مع إعلان السلطات الليبية عن اكتشاف مقابر جماعية، يُشتبه في تورّط "جهاز دعم الاستقرار" بها، وهو ميليشيا تنشط في غرب البلاد، عادت إلى الواجهة هذه القضيّة الفظيعة.
لم تعد المقابر الجماعية مُجرّد شواهد جنائية على جرائم معزولة، بل تحوّلت في السنوات الماضية إلى مرآة حقيقية لعمق الأزمة السياسية والأمنية والإنسانية التي تعرفها ليبيا، وتعقيدات الصراع منذ انهيار حكم العقيد معمر القذافي في العام 2011.
فن الحرب: تفكيك أوصال ليبيا
12-02-2014
فهذه المقابر لا تروي فقط قصص ضحايا مجهولين تعرضوا إلى التصفيّة من دون محاكمات وخارج الأطر القانونية، أو خلال جولات قتال بين الأطراف المتناحرة، بل عن تحوّل السلاح إلى بديل عن الدولة، وتحول الميليشيات إلى مراكز تدير الصراع عبر أدوات مثل الإخفاء القسري والاغتيال.
نتيجة لتفكك الدولة
ومنذ انفلات الوضع إثر الانتفاضة التي أطاحت بالقذافي في 2011، دخلت ليبيا مرحلة طويلة من التفكك الأمني والمؤسساتي حيث لم تعد الدولة قادرة على احتكار العنف، بل توزّع هذا الأخير بين مجموعات مُسلّحة تتنازع حول النفوذ.
وفي هذا السياق، أصبح القتل مُمارسة مألوفة على الرغم من التنديد بها. فعندما تغيب الأجهزة القضائية المستقلّة وقوات الأمن المُوحّدة، تتحوّل الميليشيات إلى سلطة أمر واقع قادرة على اعتقال وتعذيب وتصفية من يُشكّل عقبة أمام طموحاتها أو ينتقد ممارساتها.
تعدّد مراكز السلطة في ليبيا أدى إلى تشتّت المسؤولية، وسمح بتمدّد الانتهاكات مع غياب المساءلة. فكلّ طرف يتّهم الآخر بتحمل مسؤولية تصفية شخصيات ونشطاء ومواطنين عاديين، ومهاجرين أحياناً، وإنشاء مقابر جماعيّة.
من هنا، باتت البيئة الأمنية ملائمة لحدوث جرائم مروّعة تستهدف معارضين وخصوم وحتى مواطنين عاديين، أو مهاجرين عابرين من قلب افريقيا. وفي الحالة الليبية، تعكس المقابر الجماعية التي تمّ اكتشافها في مناطق مثل أبو سليم أو طرابلس وترهونة، حجم المأساة التي تواجهها البلاد. فالكثير من الانتهاكات ارتكبت تحت غطاء حماية الأمن والاستقرار، لكنها في الحقيقة تظهر كيف انتقل العنف من مجرّد أداة مؤقتة لإدارة الصراع المسلح إلى آلية للحكم. فالميليشيا التي تسيطر على أي مدينة، تبعث برسائل ترهيب من خلال ارتكاب مثل هذه الانتهاكات ليصبح بذلك الخوف أداة حكم لديها.
تعدّد مراكز السلطة
لا يمكن عزل ملفّ المقابر عن الصراع السياسي الذي تعرفه ليبيا، القائم على تعدّد مراكز السلطة، وسط نزاع على الشرعيّة بين حكومتين، الأولى غرب البلاد وهي حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مدعومة باعتراف دولي وسط محاولات داخلية لإزاحتها، والثاني شرقاً، وهي حكومة الاستقرار الوطني برئاسة أسامة حماد والمدعومة من قوات "الجيش" بقيادة خليفة حفتر والبرلمان.
في ليبيا، حنينٌ للعودة إلى الملكية؟!
01-11-2022
أفرز هذا الانقسام فراغاً قانونياً كبيراً تستغلّه التشكيلات المسلّحة من أجل ترسيخ نفوذها، خاصة مع ارتباط بعض التشكيلات بمؤسسات رسمية، لا سيما في غرب البلاد، ما منحها شرعية شكلية للتحرّك دون خضوع للمساءلة أو الرقابة.
باتت البيئة الأمنية ملائمة لحدوث جرائم مروّعة تستهدف معارضين وخصوم وحتى مواطنين عاديين. وفي الحالة الليبية، تعكس المقابر الجماعية التي تمّ اكتشافها مؤخراً في مناطق مثل أبو سليم أو طرابلس وترهونة، حجم المأساة التي تواجهها البلاد.
وفي الشرق أيضاً، ارتبطت بعض الألوية التابعة لـ "الجيش" بمراكز عسكرية وأمنية ذات ثقل، ومقربة من الحكومة هناك، ما جعلها قادرة هي الأخرى على تنفيذ ممارسات مثل الاعتقال وغير ذلك، ومما جعل الانتهاكات تتحوّل إلى جزء من إدارة النفوذ.
وبالتالي لم تعُد المقابر الجماعية، شأنها في ذلك شأن الإخفاء القسري، نتاجاً للصراع الأمني فحسب بل هي تُستخدم لتصفية الخصوم السياسيين، وبعث رسائل ردع داخل بيئة سياسية منقسمة على نفسها. والشواهد هنا كثيرة، حيث لا يزال مصير فاعلين مثل النائبة البرلمانية، سهام سرقيوة، والنائب إبراهيم الدرسي مجهولاً رغم اختفائهما منذ سنوات.
يتمّ توظيف قضية المقابر الجماعيّة كسلاح سياسي ضدّ الخصوم، لا كمدخل للحقيقة والعدالة وإنصاف الضحايا. وعلى الرغم من أهمية هذا الملفّ، إلا أنّ السلطات الليبية لا تنشر أرقاماً وبيانات بشأن ضحايا المقابر الجماعيّة.
الأخطر من هذا كلّه، أنّ تعدّد مراكز السلطة في ليبيا أدى إلى تشتّت المسؤولية، وسمح بتمدّد الانتهاكات مع غياب المساءلة. فكلّ طرف يتّهم الآخر بتحمل مسؤولية تصفية شخصيات ونشطاء ومواطنين عاديين، وإنشاء مقابر جماعيّة.
يتمّ إذاً توظيف قضية المقابر الجماعيّة كسلاح سياسي ضدّ الخصوم، لا كمدخل للحقيقة والعدالة وإنصاف الضحايا. وعلى الرغم من أهمية هذا الملفّ، إلا أنّ السلطات الليبية لا تنشر أرقاماً وبيانات بشأن ضحايا المقابر الجماعيّة.
مستقبل على المحكّ
لا تزال قضيّة المقابر الجماعية في ليبيا، تراوح مكانها، على الرغم من سعي مؤسسات قضائية مثل المحكمة الجنائية الدولية إلى حسمها. ويثير ذلك اسئلة محورية حول مصير ليبيا. إذ يقود الإفلات من العقاب إلى العديد من العواقب الوخيمة، على غرار تشجيع الجناة على تكرار الجرائم، واحباط أي ثقة في الدولة ومؤسساتها، سواء الأمنية أو القضائية. فتغوّل التشكيلات المسلحة وتحوّلها إلى سلطة بديلة، تمارس القتل والتعذيب والتصفية يقود إلى انهيار فكرة الدولة نفسها.
أما مشروع المصالحة الوطنية، التي يطمح الليبيون إلى إرسائه، فلا يمكن تنفيذه فوق ذاكرة مُثقلة بالدماء والجراح المفتوحة والإفلات من العقاب.




