إعداد وتحرير: صباح جلّول
في 24 تشرين الأول/أكتوبر 2017، أعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عن مشروع "نيوم"، بوصفه خطته لتحويل اقتصاد المملكة العربية السعودية من اقتصاد ريع نفطي إلى اقتصاد منتِج، بالاستناد إلى مركز عالمي للابتكار والصناعات الحديثة والسياحة والاستثمار. وصَف ولي العهد الطَموح ما يشبه مستعمَرة فضائية مستقبلية، طالعة من أفلام الخيال العلمي، بل أكثر خيالاً، خُصّص لها تمويل معلَن يتجاوز 500 مليار دولار.
بعد تأسيس "نيوم" بنحو ثلاث سنوات، أُعلن بن سلمان نيّته بناء نموذج مديني جديد، ما وصفه الإعلام بـ"درّة تاج" مشاريع "نيوم": "ذا لاين" ("الخط")، مدينة مصمَّمة على شكل خطٍّ مستقيم، بطول 170 كيلومتراً وعرض 200 متر فقط، تعمل بالكامل على الطاقة النظيفة، وتصل أقصاها بأقصاها شبكة خطوط قطار متطورة. وعَدَ المشروع بأن يكون مؤهلاً ليأوي 9 ملايين من السكان بحلول عام 2030، يعيشون في أول مدينة مصممة طولياً، في ناطحتي سحاب ضخمتين للغاية، عبارة عن مبنَيين متوازيين مغلّفَين بالمرايا، طولهما 170 كيلومتراً، أي على امتداد كامل المدينة، وبارتفاع 500 متر.
ضجّت الدّنيا بخبر المدينة الأعجوبة، وبذهول تام - وبشيء من الرعب - تأمّل معماريون ومهندسون وبيئيون الرسوم ثلاثية الأبعاد المطروحة لترويج المشروع الذي بدا أقرب إلى نكتة سمجة.
والآن، في 2026، يكاد المرء لا يجد خبراً عن "نيوم" ومشاريعها الرديفة. فمذا حلّ بـ"نيوم"، وأين هي المدينة الخارقة - "الخط"؟
هل انتهى كل شيء؟
"وعَدتنا "نيوم" بمستقبل من الخيال العلمي. قالت أنها ستكون يوماً المدينة الأكبر من حيث الناتج المحلي الإجمالي (GDP) في العالم، لكنّ ما نراه اليوم هو مشروعٌ انهارت كل عناصره الكبرى". بهذه الكلمات يبدأ تحقيق خاص لجريدة "وول ستريت جورنال"[1]، نُشر في 19 آب/ أغسطس الماضي، حول مآلات "نيوم" ووضعها الحالي.
على أرض الواقع، توقفت أعمال مشروع "نيوم" السعودي العملاق، إذ لا يمكن للواقع المالي، مهما فُتِحت صنابير السخاء النفطية، أن يتمكّن من اللحاق بالتكلفة الهائلة بشكلٍ خيالي للمدينة المنشودة. أكثر من 50 مليار دولار استُثمِرت حتى اللحظة، لتحقيق رؤية الأمير محمد بن سلمان ببناء مدينة مستقبلية تحاكي أفلام الخيال العلمي، أخذتها الريح مع رمال الصحراء، ضاعت مع آثار الحفريات والإنشاءات غير المكتملة، حتى يكاد الناظر إلى الصور الجوية لمواقع الإنشاءات يعتقد أنه ينظر إلى مدينة غابرة، بُنيت ثمّ هُدمت وتلاشت ولم يبقَ منها إلا هياكل، لا إلى مدينة مستقبلية طور الإنشاء.
يشير تقرير صادر في كانون الثاني/يناير 2026 عن صحيفة "اندبندنت"[2] البريطانية الى انسحاب عدة شركات من المشروع، على رأسها شركة "مورفوسيس" التي وضعت التصاميم الأولية، وذلك "بعد تزايد المخاوف بشأن قيود الميزانية وتقارير بشأن انتهاك حقوق الإنسان في الموقع". كانت تلك إشارة لعطب كبير في مرحلة التنفيذ، تفاقم حتى باتت "نيوم" تدمر نفسها بنفسها.
حسب تقارير صحافية، باتت المملكة العربية السعودية فعلياً تنفق مليارات إضافية من الدولارات لإنهاء العقود المُلزِمة لشركة "نيوم"، وقد صرّح عدد من المتعهِّدين الدوليين بالفعل بإنهاء عقودهم، على الرغم من صمت "نيوم".
"نيوم" مدينة أحلام بن سلمان
09-07-2018
نيوم: حلمُ الأمير.. كابوسُ الرعية
29-05-2020
بناء على مقابلات مع موظفين سابقين في "نيوم"، وبالاستناد إلى صور الأقمار الصناعية للإنشاءات، وعدد من الوثائق الداخلية والمالية التي تمّ الحصول عليها، حاول تحقيق "وول ستريت جورنال" رسم صورة عن كيفية انهيار مشروع المنشأة الأكبر في العالم. حسب التحقيق، أظهرت صور الأقمار الصناعية أن العمل على موقع البناء خفت وتائره بشكل ملحوظ أو توقف كلياً خلال الأشهر التسعة الماضية. كما قال عدد من الخبراء والموظفين السابقين في المشروع، الذين بقيت هوياتهم غير معلَنة، إنّ إعادة البدء بالعمل في مواقع البناء الرئيسية شبه مستحيل بعد التوقف وإلغاء العقود، لأن الأكلاف المترتّبة عليه خيالية. في المقابل، لم تُجِب شركة "نيوم" على طلب الصحف للتعليق حول الوضع الحالي لمشروعها.

حسب موظفي المشروع السابقين، كان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يقول لهم مراراً إنه يريد "عمارة صفر جاذبية" (zero gravity architecture)، موضِّحين أنه كان بذلك يعني أنه يريد عمارة الفضاء الخارجي، شيئاً لم ترَ مثله العيون من قبل. خلف الكواليس، كان بعض موظفي ومدراء مشاريع "نيوم" يهمسون بوجود خللٍ ما، لكنّ الكلام بقي مغمغماً.
"الخط": معجزة معمارية أم كارثة كاملة؟!
04-08-2022
معماريون وفلاسفة توقّعوا حينها لحظةً ليست ببعيدة سيصل فيها المشروع إلى حائط مسدود، ويبدو أن تلك اللحظة حلّت بالفعل. لكنّ المملكة تُنكِر، فذاك ياسر بن عثمان الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي، المسؤول عن تمويل "نيوم"، قال إنه "ما مِن مشاريع تمّ إلغاؤها في ما يتعلق بـ"نيوم""، وإنّ الموضوع لا يعدو كونه "إعادة ترتيب أولويات". تراجَعَ بوضوح في خطاباته العلنية عن التاريخ الذي سبق إعلانه لافتتاح مدينة "ذا لاين" ("الخط") في عام 2030، زاعماً أنه ليس من الضروري تسليم المشروع جاهزاً في هذا الوقت، بدون أن يأتي على ذِكر إلغاء العقود.

يقول التحقيق إنه من الصعب جداً فهم التعاملات المالية الداخلية لمشروع "نيوم"، فصندوق الاستثمارات العامة السعودي ينشر تقارير مالية سنوية، لا يضمِّنها تفصيل الأكلاف المالية لمشروع "نيوم"، لكنه يذكر الخطوط العريضة لأكلاف المشروع، ويَظهر من خلالها أن المملكة العربية السعودية صرفت على المشروع أكثر من 50 مليار دولار حتى اللحظة. تكشف الأرقام أيضاً مبالَغات كبيرة في المردود المتوقَع من المشروع، برّر من خلالها مدراؤه طلب مبالغ إضافية بمليارات الدولارات.
أولويات أم مشكلة عضوية
لدى محمد بن سلمان رغبة عظيمة في أن يفعل ما لم يسبقه عليه أحد. جُمعت هذه الرغبة الذاتية مع عشقٍ للخيال العلمي، ومالٍ لا تأكله النيران، وسلطة مطلَقة. لكنّ الأمير لن يستطيع تحقيق مشروعه لوحده، فأتى باستشاريين غربيين وعالميين في البداية، وطلب أفكاراً جديدة تماماً لمملكة سعودية جديدة. هدفه المعلَن من الفكرة كان تجاوز الاقتصاد الريعي النفطي إلى اقتصادٍ آخر، لكن باستخدام أموال النفط.
حصلت "وول ستريت جورنال" على ملف مكوّن من أكثر من ألفي صفحة، فيه تفصيل هذه الأفكار. وهذا بعض ما كان مطروحاً جدّياً...
"قمرٌ اصطناعي"، لا قمر "ستاليت" وظيفي، إنما قمرٌ كقمر كوكبنا! يسمّيه الملف "أكبر عمل تجهيزي في العالَم". ومن الأفكار التي يمكن فعلاً وصفها بالـ"مراهِقة"، "منتزَه جوراسيك بارك"، ولمن لا يعرف "جوراسيك بارك"، فهي سلسلة أفلام هوليودية عن عودة الديناصورات إلى الحياة، ويكون المنتزه بذلك مليئاً بديناصورات الكترونية واقعية الهيئة، ومبني على تجربة متكاملة وحديقة ألعاب هائلة. ثمة فكرة أخرى في الملف تدعو لتحقيق "طقس اصطناعي" عبر زرع الغيوم، وفكرة رديفة تقول ببناء منتجع تزلج ضخم في وسط الصحراء، باسم "تروجينا"، وهذا الأخير صُرِفت الملايين على البدء بإنشاءاته بالفعل.

في وثيقة أخرى كشف عنها التحقيق، يشارك خبراء مخاوفهم حول مشاريع "نيوم"، وتتراوح ملاحظاتهم بين الهموم البيئية والمعمارية، إلى قابلية السكن ونجاعة البناء نفسه، وقابليته للتنفيذ. حتى القدرة على تأمين أكلاف المشاريع نفسها لم تكن مضمونة، وردّدت أصواتٌ من الداخل ما كان النقاد من خارج "نيوم" يقولونه: الأكلاف ستكون خيالية، والمشروع ضخم بشكل يجعله غير قابل للتنفيذ. لوضع هذه الكلمات في أرقام، فقد قُدِّرت ميزانية المشروع منذ البداية حتى اكتمال كامل عناصره المفترض، بـ500 مليار دولار، إلا أن الأرقام الفعلية وتضخيم الإنفاق وصل لأن تتوقع الحسابات الداخلية كلفة تصل إلى 8.8 ترليون دولار بحلول العام 2080، ومع وصول المشروع إلى صيغته النهائية. هو رقم لا يمكن تخيله، وهو أكثر من 25 ضعف ميزانية الدولة السعودية جمعاء.
تزعم "نيوم" أن المشروع الأهمّ الذي تُوليه اهتمامها حالياً هو "أوكساغون"، ميناء ضخم لاستقبال السفن التجارية. وتخطط لملئها بمراكز البيانات الضخمة، في زمن الذكاء الاصطناعي وجدل مراكز البيانات التي تَنْفر كثير من الدول من استقبالها حالياً.

"ثياب الامبراطور الجديدة"..
هل تذكرون تلك القصة من طفولتنا؟ "ثياب الامبراطور الجديدة"، للكاتب الدنمركي "هانس كريستيان أندرسون"، وفيها يخرج الامبراطور على شعبه بثيابٍ من المفترض أنها فاخرة لم يروا لها مثيلاً، بينما هي في الواقع مجرد ملابس داخلية بالكاد تستره. يهلل الناس لامبراطورهم من دون أن يجرؤ أحد قط على النطق بالحقيقة، حتى يشير طفل ببنانه إلى الامبراطور ويصرخ: "إنه عارٍ!".
"نيوم" ومدينة "الخط" هما "ثياب الامبراطور الجديدة". يصف الصحافي في "وول ستريت جورنال" "إليوت براون" المشكلة الهيكلية لمشروع "نيوم" بـ"رقصة الأوهام المتبادَلة". "ببساطة، لا مكان للحقيقة في المشروع"، يقول. كانت لدى محمد بن سلمان رؤية "خُرافية" للمشروع، ولم يكن أيّ من الأشخاص من حوله قادراً على القول إنه مشروعٌ "مستحيل"، و"الامبراطور عارٍ".
ثمّ من المرعِب فعلاً التفكير بأنّ كلّ تلك الإمكانيات والموارد الحقيقية وُظِّفت في سبيل مشروعٍ واهم، بواسطة كميات مهولة من الأموال التي لا يمكن لعقولنا تخيلها، وخُصِّصَت لفانتازيا البطر والغلوّ، بينما منطقتنا تشهد على إبادات وتغيّرات تهزّ أسسها، بل تغيِّر العالم..
لعلّ السؤال الحقيقي في هذا الخصوص ليس "كيف ولماذا انهار مشروع "نيوم"؟، بل "كيف وصل مشروعٌ كهذا إلى مرحلة الموافقة والشروع بالبناء في الأساس"؟...
-
How Saudi Arabia’s Neom Megacity Dream Collapsed. Wall Street Journal. August 19, 2026.
https://www.wsj.com/video/how-saudi-arabias-neom-megacity-dream-collapsed/FC7C0BB2-2F36-4CE5-A985-59722B447F10 ↑
-
Neom nightmare: How Mohammed bin Salman’s dream of a ‘city of the future’ became a $500bn disaster
https://www.independent.co.uk/news/world/middle-east/saudi-arabia-neom-the-line-mohammed-bin-salman-b2908541.html ↑



