تعاني أقسام كليات الآداب والعلوم الإنسانية في اليمن، في السنوات الأخيرة، إشكاليةَ انحسارِ الإقبال عليها، إذ انخفضت بشكل ملفت أعداد الطلبة الملتحقين بهذه الكليات، لا سيما ما يتعلق بأقسام التاريخ، والجغرافيا، والدراسات الإسلامية، واللغة العربية. فما المستوى الذي وصلت إليه هذه المشكلة؟ وما العوامل الفاعلة في تفاقمها؟ وهل يمكن أن تنفتح على آفاقٍ مأهولة بإمكانات حلّها ومعالجة تداعياتها؟
لا شك في أن أدقّ ما يمكن البناءُ عليه في توصيف هذه المشكلة، هو الاستضاءة بإحصائيتين، تتجلى من خلالهما الفجوة الواسعة بين زمنين: زمن كثافة طلاب كليات الآداب والعلوم الإنسانية في اليمن، وزمن انخفاض هذه الكثافة. إذ يكفي أن نقف على إشكالية هذه الكليات، في ثلاث جامعات يمنية: جامعة عدن، وجامعة تعز، وجامعة صنعاء (أنظر الكادر أسفل النص).
الحرب والظروف الاقتصادية
توالت تأثيرات الحرب في اليمن، التي اندلعت في 25 آذار/ مارس 2015، في مختلف مجالات الحياة، ومنها مجال التعليم العالي، فأدت الى الحد من التحاق الطلاب بتخصصات كليات الآداب والعلوم الإنسانية. فقبل اشتعال الصراع كان المتخرجون في هذه التخصصات يحظون بدرجات وظيفية محدودة. وعلى ذلك، فقد كانت تلك الدرجات فاعلةً في تحفيز غيرهم على الالتحاق بالدراسات الإنسانية. وبعد الحرب، توقف التوظيف بشكل نهائي في كل المجلات، فكان ذلك واحداً من العوامل الرئيسة الفاعلة، في تراجع أعداد الطلاب الملتحقين بدراسة العلوم الإنسانية.
كذلك كان للحرب آثارها الكارثية في الوضع الاقتصادي، الذي أدى انهيارُه إلى انحسار أعداد الدارسين في كليات العلوم الإنسانية، لأن المتخرجين فيها لا تتوافر لهم فرص عمل، بالقدر الذي هي عليه في كليات العلوم التطبيقية، التي تتيح للمتخرجين فيها فرص العمل داخل الوطن أو خارجه. وبذلك صار الخيار الأول للراغبين في التعليم الجامعي، هو الدراسة في كليات الهندسة، والطب والعلوم الصحية، والمحاسبة، وتقنية المعلومات.
وتعمَّق في الذهنية الاجتماعية نفسها أن التخصصات الإنسانية هي طريق للبطالة والفقر، خلافاً للعلوم التطبيقية، التي ترى فيها الثقافة المجتمعية ملاذاً ماليّاً، وأمناً وظيفيّاً. كما كان لهذه الرؤية الاجتماعية أثرها الفاعل في تعزيز النظرة الدونية إلى كليات العلوم الإنسانية.
ثغرات السياسة التعليمية
لم يكن قطاع التعليم العالي في اليمن بخير قبل الحرب، إذ لم يحظ بما يتسق مع مكانته من اهتمام السلطة السياسية، ولا الدعم المالي الكافي لتشغيله المأمول. لكن الحرب زادتْه سوءاً وهشاشة، إذ صار في آخر اهتمامات الأطراف السياسية المتحاربة. لذلك شحّت موارده، وعانى العاملون فيه انقطاع الرواتب، أو عدم انتظام صرفها، وانهيار قيمتها النقدية، وما ترتب على ذلك كله، من هجرة كثيرٍ من أساتذة الجامعات اليمنية إلى خارج البلد، بحثاً عن حياة كريمة.
وكان لهذا الوضع المالي المتردي أثره في تحويل اهتمام الجامعات الحكومية إلى البحث عن مصادر دخل جديدة، تكفي لتمويل أنشطتها. من ذلك إنشاء هذه الجامعات نظام التعليم الموازي، الذي يجد فيه الطلاب، غير القادرين على الالتحاق بالتخصصات التنافسية، فرصةً لتحقيق مرادهم. فكان ذلك عاملاً مهمّاً، من العوامل التي أدت إلى تراجع الإقبال على كليات الآداب والعلوم الإنسانية.
يتجلّى ذلك في تفحُّص آلية القبول والتسجيل في الجامعات اليمنية قبل الحرب وبعدها، إذ كانت هذه الآلية صارمة في اختبارات القبول ومعايير الالتحاق بالكليات ذات التنافسية العالية، من مثل كلية الطب، وكلية الهندسة. هذه المعايير والاختبارات، كان لا يتمكن كثيرٌ من الطلاب من اجتيازها، لذلك يضطرون إلى الالتحاق بالكليات المتاحة، لا سيما كليات الآداب والعلوم الإنسانية، فترتفع بذلك نسبة الدارسين فيها. وبعد إنشاء نظام التعليم الموازي، وجد أولئك الذين لم تستوعبهم معايير قبول الكليات التنافسية، باباً إليها، مقابل ما يدفعونه من رسوم مالية عالية، وهو ما انعكس انخفاضاً في عدد طلاب كليات الآداب والعلوم الإنسانية.
وفي السياق نفسه، يأتي دور الجامعات الأهلية، إذ لم يكن عدد الجامعات الأهلية في اليمن قبل الحرب يزيد على 18 جامعة[1]. وبعد الحرب وصل هذا العدد، في عام 2023 إلى 74 جامعة وكلية أهلية[2]. وقد انعكست أحوال الصراع على السياسة التعليمية في هذه الجامعات، لا سيما ما يتعلق بعدم توافر مؤشرات واضحة إلى شفافية معايير القبول فيها، ولا شروط ضمان الجودة التعليمية في أقسامها. كل ذلك أتاح للطلاب الالتحاق بما يريدون من تخصصات علمية مقابل ما يدفعونه من مالٍ. وبذلك كانت هذه الحال جاذبة للطلاب إليها، كما كانت في الوقت نفسه عاملاً إضافيّاً، فاعلاً في الحد من الإقبال على كليات الدراسات الإنسانية.
وعلى تعدد هذه العوامل الكامنة وراء تقلُّص عدد الملتحقين بهذا النوع من التعليم الجامعي، إلّا أن منها ما يعود إلى منهجية دراسة الإنسانيات نفسها. ففي سياق غياب الرؤية الاستراتيجية للتعليم العالي في اليمن، وغياب الربط بين مخرجاته وسوق العمل، يأتي الانفصام بين مخرجات كليات العلوم الإنسانية وسوق العمل، إذ لا تزال منهجية الدراسة في هذه الكليات تقليدية جامدة، غير قادرة على إنتاج تفكير نقديٍّ، ولا ابتكار أدوات تحليلية لمعطيات الواقع، فتأتي مخرجاتها غير متسقة مع متطلبات سوق العمل، ولا متوائمة مع متغيرات الحاضر ومستجداته ومقتضياته.
تداعيات ومخاطر
تكمن أهمية العلوم الإنسانية، بشكل رئيس، في اضطلاعها بالحفاظ على الهوية الثقافية والوطنية والمعرفية. كما تتجلّى أهمية هذه العلوم في الواقع المعاصر، من خلال دورها المحوري في فهم طبيعة هذا الواقع، واختيار الكيفية المناسبة للتعاطي مع تحوّلاته وتطوراته المتسارعة. وإلى ذلك، تأتي أهمية العلوم الإنسانية من إسهامها في إعادة البناء الفكري والاجتماعي والثقافي للمجتمعات، بما في ذلك تنمية الفكر النقدي، وتمكينه من تحليل المسلّمات ومساءلتها، والكشف عن أنساقها، وتفكيك الإشكالات والقضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية، برؤى موضوعية، ومسؤولية اجتماعية وإنسانية متكاملة.
وفي هذه الحال، التي يستمر فيها تراجع الإقبال على أقسام الآداب والعلوم الإنسانية في اليمن، على هذا النحو من الانحسار المقلق، الذي سيفضي إلى إغلاق هذه الأقسام، لا شك في أن ذلك سينعكس سلباً على ذاك الدور المحوري الاجتماعي والفكري المرتبط بفاعلية دراسة العلوم الإنسانية. كما ستنعكس هذه السلبية على بناء الوعي المجتمعي، إذ ستتراجع حيويّته إلى مستوى سيضعفُ فيه ارتباط الجيل الجديد بهويته وتراثه وتاريخه.
وإلى ذلك، سينشأ جيلٌ متقنٌ للمهارات الآلية، غير مؤهّلٍ بأدوات النقد والمساءلة، التي يمكنه من خلالها التواصل مع جوهر الإنسان، وعمقه الفكري والثقافي، إذ لا يمكن أن يقوم نجاحُ أيّ مجتمعٍ من المجتمعات، إلّا بتوازنه الدقيق بين المعرفة التقنية والمعرفة الإنسانية، توازنه المثمر بين بناء الأداة وبناءِ الإنسان.
حلول ومعالجات ممكنة
بناءً على ما سبق، بالإمكان صياغة مقاربة واقعية، لما يمكن تنفيذه من حلول ومعالجات، إذ لا بد من إعادة الحياة إلى أقسام هذه العلوم، بدءاً من التوعية الاجتماعية والطلابية بأهميتها، وعلاقتها مع النسيج الاجتماعي والثقافي والفكري، والتحفيز على دراستها، مروراً بمعالجة الاختلالات في السياسة التعليمية، وإصلاح نظام الأجور للكادر التدريسي الجامعي، وانتظام دفع المرتبات، وصولاً إلى معالجاتٍ جوهريةٍ، في البنية المنهجية، التي تقوم عليها العملية التعليمية، في كليات الآداب والعلوم الإنسانية.
من ذلك، أن يُعاد تحديث مناهج الدراسات الإنسانية، بما يتسق مع متغيرات الحياة المعاصرة، وبما يعمل على ربط مخرجات هذه الدراسات بسوق العمل، من خلال إنجاز توصيفٍ وظيفيّ واقعي، تشترك في صياغته الكوادر الأكاديمية، والجهات المستفيدة من مخرجات العلوم الإنسانية. بحيث تقدّم هذه الجهات مواصفات الوظيفة التي تحتاج إليها، ليتمّ إسقاطها على برامج أقسام العلوم الإنسانية. كأن يتضمّن مثلاً تطوير مناهج تدريس الآثار والتاريخ تواصلاً مع الجهات ذات العلاقة، كمنظمة اليونسكو ووزارة الثقافة، والوصول معهما إلى أهم المواصفات الوظيفية التي يمكنهما الاستفادة منها. أو تحديث مناهج التدريس، في قسم علم الاجتماع، ببعضٍ من المعطيات المعاصرة، كربط هذا العلم بمهارة تحليل البيانات في وسائل التواصل الاجتماعي. أو استحداث تخصصات بينية جاذبة، وفاعلة في إعداد ما يُلبِّي متطلبات سوق العمل بواقعية وموضوعية.
وعلى ذلك كله، لا يمكن إغفال الوضع السياسي المرتبك المشتت، ودوره المركزي الحائل دون إجراء أية معالجات ممكنة. إذ لا بد من استقرار الحياة السياسية، وإنهاء الحرب، وإعادة تطبيع الحياة، بشكل تتوافر فيه العوامل الموضوعية، التي يمكن من خلالها الانتقال بكليات الآداب والعلوم الإنسانية في اليمن، من قاعاتٍ تتسع مساحاتُ الفراغ فيها، إلى كلياتٍ حيويةٍ ذات مخرجاتٍ مواكِبة للحياة المعاصرة.
بين إحصائيتين
تشير إحصائيات كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة عدن، إلى أن عدد الطلبة في أقسامها ومستوياتها المختلفة عام 2012/2013، كان قد وصل إلى 1630 طالباً وطالبة. ثم توالى انحسار هذا العدد، فلم يتجاوز في عام 2023/2024 (647) طالباً وطالبة. أما عدد الطلبة المتخرجين في هذه الكلية، فتشير الإحصائيات إلى أنه في عام 2012/2013، كان قد بلغ 337 طالباً وطالبة، وتراجع في العام 2023/2024، إلى 143 طالباً وطالبة.
أما في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة تعز، فتشير الإحصائيات إلى أن عدد طلابها، بأقسامها ومستوياتها كافة، لم يتجاوز في العام 2024، 1817 طالباً وطالبة، بعد أن كان في العام 2009/2010 قد وصل إلى 2665 طالباً وطالبة، الثلث منهم، كانوا طلاباً في الأقسام التي تُعدّ حالياً الأكثر انخفاضاً من بين أقسام الكلية، إذ بلغ عدد طلاب قسم الدراسات الإسلامية حينها 588، وقسم اللغة العربية 239، وقسم التاريخ 51، وقسم الجغرافيا 55.
كذلك هو الأمر في عدد المتخرجين من هذه الكلية (كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة تعز)، إذ بلغ في العام 2008/2009، 288 طالباً وطالبة، منهم 52 في قسم الدراسات الإسلامية، و30 في قسم اللغة العربية، و15 في قسم التاريخ، و16 في قسم الجغرافيا. ثم انحسرت هذه الأعداد، فلم تتجاوز في العام 2016/2017، في كافة أقسام الكلية، 164 طالباً وطالبة، منهم 47 في قسم الدراسات الإسلامية، و14 في قسم اللغة العربية، و3 في قسم الجغرافيا، و4 في قسم التاريخ.
وفي جامعة صنعاء، وصل عدد المتخرجين في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، في العام 2010 إلى 1372 طالباً وطالبة. ثم تراجع هذا العدد إلى 310 في العام 2024. كما لم يتجاوز عدد الطلبة المستجدِّين، الملتحقين بهذه الكلية عام 2024/2025، 366 طالباً وطالبة، منهم 5 في قسم التاريخ، و17 في قسم الجغرافيا، و8 في قسم اللغة العربية.
* جميع الاحصائيات مأخوذة من "الجمهورية اليمنية، الجهاز المركزي للإحصاء"، وذلك بتنوع المناطق والسنوات.
- علاء الشلالي، "الجامعات الأهلية ... تجارة على حساب التعليم لماذا تزايدت أعدادها في زمن الحرب؟". منصة خيوط، 20 إبريل/ نيسان 2021م، متاح على الرابط التالي:https://www.khuyut.net/blog/private-universities ↑
- محمد غبسي، "انتشار الجامعات الأهلية في اليمن: ثورة تعليمية أم فوضى تجارية؟". منصة خيوط، 24 ديسمبر/ كانون الأول 2023م، متاح على الرابط التالي:https://www.khuyut.net/blog/yem-private-universities ↑



