في لحظات انتظارٍ صباحيّ، كنتُ أقضيها في واحد من مقاهي مدينة عدن، لفت انتباهي كهلٌ من أبناء عدن المعمِّرين. فاجأني ذكاؤه الحاد، الذي مكّنه من قراءة ما تعنيه ملامح وجهي من إشفاقٍ عليه، وما تواريه من تساؤلٍ صامت عن حاله، فبادر إلى الحديث معي عن سهره طيلة الليلة الفائتة، بجانب سرير ولده المريض في ذاك المستشفى الذي يقع في الجهة المقابلة لنا. في تلك اللحظة، كانت شرفات سطح المستشفى الذي أشار إليه مسرحاً لمجموعة كثيفة من الغربان، التي لم يكن انتشارها مقصوراً عليه، وإنما امتداداً لهيمنتها على أحياء المدينة كلها، إمّا على شكل مجموعاتٍ، تحلّق عاليةً، ثم تعود صاخبة النعيق، وإما على هيئة مجاميع متفرقة، تنتشر على شرفات المنازل، ولوحات الإعلانات، وعلى كل شيء تحطّ عليه من جغرافيا المدينة.
تطرّقنا إلى سر كثافة هذه الطيور في مدينة عدن، والبداية الأولى، التي وصلت فيها إلى المدينة، قبل أكثر من قرن ونصف، على يد الجالية الهندية التي كانت تعمل فيها.
إقليم عدن: مؤهلات دولة
07-05-2014
لفت حديثنا انتباه أحد المتواجدين في المكان نفسه، فاشترك في حوارنا بلا مقدمات، قال وهو منشغل بما كان يتناوله من وجبةٍ خفيفة: "عدن صارت لكلِّ مَنْ هبّ ودبّ، ما باقي إلّا الغربان، تتساءلون عن سر كثّافتها في المدينة!". كان المارة يوجِّهون أبصارَهم إلى حيث تأتي أصوات النعيق من شرفات البنايات، وسمعتُ بعضاً منهم يتحدّث إلى صاحبه عن آثارها الكارثيّة، التي لا سبيل إلى معالجتِها.
كل تلك التفاصيل أخذتني إلى حال من الشرود والتساؤل، عن العلاقة بين رمزية الغربان في الموروث الثقافي الهندي، ومَن جلبوها إلى هذه المدينة، التي ابتُليت بتكاثرها، وانتشارها، حتى صارت فيها كارثةً بيئيّة متكاملة المعالم والخطر.
من ثقافة الهند إلى بيئة عدن
تشير كثيرٌ من الدراسات، إلى أنّ الموطن الأصلي للغراب هو شبه القارة الهندية. ويتحدث علماء الأحياء عن خصائص هذا الطير، كتنوّع تغذيته، بين بذور، وفواكه، ولافقاريات، وجيف حيوانات نافقة... وتكاثره المفرط، وقدرته على التكيّف مع مختلف الظروف، وفهمه لنوايا المحيطين به، وذكائه المتجاوِز حاجته إلى البقاء، الذي اكتُشِف عام 2002، في مختبر أوكسفورد الخاص بالعالِم أليكس كاسيلنيك[1].
كانت مدينة عدن خاليةً من الغربان الهنديّة، حتى وصلت إليها الأزواج الأولى منها، في العام 1840، على متن سفينة قادمة من الهند، إذ قام بجلبها عددٌ من الهنود، الذين كانوا يعملون في مستعمرة عدن، أيام الاحتلال البريطاني (1939 ــ 1967). وفي هذا السياق، تشير بعض المصادر، إلى أن أحد ضباط المشاة، وصل من بومباي إلى عدن، وأطلق فيها سراح أزواجٍ من الغربان الهنديّة. كما تتردّد بشكلٍ واسع في الثقافة المحلية إشارةٌ، إلى أنّ مهاجري الجماعة الدينيّة (Parsee)، هم من قاموا بجلب هذه الطيور، في مناسبات مختلفة، من شبه القارة الهندية إلى مدينة عدن.
صنّف الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) الغراب كواحدٍ من ثلاثة طيورٍ هي الأسوأ من بين 100 نوعٍ من الطيور الغازية في العالم. وقد تفاقمت مشكلةُ الغربان الهندية المنتشرة في مدينة عدن، وتنوّعت أضرارها البيئية، التي منها ما يتعلّق ببرازها الملوِّث لأسطح المنازل وشرفاتها وأرصفة المدن والسيارات، وصولاً إلى تلوّيثه البيئة البشريّة ومصادر مياهها. ومن تلك الأضرار أيضاً، ما يفضي إلى إتلاف المحاصيل الزراعية، وإلحاق الضّرر بالمواشي، وتهديد الطيور المحلية، والتنوّع البيئي...
وعلى ما في هذه الإشارات من تنوّعٍ، إلّا أنها تتقاطع مع خيوط من الثقافة الهنديّة، التي تعود إلى مكانة الغراب في العقيدة الهندية، إذ تشير الملحمة الهندية رامايانا، إلى أن إله الموت اتخذ شكل غرابٍ"ليختبئ من الشيطان رافانا"[2].
ازدواجية الخير والشر
بالتعريج على موقع الغراب في الأديان والثقافات الإنسانية، يتجلّى احتفاؤها المتنوع به؛ إذ وردت الإشارة إليه في صيغ مختلفة، من التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، لا سيما ما يتعلّق في تعليم قابيل كيف يدفن أخاه. كما سادت ازدواجية الرؤية فيه بين الخير والشر، في كثيرٍ من الثقافات والأديان، من مثل ارتباطه بهما معاً في الثقافة العربية الجاهليّة، وفقاً لعدد مرّات نعيقه، ثم ارتباطه بالشرّ وحده بعد ظهور الإسلام.
ومثل ذلك هو الأمر في ازدواجية توصيف الغراب مُقدساً ومدنساً، في كثيرٍ من الأديان والأساطير العالمية، أو تقديسه في بعضٍ منها، وتدنيسه في بعضٍ آخر. فهو عند اليهود طائرٌ نجس، وفي الديانة الفارسيّة القديمة إلهُ المعارك المظفرة فيريثراغانا. ورمزٌ للرسالة الإلهية وحاملٌ للمعرفة في الأساطير الإسكندنافية. كما أنّه معبودُ اليابانيين القدماء، الذين كانوا يحجّون إليه (الياتاغاراسو). وهو الإله الأسمى لدى الفايكنج، قبل أن يتحول في ثقافتهم إلى طائر شؤم، مثلما هي حاله في الثقافتين الرومانية واليونانية. أمّا الثقافتان المصرية والصينية القديمتان، فقد كان فيهما رمزاً للخير، إذ أحال على الحب الخالص في الأولى، وعلى الفرحة والسعادة في الأخرى.
كارثة التكاثر والانتشار
منذ دخولها الأول إلى عدن، تسارع تكاثر الغربان، وانتشرت في كل مكان من أحياء المدينة وسواحلها، حتى بلغ عددها في العام 1955، حوالي 100 ألف غراب، وفي العام 1984 إلى ما يقارب 250 ألف غراب. أمّا في العام 2007، فقد وصلت أعدادها إلى حوالي 2 مليون غراب وفقاً لتقديرات الهيئة العامة للطيران المدني والإرصاد، التي أشارت إلى خطورة انتشارها، وتحوّلها إلى كارثةٍ حقيقيّة، ليس في عدن وحدها، بل في عددٍ من المناطق القريبة منها كمحافظة لحج وأبين. إذ قدّرت بعض التقارير ــ في مطلع العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ــ أعداد الغربان المنتشرة في اليمن، بحوالي 350.000 ألف زوج.
أضرار بيئية وصحية واجتماعيّة
سبق أن صنّف برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) الغرابَ ضمن أكثر ثلاثة طيورٍ غازية، بالغة الأثر على الأنظمة البيئية، لما تتسبب فيه من أذىً للبيئة والإنسان والحيوان. كما صنّفه الاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN) واحداً من ثلاثة طيورٍ، هي الأسوأ من بين 100 نوعٍ من الطيور الغازية في العالم. وبذلك، تفاقمت مشكلةُ الغربان الهندية المنتشرة في مدينة عدن، وتنوّعت أضرارها البيئية، التي منها ما يتعلّق ببراز الغربان، الذي يُلوّث أسطح المنازل وشرفاتها وأرصفة المدن والسيارات، وصولاً إلى تلوّيثه البيئة البشريّة ومصادر مياهها. ومن تلك الأضرار أيضاً، ما يفضي إلى إتلاف المحاصيل الزراعية، وإلحاق الضّرر بالمواشي، وتهديد الطيور المحلية، والتنوّع البيئي، إذ تهاجم الغربان أعشاش الطيور البرية والعصافير الصغيرة، وتأكل صغارها، وتلتهم بيضها. وهو ما يؤدي إلى تناقص أعدادها، بشكل ينذر بالقضاء عليها.
ومن أبعاد الكارثة الصحية، إسهام الغربان في نشر الأمراض المعويّة، التي تتسبّب فيها بكتيريا السالمونيلا. ويأتي في سياق ذلك، ما وصلت إليه دراسة بحثية، عنوانها "دورٌ محتمل للغربان في انتشار أمراض الإسهال في عدن". فبعد إجرائها فحصاً على عينةٍ من أكباد الغربان وأمعائها، عثرت الدراسة على بعض الطفيليات المتطابقة مع سلالاتٍ تم عزلها سابقاً من المرضى، الذين كانوا مصابين بالإسهال في عدن. وبذلك، أكدت الدراسة أن تلوث البيئة ببراز الغربان من العوامل الرئيسة، في تفشي أمراض الإسهال في هذه المدينة.
في ستينيات القرن الماضي، بدأت أول حملة لمكافحة الغربان في مدينة عدن، أطلقها الإنجليز، واستمروا في تنفيذها بمعية المواطنين والشباب، فحققوا نجاحاً ملموساً في قتل عددٍ كبير منها. لكن الحملة توقفت من دون سبب معلن. وفي العام 1984، ساعدت الظروف المحيطة في إطلاق حملة رسمية جديدة، أُعِدّ فيها برنامجٌ لمكافحة الغربان، وشُرِع في تنفيذه، لكنه لم يتمكن من إبادتها. ومع حلول العام 2009، حقّقت الحملة ــ التي أطلقتْها الهيئة العامة لحماية البيئة في عدن ــ قدراً من النجاح المحدود...
أمّا الأضرار الاجتماعيّة، فتتمثّلُ في صورٍ من التأثيرات السلبية على المجتمعات السكنيّة، والبنية التحتية، والتنمويّة، إذ تميل الغربان المنتشرة في مدينة عدن إلى العدوانيّة، فتهاجم الناس في الطرقات، وتتسبب في التلوث الضوضائي، والإزعاج وإثارة الضجيج، وتخريب كل ما يقابلها أو تحط عليه من أدوات وتجهيزات، سواء على أسطح المنازل أو المباني الحكومية، أو خطوط الكهرباء. من ذلك، ما أعلنت عنه المؤسسة العامة للكهرباء، من حادثةٍ أغرق فيها غرابٌ عدداً من أحياء المدينة بالظلام بسبب عشه، الذي قام ببنائه على أسلاك نقل التيار الكهربائي[3].
حملات المكافحة غير المجدية
في ستينيات القرن الماضي، بدأت أول حملة لمكافحة الغربان في مدينة عدن[4]، أطلقها الإنجليز، واستمروا في تنفيذها بمعية المواطنين والشباب، فحققوا نجاحاً ملموساً في قتل عددٍ كبير منها. لكن ذاك النجاح لم يستمر، بعد أن توقفت الحملة من دون سبب معلن. ويبدو أن ذاك السبب، لم يكن سوى حاجة السلطات إلى التفرّغ لمواجهة ما استجدّ من اشتعالٍ المعارك بين الثوار والإنجليز.
وفي العام 1984، ساعدت الظروف المحيطة في إطلاق حملة رسمية جديدة، أُعِدّ فيها برنامجٌ لمكافحة الغربان، وشُرِع في تنفيذه، لكنه لم يتمكن من إبادتها. ومع حلول العام 2009، حقّقت الحملة ــ التي أطلقتْها الهيئة العامة لحماية البيئة في عدن ــ قدراً من النجاح المحدود، عن طريق دسّ السمّ في لحومٍ وأطعمةٍ، قُدِّمَت إلى تجمعات الغربان. وفي العام نفسه، فازت شركة ألمانية متخصصة في مكافحة الطيور الضارة بعقد مكافحة الغربان في عدن. وعلى النجاح الذي أحرزتْه الشركة نفسها في حملة مكافحة الغربان في محافظة أرخبيل جزيرة سقطرى[5]، إلّا أن هذه الشركة لم تنفذ حملتها في عدن لأسباب مختلفة. بعدها لم تُطلق أيّة حملة للقضاء على غربان المدينة، لا سيما بعد أن دخل البلد في سلسلة من الأزمات والصراعات والحروب الطاحنة، التي لا تزال في أوج اشتعالها، منذ اندلاع شرارتها الأولى في العام 2011. وبذلك، كانت هذه الظروف الملتهبة بيئةً خصبة، لتكاثر الغربان وانتشارها في مدينة عدن، على تلك الصورة التي لا يلوح فيها أملٌ في اجتراح حلولٍ لهذه الظاهرة، ولا معالجات تحدّ من أضرارها وتداعياها الكارثية.
- بوريا ساكس، "الغراب التاريخ الطبيعي والثقافي". ترجمة: أيزمير ادا حميدان. مراجعة: أسامة المنزلجي. ط1، هيئة أبو ظبي للتراث والثقافة (كلمة). 2010، ص 23. ↑
- المصدر نفسه ص 88 ↑
- "غراب يحيل مسؤولين في عدن إلى التحقيق". اليمن الاقتصادي، 14 حزيران/ يونيو 2021. https://yemene.net/news1972.html ↑
- أحمد الجعشاني، "غراب المدينة". صحيفة 14 أكتوبر، عدن، 23 نيسان/ أبريل 2026. https://14october.com/uploads/content/2604/ALE2J6VI-TM726W-D993/7.pdf ↑
- محمد الحكيمي، "الغراب الذي غزا سقطرى 15 عاماً". موقع حلم أخضر، 26 حزيران/ يونيو 2020، https://holmakhdar.org/reports/2536/ ↑




