بقية قيادات ومراجع الشيعة. وهو يضع نفسه خارج أسوار الطيف الشيعي، فمرجعيته جامعة لمختلف المسلمين. ويُنكر الصرخي الروايات التي تصنع...

للكاتب نفسه

العراق الشاب.. أعزلٌ في وجه "اللادولة"

عمر الجفال 2019-10-22

تندّر السياسيون على دعوات الشباب للتظاهر قبل انطلاقها بساعات. عاملوهم على أنّهم قاصرون. أطلقوا عليهم لفظ "العوام": لا يستطيعون تنظيم أنفسهم، غارقين في الجهل، يصعب فهم لغتهم التي يروّجون فيها...