اخـتـــلال التـــوازن بـيــن السـلـطـــة والمـعـرفــة

يُحكى أنه على طريق سيار، أوقف حاجز للدرك أربع سيارات بسبب تجاوز السائقين للسرعة المسموح بها، نزل السائقون وشرعوا يعرفون بأنفسهم لينجوا من أداء الغرامة، قال السائق الأول بالفرنسية انه كولونيل فحصل على عفو. قال الثاني انه كابيتان فتابع طريقه. ذكر الثالث انه كايد (قائد). وحين حل دور السائق الأخير قال: كُـعلِّم.لقد غير الرابع اسم مهنته، لما رأى أن المهن التي تبدأ بحرف الكاف أنقذت مخالفي
2012-11-28

محمد بنعزيز

كاتب وسينمائي من المغرب


شارك
رياض نعمة - العراق

يُحكى أنه على طريق سيار، أوقف حاجز للدرك أربع سيارات بسبب تجاوز السائقين للسرعة المسموح بها، نزل السائقون وشرعوا يعرفون بأنفسهم لينجوا من أداء الغرامة، قال السائق الأول بالفرنسية انه كولونيل فحصل على عفو. قال الثاني انه كابيتان فتابع طريقه. ذكر الثالث انه كايد (قائد). وحين حل دور السائق الأخير قال: كُـعلِّم.
لقد غير الرابع اسم مهنته، لما رأى أن المهن التي تبدأ بحرف الكاف أنقذت مخالفي القانون. لذا استبدل الميم بالكاف. لكن ذلك لم ينقذه من دفع الغرامة.
بما أن اللغة حمّالة وعي، فإن هذه النكتة المتداولة في المغرب تبرز الفارق في النفوذ بين موظفي الدولة: العاملين في الأمن والعاملين في التعليم. وللفارق تجليات اقتصادية ضخمة. فحتى لو كان المعلم والقايد يحملان الشهادة الجامعية نفسها، فالموارد المتوفرة لكل واحد متباينة.
منذ اليوم الأول لتعيين القايد في وزارة الداخلية، يحصل على سكن أرضي مستقل، سيارة وبنزين مجانا، يقبض أجرا أعلى، يتلقى تعويضات، لديه مكتب جيد مكيّف وبواب ومساعدون، تصله يوميا جرائد ومجلات مجانا. من جهته يعيّن المعلم في منطقة نائية وعليه تدبير وسائل نقله وسكنه. تتأخر أجرته وليس له أي امتيازات وظيفية. وتروج عشرات النكات التي تسخر من فقر المعلم وبخله. ورجال السلطة يستمتعون بحكيها، خاصة أن المعلمين يكثرون في أحزاب المعارضة.
فوق كل هذا، للقايد سلطة اتخاذ قرارات تدر عليه ربحا حتى لو لم يكن مرتشيا، لأن الذين يحتاجون الى توقيعه يتملقونه. فالقايد يقرر في رخص التجارة والبناء ويعرف من يبيع الحشيش ومن يبيع الخمر بدون رخصة. يتاجر بسلطة الترخيص مكتوبة وشفوية، يستقبل المستثمر باعتباره «فريسة» تسهِّل له الترقي في السلم الاجتماعي بسرعة، ولا يشبع أبدا. في الغابة يشبع الأسد فيتوقف عن الصيد، بينما البشر يتابعون صيد المال بدافع اللذة لا الحاجة. صار جمع النقود هدفا في حد ذاته. بالموازاة مع ذلك، يغرق المعلم في حاجاته اليومية التي تعرقل ترقيه الاجتماعي.
أكثر من ذلك، القايد حلقة أساسية في سلم تراتب السلطة. هذه السلطة العريقة في المغرب، والتي تسمى «المخزن»، وتحدث عنها ابن خلدون بتبجيل في «المقدمة»، في فصل الاحتكار، في باب زعم فيه أن خُلق التجار نازلة عن خلق الأشراف والملوك. لم يتصور المؤرخ العظيم زمنا يصير فيه الأشراف تجارا. وقد كان مدرسا ثم قاضيا في فاس وعرف سر السلطة فاستقال سنة 1364. وقد كتب في مقدمته أن «المعلم مستضعف مسكين».
القايد ليس مسكينا، وهو حلقة في سلسلة هذا تسلسلها:
الوالي والعامل والباشا والقائد والشيخ والمقدم. وفوقهم جميعا السلطان.
يشرف الوالي على عدة أقاليم، ويشرف العامل على إقليم مقسّم إلى عدة دوائر ترابية. على رأس كل دائرة باشا. في كل دائرة مجموعة من المناطق يديرها قائد، تسمى قيادة. في كل قيادة مجموعة من المشيخات تضم قبائل وأحياء. وفي كل مشيخة مجموعة من «المقدمين» والمقدم مساعد للشيخ، ويكون مكلفا بمراقبة قبيلة أو حي، بل حتى يكلف بشارع، وهذه مراقبة مدرة للدخل. لذا يتمكن رجال السلطة بسهولة وسرعة من تدبير منزل وسيارة، بينما يحتاج المعلم زمنا طويلا لتحقيق ذلك. وهذه المقارنة هي التي تحث مخيلة المغاربة على ابتكار نكات تحقر المعرفة وتمجد «أمننة المستقبل». وهي نكات ذات تأثير في المستقبل لأنها مبنية على حقائق ميزانية وزارتي الداخلية والتعليم. فالأطفال في الشارع يقارنون سيارتي الضابط والمعلم، وهم يصوغون حلمهم من تلك اللحظة. والنساء يدققن في مهنة الخطيب لتخمين قدرته على الشراء في عصر الاستهلاك المجيد. لذا يبحث الشبان عن مستقبل أفضل بعيدا عن مهنة التعليم. والمتفوقون منهم يحرصون، بدءاً من سنة البكالوريا، على اجتياز مباريات الالتحاق بمعاهد مهن السلطة: الجيش والشرطة والدرك، وهي معاهد تشترط مستوى جيدا من معرفة اللغات والرياضيات. وهكذا تمتص هذه المؤسسات الأمنية أفضل العقول، بينما يتجه «الراسبون» في تلك المعاهد الى الجامعة. وهم يختارون التعليم حين تنغلق في وجههم بقية المهن التي تضمن رقيا سريعا في السلم الاجتماعي.
بذلك، تجدد المؤسسة الأمنية نفسها. فيتقوى نفوذ السلطة ويتمدد. وحين يكون هناك صراع بين الضابط والمعلم، بين رجل السلطة ورجل المعرفة، بين ما يُسمى «الحزب السري» و«حزب المعلمين»، تميل الكفة لمصلحة الأول، وهو المسلح بموارد كثيرة، بينما الثاني أعزل تقريبا، حتى لو تفوق في صناديق الاقتراع.

 

مقالات من المغرب

للكاتب نفسه