أسبوع سوداني طويل

تطورات استثنائية في السودان حملتها الأيام الماضية، تشكّل جميعها مؤشرات على تغييرات قد تستقر في هذا البلد ولها انعكاساتها الإقليمية.

2017-12-07

السر سيد أحمد

كاتب صحافي من السودان مختصّ بقضايا النفط


شارك
عادل عبد الصمد - الجزائر

شهدت الأيام الأخيرة من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي ثلاثة تطورات فاجأت الساحة السياسية السودانية لتبعاتها التي يمكن أن تُحدث نقلة نوعية لها انعكاسات داخلية وإقليمية ودولية.

الحدث الاول تمثّل في قيام الرئيس عمر البشير بزيارة إلى روسيا، هي الأولى له خلال سنوات حكمه التي قاربت الثلاثة عقود. وهناك سيطرة "قوات الدعم السريع" شبه النظامية على موقع الزعيم القبلي موسى هلال في شمال دارفور، وهو الذي كان يشكل عقبة أمام مشروع جمع السلاح في الاقليم المضطرب. وأخيراً جاء التطور الثالث متمثلاً في الخطاب الذي أرسله مالك عقار، قائد فصيل لـ"الحركة الشعبية ــ شمال" إلى مختلف القوى المعارضة بهدف التوصل إلى برنامج مرحلي تخوض به المعارضة الانتخابات الرئاسية في العام 2020، وعدم الاكتفاء بمقاطعتها كما هو التقليد السائد حتى الآن.
زيارة الرئيس السوداني إلى روسيا لم تلفت الانظار لأنها زيارته الأولى فقط، وأنما للتصريحات التي أدلى بها أمام فلاديمير بوتين ووسائل الاعلام الروسية، وتضمنت انتقادات لاذعة للولايات المتحدة التي اتهمها بأنها تسعى إلى المزيد من تقسيم السودان إلى خمس دول، وهو لهذا يطلب الدعم والحماية السياسية من روسيا عبر تحديث القوات المسلحة السودانية، خاصة في الجو والبحر، بل وعرض البشير استعداد السودان لاستضافة قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر، كما عرج على القضية السورية مؤيداً الحل السياسي الذي لا يشترط إزاحة الأسد، وذهب خطوة أخرى إضافية بقوله إنه لا يحبذ حدوث مواجهة عربية ــ ايرانية مفتوحة على الرغم من أن السودان مشارك عسكرياً في قوات التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين في اليمن.

 

تفكيك الأجندة الاسلامية

 

ومع تباين التفسيرات لهذه التصريحات، إلا أن الذي يلفت النظر ما ذكره نائب رئيس الوزراء مبارك الفاضل المهدي، وهو معارض سابق دخل الحكومة الحالية التي تكوّنت عقب استكمال مشروع الحوار الوطني. ويرى المهدي أن تصريحات البشير تصب في إطار "إصلاح الدبلوماسية السودانية وتخليصها من أثر الأيديولوجيا الإسلامية، وبرامج الحركة الإسلامية ونفوذها"، والتركيز على خدمة مصالح السودان السياسية والاقتصادية، والاستفادة من الخبرات الروسية خاصة في ميدان التعدين.
ومن "سوتشي" حيث جرى لقاء البشير وبوتين، وعلى بعد الآف الأميال، وقعت اشتباكات سريعة في منطقة "مستريحة" الواقعة في شمال دارفور، وكانت المعقل الرئيس للزعيم القبلي موسى هلال. ونتج عن تلك الاشتباكات سقوط قتلى وإلقاء القبض على هلال وإحضاره إلى الخرطوم. برز الرجل كأحد وجوه العنف في دارفور عقب تفجر الأحداث في العام 2003، عندما تزعم بدعم من الدولة القبائل ذات الأصول العربية التي تعرضت بداية لعنف من القبائل ذات الجذور الافريقية، مما أسهم في إتخاذ الصراع بعداً قبلياً. وأصبح هلال وجها مألوفا في الاعلام الغربي باعتباره زعيما لـ"الجنجويد"، لدرجة أن مجلس الأمن في بعض قراراته الخاصة بدارفور أوقع عليه بعض العقوبات في العام 2006.

 

في موسكو، وجه الرئيس السوداني انتقادات لاذعة للولايات المتحدة التي اتهمها بالسعي إلى المزيد من تقسيم السودان إلى خمس دول، وهو لهذا طلب الدعم والحماية السياسية من روسيا عبر تحديث القوات المسلحة السودانية، خاصة في الجو والبحر، بل وعرض استعداد السودان لاستضافة قاعدة عسكرية روسية على البحر الاحمر.

 

لكن البشير كافأه بتعيينه مستشاراً في ديوان الحكم الاتحادي وقبل ذلك عضواً في المؤتمر الوطني الحاكم ونائباً برلمانياً. ويبدو أن ذلك لم يرضِ طموحاته وبدأ بطرح بعض مطالبه السياسية كأن يتم تعيينه والياً لشمال دارفور أو في موقع أعلى في رئاسة الجمهورية، خاصة وأنه يعتقد أن لديه قوة ضاربة تصل إلى 3 الاف جندي، كانت الحكومة قد استوعبتهم فيما عرف بـ"قوات حرس الحدود"، كما أنه كان يسيطر عن طريقهم على منطقة تعدين للذهب في منطقة "جبل عامر" كانت تدر عليه بضعة ملايين من الدولارات. ثم غادر الخرطوم متخلياً عن وظائفه السياسية والدستورية عائداً إلى داره في مستريحة. وقبل ثلاث سنوات قام بتأسيس جسم سياسي أطلق عليه اسم "مجلس الصحوة الثوري"، وبدأ في الاتصال ببعض الجهات المعارضة، خاصة الحاملة للسلاح، مثل الحركات المنضوية تحت تنظيم "الجبهة الثورية"، كما اتُهم بصلات مع القائد الليبي خليفة حفتر الذي يناصب الحكومة السودانية العداء. وبعد اعتقاله تمّ الاعلان عن وجود شخص جزائري كان مع هلال وبمعيته أجهزة اتصال متطورة.


اقرأ أيضاً: السودان.. وأخيراً فعلها ترامب


في هذه الاثناء برز قائد آخر من قبيلة الرزيقات نفسها التي ينتمي اليها هلال هو محمد حمدان دوقلو، المشهور بحميدتي ومعه مجموعته التي كانت تابعة في البداية لجهاز الأمن والمخابرات تحت مسمى قوات الدعم السريع. ونجحت هذه القوات في توجيه ضربات قاصمة خلال العامين الماضيين لكل من "حركة العدل والمساواة" و"حركة تحرير السودان" المتمردتين في دارفور، الأمر الذي أغرى الحكومة بالانتقال إلى المرحلة الثانية لتحقيق الأمن والاستقرار في دارفور، عن طريق جمع السلاح طوعياً في البداية ثم عبر القوة بعد ذلك.
هلال اعترض على مشروع جمع السلاح، الذي أعلن عنه نائب رئيس الجمهورية وهو أيضاً من إقليم دارفور في تموز/ يوليو الماضي. وأصبحت قيادة هلال في منطقة "مستريحة" حصناً لكل رافض أو مدعٍ لرفض حملة جمع السلاح. ومع أن عملية السيطرة على مستريحة واعتقال هلال تمت بسرعة، الا ان هناك تخوفاً من الارتدادات القبلية التي يمكن أن تنجم عنها. ويخشى البعض من أن الحرب في دارفور التي اتخذت صورة مواجهة بين القبائل العربية والافريقية من قبل، مرشحة هذه المرة لأن تكون بين أطراف من القبائل العربية نفسها، وهو ما ينفيه القائد حميدتي الذي رفض في مقابلة تلفزيونية سؤالاً عن انعكاس عملية اعتقاله لهلال على قبيلته من الرزيقات، قائلاً انه يعمل بصفته القومية وليس القبلية خاصة، وان قواته تتبع لرئيس الجمهورية مباشرة.

 

الانتخابات للتغيير

 

وعقب إلقاء القبض على هلال، نشر قائد فصيل "الحركة الشعبية ــ شمال" مالك عقار (الناشطة في منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان) خطاباً قال إنه وجهه إلى القيادات المعارضة في الداخل والخارج، ممن يحمل السلاح أو ممن ارتضى العمل السلمي. وفي الخطاب نقد غير معهود لأداء المعارضة التي توقفت في محطة التعامل السلبي مع معظم التطورات الداخلية والاقليمية والدولية، ومقترَحاً بضرورة التوافق على برنامج عمل يومي يتصاعد لينتهي بالمشاركة في انتخابات رئاسة الجمهورية في 2020. ومع انه وضع اشتراطات مثل عدم تعديل الدستور بما يسمح للبشير بالترشيح لمرة ثالثة، أو تعديل القوانين لاشاعة الحريات وتهيئة مناخ إيجابي للإنتخابات، إلا أن إشارته إلى لقاءاته بمبعوثين غربيين، خاصة من الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، تعزز بعض المعلومات المتداولة بأن الدول الغربية المهتمة بالسودان تضغط في اتجاه أن تعمل المعارضة لاستغلال آلية الانتخابات كوسيلة للتغيير، خاصة وأن "المؤتمر الوطني" الحاكم يعاني من أزمة طول المكوث في السلطة. وإذا صدق البشير بوعده بعدم الترشح مرة جديدة، فإن فرص المعارضة ستكون أفضل، لكن ذلك يتطلب عملاً بصورة جدية في عدة جوانب، على رأسها التخلي عن أسلوب المقاطعة وإنجاز توافق على برنامج موحد في الحد السياسي الأدنى، ثم الاتفاق على شخصية تلتف حولها المعارضة وتصبح مرشحها المتفق عليه لخوض الانتخابات.

 

فرص المعارضة في الانتخابات المقبلة يمكن أن تكون أفضل، لكن ذلك يتطلب عملاً جدياً على رأسه التخلي عن أسلوب المقاطعة وإنجاز توافق على برنامج موحد بالحد السياسي الادنى، ثم الإتفاق على شخصية تلتف حولها المعارضة وتصبح مرشحها المتفق عليه لخوض الانتخابات.

 

ومع ان خطاب عقار هذا أعلن عنه في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر، إلا أنه في واقع الامر أُرسل إلى قيادات المعارضة في 13 من ذاك الشهر، وتراوحت ردود الأفعال عليه بين التحفظ والرفض ودعوة البعض إلى دراسة المقترح.. وربما يرى البعض ان عقار لم يطرح هذا الاقتراح إلا بعد الانقسام الذي ضرب حركته، وخروجه كالطرف الأضعف عسكرياً من هذا الانقسام. كما تبقى حقيقة صعوبة اتفاق المعارضة على مرشح واحد، وقد ظهر هذا في الانتخابات التي تمت في العام 2010 وقبيل انفصال الجنوب، حيث كانت الحركة الشعبية الأم موجودة بثقلها العسكري والجماهيري وبالسند الدولي الذي كانت تحظى به. ومع أن قوى المعارضة تجتمع على عدائها للحزب الحاكم، إلا أنها لم تستطع ترجمة ذلك إلى موقف سياسي موحد، وانتهى بها الأمر إلى طرح 12 مرشحاً لمنافسة البشير على رئاسة الجمهورية. وقبيل الانتخابات، تضاربت مواقفها بين المشاركة والمقاطعة على أساس ان الانتخابات ستكون مزورة، الأمر الذي أضعف كثيراً من مصداقيتها ومن فرصها.


اقرأ أيضاً: الرمال المتحركة في جنوب السودان


وكما أن العرض الذي طرحه البشير على بوتين ما يزال في انتظار الرد، فمقترح عقار للمعارضة بخوض الانتخابات المقبلة لا يزال أيضاً في انتظار رد فعل عملي من القوى الداعية للتغيير. أما بالنسبة لدارفور فإن القبض على هلال يشكل دفعة قوية لبرنامج جمع السلاح وإعادة تأكيد هيبة الدولة وهو ما يحتاج إلى جهد سياسي جدي لتحويل هذا التطور إلى سلام مستدام يمكن أن يلقى دعما أقليمياً ودولياً. فأقليم دارفور يشكل خلفية للجهود المبذولة لمواجهة المتطرفين من بوكو حرام وغيرها في منطقة "حزام السافنا" الممتد حتى غرب القارة الأفريقية (منطقة تقع شمال أو جنوب خط الاستواء، وتتألف من الدول التي توجد فيها الغابات: السودان، تشاد، النيجر، مالي وأجزاء قليلة من موريتانيا والسنغال.. وبسبب أن المساحة الأوسع من هذا الإقليم تقع في السودان، فقد أطلق عليه اسم الإقليم السوداني).

مقالات من السودان

السودان… تباشير تسوية أم نُذرها؟

اعتاد السودانيون منذ سنوات على استقبال الأعياد بقدر ضئيل من الأفراح يكاد يتلاشى تماماً في بعض مناطق السودان حيث تجري الدماء بشكل "معتاد" فغاب الفارق بين المآسي والأفراح. ومع ذلك...

حادثة عنصرية بالسودان تعيد طرح الأسئلة الصعبة

"العبد" و"صاحب الأنف الكبير" لوصف مدير الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون المُقال بسبب نقل الهيئة للمظاهرات السلمية المناهضة للانقلاب. الكلام الهامس جرى داخل المحكمة المنعقدة لمحاكمة مدبري انقلاب 1989، وقد تلفظ...

للكاتب نفسه