يخرج الرجال إلى شرفة شقة صغيرة، في الطبقة السادسة من مبنى في ضاحية بيروت الجنوبية، يشعلون سجائرهم بعدما أنجزوا المهمة العائلية التي أتوا من أجلها. تنكشف أمامهم نزلة سينما هيلتون في محلة المريجة، وقد اختفت فيها مبان كثيرة بعد الحرب الأخيرة. كان الضيوف قد قرأوا فاتحة ابنهم عباس على الصبية الجميلة حنان، في فسحة صغيرة من الفرح في أيام هموم النزوح من الجنوب. انتهت مهمّة "الحكي" ولم يعد لديهم ما يُحكى، فالموضوع الوحيد الذي يشغل بالهم هو بلدتهم حدّاثا، في قضاء بنت جبيل، التي تبعد حوالي 115 كيلو متراً عنهم، وتغدو أكثر بعداً، مع كل خبر يصل إليهم، عبر مجموعات وسائط التواصل، عن تمدًد الخط الأصفر إليها لابتلاعها.
النبطية: حاضرة مدمَّرة عزلاء متروكة لمصيرها
10-09-2026
صور: مدينة الحزن الثقيل والمؤجّل
09-07-2026
"إسرائيل ما إلها أمان". محطة كلامية لم يعد لها وقعٌ. "هل بقيت بيوت في حداثا؟". يَجمع الأهالي النازحون المشتتون في قرى صور وصيدا وضاحية بيروت المال ليشتروا صوراً جوّية لبلدتهم، ملتقطة بالأقمار الصناعية، محدّثة كل أسبوع. يحدقون طويلاً في شاشات هواتفهم؛ بحثاً عن طريق يقود إلى معالم تتبدد أسبوعاً تلو أسبوع. يختلفون على تحديد منزل هنا وبستان هناك. يعرفون البيوت بأسماء أصحابها وساكنيها. يصعب تحديد عدد البيوت التي لم يدمرها العدو، فالبلدة كلها تبدو خراباً هائلاً من فوق، ولم يوقف العدو استهدافها بالغارات الحربية والقصف المدفعي. "ظننا أن البلدة ستنجو، فهي خارج الخط الأصفر الذي أعلنت عنه إسرائيل، لكن يبدو أنها باتت داخله".

ما هو "الخط الأصفر"؟
هو استنساخ لنموذج مشابه، استخدمه العدو في قطاع غزة. ليس أكثر من مصطلح عسكري لوصف خط الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية، على عمق يراوح ما بين أربعة وعشرة كيلو مترات تقريباً من الحدود، ضم في البداية حوالي 55 قرية لبنانية، حين أعلن العدو عنه، بعد دخول ما سُمّي بـ"وقف إطلاق النار" حيز التنفيذ. يتخطى مفهوم الخط الأصفر سيطرة العدو بالنار على هذه القرى، إلى منع عودة أهاليها إليها. وبالفعل، كل شخص اقترب من ذلك الخط استُهدِف بالنار. تلك المساحة، وفقاً للبيان الإسرائيلي، شملت بلدات في القطاعات الغربية والوسطى والشرقية من جنوب لبنان، وبينها: الناقورة، علما الشعب، الضهيرة، طير حرفا، شيحين، مروحين، رامية، عيتا الشعب، بنت جبيل، مارون الراس، يارون، عيترون، ميس الجبل، حولا، العديسة، كفركلا، الطيبة، بليدا، الخيام، وشبعا... وقد كان الموقف الرسمي من الإعلان خجولاً، فلبنان الرسمي منخرط في مفاوضات عقيمة، برعاية واشنطن، مع العدو، الذي لم يعد "عدواً"، بالنسبة إلى الحكومة الحالية وشريحة من الساسة المناوئين للمقاومة، ووسائل الإعلام الخاصة بهم.
لم يعد نزوحاً!
بعد مرور ثلاث سنوات على اشتعال حرب إسناد غزة في العام 2023، وحوالي سنتين على استعار حرب 2024، والاجتياح الإسرائيلي إثر حرب إسناد إيران في آذار/ مارس 2026، تجاوزت التحولات الديموغرافية للنازحين من القرى المحتلة حدود "النزوح الناتج عن النزاع" بالمعنى التقليدي، لتدخل في نطاق ما يمكن تسميته "إعادة توطين"، و"مناطق عازلة". فالدمار المادي بلغ حداً يجعل العودة إلى البلدات مستحيلة في المدى المنظور، كما أن انقطاع سبل العيش المرتبطة بالأرض قد أزال الأسس الاقتصادية للحياة فيها، بالإضافة إلى أن العدو يتمدد بالنار إلى خارج ذلك الخط، لخلق منطقة عازلة ثانية (رمادية)، يُحظر فيها على المدنيين إعادة إعمار ما دمره.

فلنقرّب الصورة أكثر. القرى التي احتلها العدو، وضع لها شريطاً لا يشكل حدوداً متساوية السماكة، وهي موزعة على أربعة أقضية: صور، وبنت جبيل، ومرجعيون، وحاصبيا. ومنْع الاقتراب من الشريط ليس مجرد إجراء أمني ظرفي، بل إعلان عن تحويل هذه القرى إلى "منطقة محرّمة" عسكرياً. كما أن تجانس هذه القرى طائفياً، لكون المقاومة محصورة بالطائفة الشيعية، وفق ترويج العدو وأدواته اللبنانية، هو مجرد شبهة يستخدمها في البروباغاندا. فالقرى متعددة الطوائف. بالفعل استثنى العدو من التدمير القرى المسيحية: دبل، وعين إبل، ورميش مثلاً، لكنه لم يحيّد تلك البلدات محبة في أهلها، الذين يعانون اليوم من الحصار الشامل ومحدودية الحركة في مسارات معقدة، بل لكونها لا تتمتع بأهمية استراتيجية، فالعدو دمّر منازل بلدة القوزح المسيحية بالكامل مثلاً، فضلاً عن تعرض كنيسة مار يوسف التاريخية فيها لأضرار جسيمة، وذلك لكون موقع البلدة استراتيجيّاً، كاشفاً ومُطلّاً، يمنح من يسيطر عليها رؤية واسعة تمتد إلى جبل الكرمل، ومدينة حيفا داخل فلسطين المحتلة. كذلك دمّر العدو القرى السنيّة، من مثل: الضهيرة، ومروحين، ويارين، والبستان... الملاصقة لعرب العرامشة داخل الحدود الفلسطينية. ولم يقتصر التدمير على القصف الجوي، بل نفذ الصهاينة عمليات تفجير وتجريف ممنهجة للمربعات السكنية، وسحقوا البنية التحتية بالكامل، ونسفوا الجوامع والمساجد التاريخية، ودمروا المدارس والمستوصفات الطبية. وأهالي القرى السنيّة نازحون اليوم، شأنهم شأن أهالي القرى الشيعية، أو القرى المختلطة بين المسلمين والمسيحيين.
لذلك عندما يرى أهالي تلك القرى أن تهجيرهم منها لم يعد مجرد نزوح، يشعرون بأن ما يَحول دون العودة إلى بلداتهم وأرزاقهم، هو في المقام الأول، الدمار المادي. ذلك ما تبرزه صحافة العدو (القناة 12) مستندة إلى الأقمار الصناعية، فإن 18 ألف مبنى دُمِّر في 19 قرية شملها المسح، أي ما يعادل 74 في المئة من البلدات المختارة. وفي عشر قرى تجاوزت نسبة الدمار 80 في المئة، بينما زادت النسبة على 90 في المئة في قرى: مارون الراس، وبليدا، وعديسة، ومروحين. في كثير من القرى، لم يعد من الممكن تحديد أماكن المنازل والمساجد، حتى أن الصهاينة جرفوا المقابر، حيث يتجاوز التدمير الخسارة المادية إلى ما يمكن وصفه بـ"محو الذاكرة المكانية". فالمكان نفسه لم يعد قابلاً للتعرف إليه، حتى بعيون الذين عاشوا فيه عقوداً.
مطالب.. لكن لمن؟
وسط حديقة جبران في قلب بيروت، نظّم "تجمع أبناء البلدات الجنوبية الحدودية" وقفة مطلبية، في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، أمام مبنى الإسكوا (لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا)، رَفعت مطالب، منها: انسحاب العدو الإسرائيلي من الأراضي المحتلة في جنوب لبنان، وعودة الأسرى اللبنانيين، وضرورة دعم حق النازحين بالعودة إلى بلداتهم وقراهم. كذلك دعا المنظِّمون إلى بسط سلطة الدولة في الجنوب من دون مناطق تجريبية، كتلك التي نتجت عن المفاوضات، بين لبنان الرسمي والعدو الإسرائيلي برعاية أميركية وأثبتت عقمها. كما دعوا إلى دعم النازخين والمسارعة إلى إعادة الإعمار. وطالبوا بتكريس يوم 22 أيلول/ سبتمبر من كل عام يوماً عالميا؛ للإضاءة على تدمير بيوت المدنيين.
"إسرائيل ما إلها أمان". محطة كلامية لم يعد لها وقعٌ. "هل بقيت بيوت في حداثا؟". يَجمع الأهالي النازحون، المشتتون في قرى صور وصيدا وضاحية بيروت، المال ليشتروا صوراً جوّية لبلدتهم، ملتقطة بالأقمار الصناعية، مُحدّثة كل أسبوع.
وضع العدو للقرى التي احتلها شريطاً لا يشكل حدوداً متساوية السماكة، وهي موزعة على أربعة أقضية: صور، وبنت جبيل، ومرجعيون، وحاصبيا. ومنْع الاقتراب من الشريط ليس مجرد إجراء أمني ظرفي، بل إعلان عن تحويل هذه القرى إلى "منطقة محرّمة" عسكرياً. حتى أن الصهاينة جرفوا المقابر، حيث يتجاوز التدمير الخسارة المادية إلى ما يمكن وصفه بـ"محو الذاكرة المكانية". فالمكان نفسه لم يعد قابلاً للتعرف إليه، حتى بعيون الذين عاشوا فيه عقوداً.
كانت المشاركة في الوقفة التضامنية خجولة نسبياً، إذ لم يزد عدد المشاركين، من أبناء القرى المدمرة، عن العشرات، وانضم إليهم عشرات من "لجنة حقوق الأشخاص المعوقين أصحاب البيوت والمصالح المدمرة"، والاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً، ليتبنوا المطالب ويزيدوا عليها مطالب تتعلق بحقوق الأشخاص المعوقين، منها تأمين بدل إيواء مناسب، بصورة عاجلة لجميع الذين دُمّرت منازلهم، بالإضافة إلى إشراك ممثلين عن الأشخاص المدمرة بيوتهم ومصادر أرزاقهم في اللجان المعنية بإعادة الإعمار، وحصر الأضرار، وتحديد الأولويات... إلا أن كل ما نتج عن تلك الوقفة، بغض النظر عن الأسباب التي حالت دون تحويلها إلى اعتصام حاشد للنازحين، أو اعتصام مستمر أمام مبنى الإسكوا، أنها أوصلت مطالبها في مذكرة إلى منظمة الأمم المتحدة.
"حاروف": العدو ينتقم من الموتى في قبورهم
21-11-2024
لكن حجم النزوح الجنوبي يطرح مفارقة عددية تكشف بدورها عن طبيعته. فبحلول نيسان/ أبريل 2026، بلغ عدد النازحين حوالي 1.2 مليون شخص. غير أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أعلنت في تشرين الأول/ أكتوبر، عن أن "ما لا يقل عن 880 ألف شخص يعودون إلى مناطقهم الأصلية أو مناطق قريبة منها". وهذا الرقم يستدعي قراءة متأنية: فالمفوضية نفسها شددت على أن "العودة لا تعني نهاية المعاناة، بل بداية رحلة جديدة لإعادة بناء الحياة". وبعبارة أخرى، فإن كثيراً ممن "عادوا"، بعدما تركوا مراكز الإيواء، عادوا إلى مناطق قريبة من قراهم الأصلية لا إليها، أو إلى مدن ومجتمعات مضيفة بعيدة في الشمال والبقاع. وهذا النمط من "العودة" هو تحوّل في شكل النزوح لا إنهاء له. إذ تتسم أوضاع النازحين بحالٍ مركّبة، من "العودة"، و"استمرار النزوح" في آن معاً. ففيما تشير بعض التقارير إلى عودة جزء من السكان إلى المناطق القريبة من الخط الأصفر، فإن هشاشة الوضع الأمني، والدمار المنهجي للبنية التحتية، والعجز الحاد في تمويل المساعدات، تجعل الاحتياجات الإنسانية الفعلية بعيدة عن أن تكون قد تراجعت.
حواضر شهيدة
على صفحات التواصل الاجتماعي، في آذار/ مارس ونيسان/ أبريل الماضيين، تحوّل كتّاب المناطق المنكوبة ومثقفوها إلى هواة رثاء، وقد تميز من بينهم كتّاب وباحثو مدينة بنت جبيل، باعتبارها الحاضرة الأكبر في المنطقة المحتلة، التي حرص العدو على محو معالمها، فنعى الكتّاب مكتباتهم التي لم يستطيعوا إنقاذها من ألسنة اللهب والتدمير الممنهج. سرعان ما استجابت بيروت البعيدة، فأنشئت فيها "الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والإرث الثقافي في لبنان"، مُشيرةً في تقاريرها إلى أن عدد الكتب التي أحرقتها إسرائيل بعدوانها منذ 2023، على دور النشر تجاوز 700 ألف كتاب، إضافة إلى أكثر من ثلاثة ملايين كتاب في المكتبات المنزلية والبلدية والمراكز الدينية، ومكتبات الباحثين والجامعات والمؤسسات الثقافية... مع العلم أنه لا توجد قاعدة بيانات وطنية موحدة في لبنان للمكتبات والمحفوظات، وتبقى كل هذه الأرقام تقريبية. كما أطلقت الشبكة حملة وطنية بعنوان "مليون كتاب للبنان"، تهدف إلى إعادة إعمار المكتبات، وتعويض جزء من الكتب المفقودة.
لم يقتصر التدمير على القصف الجوي، بل نفذ الصهاينة عمليات تفجير وتجريف ممنهجة للمربعات السكنية، وسحقوا البنية التحتية بالكامل، ونسفوا الجوامع والمساجد التاريخية، ودمروا المدارس والمستوصفات الطبية. وأهالي القرى السنيّة نازحون اليوم، شأنهم شأن أهالي القرى الشيعية، أو القرى المختلطة بين المسلمين والمسيحيين.
18 ألف مبنى دُمِّر في 19 قرية شملها المسح، أي ما يعادل 74 في المئة من البلدات المختارة. وفي عشر قرى تجاوزت نسبة الدمار 80 في المئة، بينما زادت النسبة على 90 في المئة في قرى: مارون الراس، وبليدا، وعديسة، ومروحين. في كثير من القرى، لم يعد من الممكن تحديد أماكن المنازل والمساجد.
إلا أن الواقع الصعب الذي يعيشه النازحون من بنت جبيل يرتبط بأبسط مقومات العيش، وقد تكون المكتبات في أدنى سلم اهتماماتهم. في ضاحية بيروت الجنوبية، على بعد 120 كيلو متراً من "المدينة الشهيدة"، افتُتح في تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، مركز بديل لبلدية بنت جبيل، لتأمين انتظام المعاملات الإدارية، وتسهيل أمور أبناء المدينة، والوقوف على احتياجاتهم في ظل الظروف الاستثنائية الراهنة"، وفق بيان المجلس البلدي الذي تضمن عناوين عامة، في محاولة أولية لتوثيق الاحتياجات اليومية للنازحين في أماكن نزوحهم، بعدما خسروا بيوتهم ومصادر أرزاقهم. وكانت البلدية قد أعدت تقريراً توثيقياً رسمياً بعنوان "ذاكرة الجريمة: جرائم العدو الإسرائيلي في بنت جبيل" في تموز/ يوليو 2026، يعتمد على الخرائط والصور الجوية، والكشوف الميدانية والسجلات، وإفادات السكان وأصحاب الشركات التجارية في المدينة. آنذاك، قدّرت البلدية أن الدمار الكلي تجاوز 80 في المئة من المساحة العمرانية، وأن عدد الأبنية المهدمة كلياً تجاوز ألفين (حوالي خمسة آلاف وحدة سكنية). وثّق التقرير تدمير مبان تراثية ذات حماية أثرية خاصة، من مثل المسجد الكبير المبنى، الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن السابع عشر، ومؤسسات تعليمية، ومستشفيين، ومراكز إسعاف، ومحطات المياه والكهرباء، والسراي الحكومي، والأسواق، والمرافق الزراعية... إلا أن العدو لم يوقف آلات الدمار خلال الشهور الثلاثة الأخيرة، التي تلت إعداد ذلك التقرير، ويتعذر أن يقال اليوم: ما الذي تبقى فعلاً من هذه المدينة، وقرى قضائها المحتلة.
مزارعون بلا حقول
فوق كرسي بلاستيكي على الرصيف البحري لمدينة صيدا، يجلس رجل سبعيني نازح، من بلدة كفر كلا الواقعة في قضاء مرجعيون المجاور لبنت جبيل. ينظر مزارع التبغ أبو أحمد إلى البحر. يكاد حديثه يكون محصوراً في موسم التبغ وكل ما يرتبط به، من رخصة الزراعة، إلى عمل العائلة كلها وانشغالها اليومي بتحضير الأرض والشتول وشكها في الأثلام، والخيطان وآلات وأدوات يصعب تصوّر أشكالها، من مثل: "المنطاع، والكبكول، والعاتول، والشنكل، والميبر...". تبدو هذه الأسماء غريبة بعيداً عن الحقل والتراب. حمل المزارع تلك الأسماء إلى بحر صيدا، وترك الأدوات في مكانها بعدما نزح مع أفراد أسرته، و"راح الموسم". لم يسمع أبو أحمد بقصيدة "حادي العيس"، التي قال فيها الشاعر: "وكان يراقص شتلة تبغ/ ويجذبها صوب كفّيه/ لكنها لا تصل/ فيقطر حزناً وتقطر سحراً/ ويمتدّ وتمتد حتى يلامسها في السماء". يضحك بمرارة ساخراً من الشعر، يخفي ضحكته بيده المتشققة، ويسأل: "بتعرف شو يعني: آكل قتل لمفرِّق شتل!" (مثل سائر عن مدى صعوبة عملية فرز وتوزيع شتول التبغ، وإسقاطها في وقت قياسي في ثقوب الأرض المحددة بالعاتول).
قدّرت بلدية بنت جبيل في مقرها المؤقت في الضاحية الجنوبية، أن الدمار الكلي تجاوز 80 في المئة من المساحة العمرانية، وأن عدد الأبنية المهدمة كلياً تجاوز ألفين (حوالي خمسة آلاف وحدة سكنية). وثّق التقرير تدمير مبان تراثية ذات حماية أثرية خاصة، من مثل المسجد الكبير المبنى، الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن السابع عشر، ومؤسسات تعليمية، ومستشفيين، ومراكز إسعاف، ومحطات المياه والكهرباء، والسراي الحكومي، والأسواق، والمرافق الزراعية...
طالت الحرائق حوالي نصف الأراضي التي تُزرع بالتبغ والحبوب والمزروعات الموسمية. كما استهدف العدو أشجار الزيتون والتين والأشجار المثمرة الأخرى، وجرف الحقول، وسُجِّلت عمليات اقتلاع للأشجار المعمرة وسرقتها إلى داخل فلسطين المحتلة. وفي القرى القريبة من الخط الأصفر، منع العدو المزارعين من قطف موسم الزيتون، وأطلقت قواته النار في اتجاههم، وفق ما وثّقته تقارير ميدانية.
كانت الزراعة النشاط الاقتصادي السائد في قرى الخط الأصفر، وقد شهدت بين نيسان/ أبريل وأيلول/ سبتمبر أكثر من مئتي حريقاً مفتعلاً، استهدف فيها العدو الأراضي الزراعية، بالإضافة إلى رش مواد كيميائية لم تعرف طبيعتها على الحقول. طالت الحرائق حوالي نصف الأراضي التي تُزرع بالتبغ والحبوب والمزروعات الموسمية. كما استهدف العدو أشجار الزيتون والتين والأشجار المثمرة الأخرى، وجرف الحقول، وسُجِّلت عمليات اقتلاع للأشجار المعمرة وسرقتها إلى داخل فلسطين المحتلة. وفي القرى القريبة من الخط الأصفر منع العدو المزارعين من قطف موسم الزيتون، وأطلقت قواته النار في اتجاههم، وفق ما وثّقته تقارير ميدانية. وهذا يعني أن النازحين لم يفقدوا مساكنهم فحسب، بل فقدوا أيضاً الأرض المتوارَثة وإمكانية نقلهم المعرفة والمهارات إلى أبنائهم. وإذا كانت إعادة بناء المنزل ممكنة نظرياً بتمويل خارجي، فإن استعادة وظيفة الأرض الإنتاجية، تحتاج إلى أفق زمني أطول، وإلى ضمانات أمنية مفقودة اليوم، فقرى الخط الأصفر تشهد تدميراً كارثياً وممنهجاً، غير مسبوق، طال التربة والمحاصيل والمزارعين معاً.

يتهم المجلس الوطني للبحوث العلمية العدو باتباع سياسة أرض محروقة معتمدة وممنهجة، والهدف الأساسي من عمليات الإحراق والتجريف داخل الخط الأصفر هو عزل هذه القرى تماماً، وجعل المنطقة "جرداء" خالية من أي غطاء نباتي أو سكاني، لحرمان أية عناصر عسكرية من التمويه. فالتجريف والإحراق لم يقتلا المحاصيل فحسب، بل دمّرا بنية التربة ومستقبلها الزراعي، نتيجة استخدام مواد كيميائية وذخائر حارقة، منها: قذائف الفوسفور الأبيض، مما أدى إلى حرائق بلغت حرارتها 800 درجة مئوية، وهو ما يقضي على المواد العضوية في التربة، ويفقدها خصوبتها على المدى الطويل، بالإضافة إلى استخدام مبيدات الغليفوسات في مساحات واسعة لتجفيف الغطاء النباتي عمداً، مما يترك ملوِثات سامة في التربة والمياه الجوفية تهدد سلامة المزروعات المستقبلية وتزيد من مخاطر الأمراض، بالتوازي مع تدمير البنية التحتية للري وشبكات المياه التابعة لمصلحة الليطاني، ومشاريع مياه القرى الحدودية؛ نتيجة القصف وسير الآليات الثقيلة. هكذا، حولت قوات الاحتلال الأراضي الزراعية من سلة غذائية، ومصدر رزق تاريخي للأهالي، إلى منطقة منكوبة بيئياً وزراعياً. وتفترض التقارير أن إعادة تأهيل هذه التربة وإعادة غرس أشجارها ستحتاج إلى خطط دعم مالي ضخمة، وسنوات طويلة من العمل بعد زوال الاحتلال.
غربة الفقراء
بعد سلسلة من الأزمات الاقتصادية والمعيشية، التي عاشها اللبنانيون بشكل عام منذ 2019، وبعد الحرب المستمرة منذ 2023 حتى اليوم، تستمر الحكومة اللبنانية في التهرب من مسؤولياتها تجاه الفئات الأكثر فقراً وتهميشاً في المجتمع اللبناني، التي انضمت إليها النسبة الأكبر من النازحين الجنوبيين الذين يعيشون تهميشاً مزدوجاً، إذ لا يستطيعون الاندماج في المجتمع المضيف؛ بسبب الضائقة الاقتصادية والغلاء غير المبرر في أسعار السلع الاستهلاكية والمواد الأساسية والخدمات، وتراجع المساعدات وضعف الشبكات الاجتماعية.
فإذا كانت العودة بالنسبة إلى نازحي قرى وبلدات الخط الأصفر مجرد حلم جميل، يحول دون تحقيقه الدمار المادي في المدى المنظور، إلى جانب انقطاع سبل العيش المرتبطة بالزراعة، التي تعتبر عصب اقتصاد الأسر، فالعدو يجعل هذا الحلم أبعد فأبعد، مع تمدده اليومي بالقصف إلى خارج الخط الأصفر؛ بهدف خلق منطقة رمادية عازلة.
لكن كل ذلك قد يكون مجرد فرضيات مرحلية، فتهديدات العدو متواصلة، وتَعد أهل الجنوب اللبناني بخطوط احتلال جديدة، قد تصل إلى أبعد من الخط الأصفر والرمادي، إلى مصبّ نهر الليطاني شمالاً، أو مجرى الزهراني جنوب مدينة صيدا أو نهر الأولي شمالها، وذلك وفق تصريحات الرؤوس الحامية، وبورصة الحملات الانتخابية داخل الكيان الإسرائيلي.





