جذبتْ انتفاضة سنة 1958 أنظار الصحافيين والكتاب نحو المدن اللبنانية المختلفة التي وقفت في وجه حلف بغداد (1955)، ومبدأ إيزنهاور (1957)، واحتلال مشاة البحرية الأميركية بيروت لحماية نظام كميل شمعون الموالي للغرب. بعد الانتفاضة، حلّ الكاتب الصحافي فلاديمير كاتين (1931-2024) في بيروت، وعمل مراسلاً لوكالة "نوفوستي" السوفياتية للأنباء. بطبيعة الحال، لم يكن كاتين كاتباً محايداً في مقالاته السياسية، فقد خدم في هذه الوكالة الرسمية بعد تخرجه من معهد الدراسات الشرقية التابعة للأكاديمية السوفياتية للعلوم. وعمل مراسلاً لسنوات عديدة في الدول العربية وأوروبا في ستينيات القرن العشرين قبل أن يرأس تحرير مكتب باريس في الوكالة. ترك كاتين عشرات الأعمال الصحافية المتخصصة وعدداً من الكتب، بينها كتيّب "عبر لبنان - مذكرات سفر"، الذي صدر في موسكو سنة 1961.
ما يهمنا من النص، خارج الإطار السياسي، هو البعد الاجتماعي ومشاهدات الكاتب والحساسية الواضحة التي تناول من خلالها التناقضات، والطبقات الاجتماعية الدنيا في المجتمع المحلي، لاسيما في مدينة طرابلس، التي كانت خلال العقود الستة الماضية ولا تزال أفقر المدن اللبنانية.
مدينة طرابلس: من يقوى على الحلم؟
07-05-2020
يقول كاتين: "خلال الانتفاضة الشعبية عام 1958، كانت طرابلس مركزاً للحركة التمردية في شمال لبنان. تحولت المدينة إلى قلعة منيعة، وسكانها بقيادة النائب في البرلمان، رشيد كرامي، صمدوا في أكثر من معركة شرسة مع القوات النظامية". كرامي "تولى منصب رئيس وزراء الجمهورية مرتين، وكان وزيراً للمالية، وترأس الوفد اللبناني إلى الأمم المتحدة. وفي أيام محددة، تتجمع حشود من الناس إلى منزل كرامي، الذي يقيم بشكل دائم في طرابلس. بعضهم ليطلب النصيحة، وآخرون لطلب المساعدة، وثالث للحديث عن السياسة". كانت له أهمية خاصة لدى القارئ السوفياتي، لكونه زار موسكو سنة 1956، و"كانت حشود من الناس من مختلف المهن تذهب إلى النائب لسؤاله عن موسكو".
تناقضات العاصمة
يبدأ الكاتب رحلته من بيروت متناولاً أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، يقول:
يشتهر لبنان بتناقضاته، لكنها تتجلى في بيروت بوضوح في كل زاوية. فالقصور الفخمة، المبنية بأحدث التقنيات والتصاميم الغربية، تتزاحم مع الأكواخ المتهالكة. يسهل تمييز أصحاب القصور في الشوارع، فهم يتنقلون بسيارات ليموزين مريحة، بينما يتنقل سكان الأكواخ المكتظة في عربات الترام. في الليل، تتلألأ نوافذ المتاجر الأنيقة بأضواء النيون الزرق والحمر، بينما يسود ظلام دامس أحياء الطبقة العاملة.
يزور بيروت سنوياً أكثر من نصف مليون سائح، غالباً ما يرون جانباً واحداً فقط من المدينة، الواجهة الفخمة نفسها التي تظهر على البطاقات البريدية اللامعة وكتيبات شركات الطيران. أما عمال العاصمة، من عمال الموانئ والسائقين وبائعي الصحف وصغار الموظفين، فيعيشون في شوارع ضيقة كئيبة، بمنازل متواضعة، تطل من نوافذها وأبوابها مظاهر الفقر والبؤس.
أحياء الأشرفية، والبسطة، وفرن شباك، وغيرها، مكتظة بالعمال. تتكدس العائلات الكبيرة في غرف صغيرة خانقة، ملبدة بالغيوم حتى في الأيام المشمسة، وباردة ورطبة في الأيام الممطرة. هذا "المسكن" هو الوحيد الذي يستطيع العمال اللبنانيون تحمّله، إذ بالكاد تكفي أجورهم، وغالباً لا تكفي، لتغطية نفقاتهم.
حوادث المرور هي آفة البلاد. ففي مقطع طريق طوله مئة كيلومتر، لا بد أن تصادف سيارتين أو ثلاثاً اصطدمت بعضها ببعض. في قسم الحوادث، تعلِن الصحف اللبنانية يومياً تقريباً: "بأسف، أنه نتيجة حادث سيارة...". ولكن هذا لا يردع عشاق السرعة الجنونية، وتبقى طرق لبنان الممتازة خطرة.
تشهد بيروت عشرات الإضرابات سنوياً من قبل عمال الموانئ وعمال الترام وعمال النسيج. يُعدّ تحسين أوضاعهم المادية مطلبهم الرئيس. ذكرت صحيفة "بيروت ويكلي" في مقالٍ لها بتاريخ 30 تشرين الثاني/ نوفمبر 1959، بعنوان "كيف يعيش اللبنانيون في ظلّ الأسعار الباهظة"، أن متوسط دخل الأسرة البيروتية يبلغ 400 ليرة لبنانية شهرياً. وتؤكد الصحيفة أن "هذه الأسرة لا تملك غسالات، ولا أجهزة راديو، ولا ثلاجات، ولا خدماً، ولا بيوتاً صيفية، ولا العديد من الأشياء الأخرى التي تُعتبر ضرورية لدى الطبقات الثرية من السكان. كما أنها لا تملك منزلاً خاصاً بها، وتُضطر إلى إنفاق ما لا يقل عن 125 ليرة لبنانية على الإيجار". لكن بهذا المبلغ، لا يُمكن استئجار سوى مساكن متواضعة جداً. وفي الوقت نفسه، تنتشر في شوارع المدينة إعلانات "للإيجار". لكن الشقق والطوابق، بل المباني بأكملها خالية. ومع ذلك، يبقى الإيجار مرتفعاً جداً، وتنتظر الشقق الفسيحة المجهّزة بأنظمة تكييف هواء اصطناعية شهوراً لمجيء مستأجِر ثري. بحسب الصحيفة، تبلغ تكلفة الغذاء الشهرية لعائلة ما، وفقًا لأكثر التقديرات تحفظاً، 300 ليرة لبنانية، بافتراض اقتصارها على الطعام الرخيص... هذه حسابات صحيفة "بيروت ويكلي"، وهي صحيفة برجوازية محافظة. لكن في الواقع، الوضع أكثر قتامة وسوءاً. يكفي أن نتذكر أن النقابات العمالية تطالب منذ سنوات برفع الحد الأدنى للأجور إلى 125 ليرة لبنانية شهرياً... لكن الحكومة ترفض هذا المطلب بإصرار.
في الطريق إلى طرابلس
يخرج الكاتب من بيروت إلى جونية وجبيل، ثم يقول:
الشمس الخريفية مشرقة ودافئة، لكنها ليست حارة بعد. الطريق يقودنا شمالاً إلى مدينة طرابلس. الشريط الرمادي-الأزرق للإسفلت يرسم التضاريس المعقّدة للساحل اللبناني. إلى اليمين جبال، وإلى اليسار بحر. تتدلى الجبال فوق الطريق، والبحر تتلاطم أمواجه قرب عجلات السيارة. بين الحين والآخر، تحذر اللوحات الإرشادية من منعطف خطير. في لبنان طرق ممتازة. ليلاً، في أشعة المصابيح الأمامية، تتوهج أعمدة الطرق المتقاربة بفوسفور أخضر، مبيِّنة حافة الطريق التي وراءها الهاوية أو البحر. ومع ذلك، فإن حوادث المرور هي آفة البلاد. ففي مقطع طريق طوله مئة كيلومتر، لا بد أن تصادف سيارتين أو ثلاثاً اصطدمت بعضها ببعض. في قسم الحوادث، تعلِن الصحف اللبنانية يومياً تقريباً: "بأسف، أنه نتيجة حادث سيارة...". ولكن هذا لا يردع عشاق السرعة الجنونية، وتبقى طرق لبنان الممتازة خطرة. لا يجيد اللبنانيون القيادة بهدوء. ومن الغريب، خلافاً للمنطق السليم، أن السائقين المحليين يضغطون على دواسة الوقود بقوة عند المنعطفات والتقاطعات الخطيرة. وحجتهم عبارة ملطفة فريدة للغاية: "يجب اجتياز المكان الخطير بسرعة أكبر، خشية حدوث مكروه..."
لكن المرء ينسى الوفيات والسرعة القاتلة، ما إن ينكشف أمامه بعد منعطف ما منظر البحر الأبيض المتوسط. حِيكت حوله أساطير وأغان وقصائد كثيرة، ورُسمت له آلاف اللوحات لفنانين من جميع المدارس والاتجاهات... قرب الشواطئ، البحر ملون بالأخضر، وفيه زرقة، وبياض... لونه غير عادي، لكن عندما ينظر إليه المرء أبعد من ذلك نحو الأفق، يتحول الأخضر فجأة إلى بنفسجي داكن غامق. وفي أحد الأيام، وبينما كنت أبحر مع الصيادين بعيداً في البحر المفتوح، رأيت زرقة مذهلة... لكن الصيادين ذوي السراويل المرقعة لم يكن لديهم وقت لمعجزات الطبيعة، فقد كانوا ينصبون شباكهم. البحر هو معيل الكثير من القرى الساحلية في لبنان. والآن أيضاً، على طول الطريق إلى طرابلس، وعلى خلفية المناظر البحرية، يقف أولاد حفاة ونساء ملفعات بأغطية منقوشة يحملن سلالاً من السمك الطازج. يلوحون لكل سيارة تمر بسمكة حمراء الزعانف، ويصرخون بشيء ما، داعين الزبون العابر.
إسفنج وملح
البحر لا يعيل الصيادين فقط. على الساحل قرى يسكنها سكان متخصصون في صيد الإسفنج البحري. يبلغ الإنتاج خمسة إلى ثمانية أطنان سنوياً. هذه مهنة شاقة وخطيرة، تتطلب قدرة كبيرة على التحمل. فعندما ينزل صائد الإسفنج إلى أعماق تصل إلى 60 متراً، يصل إلى طبقات مائية شديدة البرودة، بينما تكون درجة حرارة الهواء على الشاطئ أكثر من 30 درجة مئوية. بعد سنتين أو ثلاث من هذا العمل، يصاب الإنسان بالشلل. كل عام، يودي الموت المبكر بحياة 10-12 من صائدي الإسفنج. وكانت مجلة "ريفيو دي ليبان" الأسبوعية قد روت في أحد أعدادها عن المصير المأسوي لصائد الإسفنج رياض صباح. بعدما مكث مدة طويلة في المستشفى مصاباً بشلل جزئي في الأطراف، تراكمت عليه ديون المستشفى وأُجبر على العودة مجدداً إلى مهنته السابقة. لم يكن لديه خيار آخر، فقد هدده مالك العيادة وتوعده برفع دعوى قضائية عليه. فكانت محاولة صباح الأولى للنزول مجدداً إلى القاع هي الأخيرة، حيث أصيب بشلل كامل.
كانت مدينة طرابلس في يوم من الأيام ميناءً مهماً في هذه المنطقة من البحر الأبيض المتوسط، لكن مع مرور الوقت تلاشت أهميتها التجارية تقريباً. في الوقت الحاضر، ترتاد الميناء بشكل رئيس اليخوت وناقلات النفط. من العراق إلى ساحل طرابلس، يمتد خط أنابيب نفط تابع لشركة "شركة نفط العراق" الإنكليزية. يُضخ النفط الخام إلى خزانات أسطوانية ضخمة تملأ الساحل شمال طرابلس.
عند التأمل في طرابلس، تلاحظ أن فيها الكثير من الطبقة العاملة. خلال النهار، تكون المدينة هادئة، خالية من الناس، وفقط في المساء، عندما ينتهي العمل، تبدأ الشوارع بالحياة. سكان المدينة هم أناس يعملون في الميناء، وفي أحواض بناء السفن، وفي مصانع ومعامل النسيج، وصناعة الصابون، وعصر الزيوت، والأغذية والمشروبات. الصناعة في لبنان ضعيفة، ولكن بالنظر إلى حجمها، تُعتبر طرابلس أحد مراكزها الرئيسة.
مع الاقتراب من طرابلس، يبدأ المشهد الساحلي بالتغير بشكل ملحوظ. على الشاطئ الصخري المنبسط، مما يضيق الطريق نحو الجبال، ينمو ويمتد بعيداً إلى الأمام غابة كاملة من طواحين الهواء. تدور أجنحة الألومنيوم الخفيفة ببطء، دافعة عبر الأنابيب مياه البحر إلى الشاطئ، حيث تنتشر في طبقة رقيقة على ألواح أسمنتية. ثم تنجز الشمس الوهّاجة عملها، فتساعد على فصل الملح عن الماء. كل متر مكعب من مياه البحر قبالة سواحل لبنان يحتوي على 290 غراماً من الملح. عطايا البحر الأبيض المتوسط هذه توفر سبل العيش لستمئة عائلة، تستخرج سنوياً 8 آلاف طن من ملح الطعام. تحدثنا مع مجموعة من العمال الذين كانوا يجرفون الملح الجاهز في أكياس من الخيش. قال لنا أحدهم: "لا يساعدنا سوى الشمس. أما الحكومة فتضع العصي في دواليب طواحيننا...". وقد أوضح فكرته المجازية بحسابات بسيطة، فحتى وقت قريب، كانت مؤسسات استخراج الملح في البلاد محمية من المنافسة الأجنبية برسم جمركي وقائي معين. فكل كيلوغرام من الملح المستورد كان يُفرض عليه رسم قدره 5 قروش لبنانية. لكن السلطات خفّضت الرسم إلى 1.25 قرشاً فقط، مما سمح للمنافسين بدخول السوق اللبنانية ووضع الإنتاج الوطني من الملح تحت التهديد.
كانت أجنحة الطواحين تدور ببطء، كما لو كانت بصعوبة، في سماء لا غيم فيها، وبدا لنا وكأن هناك من يحاول إيقافها حقاً...
الفيحاء
يصل الكاتب إلى طرابلس:
طرابلس هي ثاني أكبر مدينة في الجمهورية، ويُطلق عليها أيضاً عاصمة الشمال اللبناني. يلقبها الناس بـ"الفيحاء" (العطرة)، وليس ذلك من قبيل الصدفة، فالمدينة محاطة بحلقة كثيفة من بساتين البرتقال والليمون، وفي فصل الربيع، في زمن الإزهار، تملؤها رائحة عطرة خفيفة. وفي الخريف، عندما يتم نقل الثمار الناضجة إلى الأسواق ونقاط التجميع والميناء، تمتلئ المدينة مجدداً برائحتها القوية.
تختلف طرابلس كثيراً عن بيروت. إنها مدينة عربية مئة في المئة. السكان الأساسيون هم من المسلمين السنة. المآذن المدببة، التي ترتفع فوق المنازل المحيطة، تذكِّر بأن الشريعة الإسلامية تمنع بناء مبانٍ أطول من معبد الله. في الأروقة المعتمة المقنطرة للسوق الهائل، لا يمكنك التواصل إلا باللغة العربية. نادراً ما تقابل في الشارع امرأة بوجه مكشوف، فلا يزال البرقع الأسود سائداً هنا ولم يُخلع. في المدينة، وبجانب السيارات الفارهة الحديثة، تجول عربات تجرها الخيول. لكن عدد العربات يقل أكثر فأكثر. رأينا عجوزاً سائق عربة يدعو المارة طويلاً وبدون جدوى لاستخدام عربته، لكنهم كانوا يتجهون إلى محطات سيارات الأجرة والحافلات الصغيرة.

في طرابلس، كما هي الحال في كل لبنان، هناك العديد من شركات الجملة والتجزئة والمتاجر. كانت المدينة في يوم من الأيام ميناءً مهماً في هذه المنطقة من البحر الأبيض المتوسط، لكن مع مرور الوقت تلاشت أهميتها التجارية تقريباً. في الوقت الحاضر، ترتاد الميناء بشكل رئيس اليخوت وناقلات النفط. من العراق إلى ساحل طرابلس، يمتد خط أنابيب نفط تابع لشركة "شركة نفط العراق" الإنكليزية. يُضخ النفط الخام إلى خزانات أسطوانية ضخمة تملأ الساحل شمال طرابلس. من هنا، يُنقل النفط إلى الناقلات ويُصدّر إلى أوروبا. كما تقع هنا مصفاة تكرير النفط، التي تنتج ما يصل إلى نصف مليون طن من المنتجات النفطية، محققة لأصحابها (الإنكليز) أرباحاً طائلة.
الملهي الوحيد في المدينة، "الحصان الأبيض"، يكون فارغاً عادة. رفض صاحب أفضل فندق في طرابلس، فندق "حكيم"، إيواء الراقصات الإيطاليات اللواتي جئن إلى "الحصان الأبيض". قال لنا: "لفندقي سمعة جيدة، ولن أضرّ بها. أنتم تعلمون كيف ينظر الناس في مدينتنا إلى هذا النوع من الفنانات..
يحب اللبنانيون القهوة، لكن الطرابلسيين يعشقونها بشدة. في المعدل المتوسط، يشرب كل شخص ما بين 15 و20 فنجاناً في اليوم. تقدم القهوة في فناجين صغيرة جداً، كما لو أنها فناجين ألعاب. يُحضّرون القهوة في ركاوٍ خاصة مخروطية الشكل، ويضيفون إليها الهال. رشفة من القهوة البنية القوية تتبعها رشفة من الماء البارد. هكذا جرت العادة على شربها هنا.
عند التأمل في طرابلس، تلاحظ أن فيها الكثير من الطبقة العاملة. خلال النهار، تكون المدينة هادئة، خالية من الناس، وفقط في المساء، عندما ينتهي العمل، تبدأ الشوارع بالحياة. سكان المدينة هم أناس يعملون في الميناء، وفي أحواض بناء السفن، وفي مصانع ومعامل النسيج، وصناعة الصابون، وعصر الزيوت، والأغذية والمشروبات.
الصناعة في لبنان ضعيفة، ولكن بالنظر إلى حجمها، تعتبر طرابلس أحد مراكزها الرئيسة.
أهل المدينة
يلفت تحفظ الطرابلسيين الكاتب، يضيف:
المظهر الشرقي، والحياة الهادئة المستقرة، والملابس التقليدية للسكان، كلها تشير إلى أن طرابلس تسعى للحفاظ على تقاليدها العريقة، وتصر على حماية نفسها من تأثير الغرب الذي يتسرب إلى بيروت. الملهي الوحيد في المدينة، الذي يحمل اسم "الحصان الأبيض" يكون فارغاً عادة. كنا شهوداً على كيفية رفض صاحب أفضل فندق في طرابلس، فندق "حكيم"، إيواء فرقة من الراقصات الإيطاليات اللواتي جئن في جولة فنية إلى "الحصان الأبيض". قال لنا: "لفندقي سمعة جيدة، ولن أضرّ بها. أنتم تعلمون كيف ينظر الناس في مدينتنا إلى هذا النوع من الفنانات..."
موزاييك طرابلس لبنان والحدود الوهمية للمقاهي
02-03-2020
بعد انتهاء يوم العمل، يملأ العمال وأصحاب المتاجر والتجار في السوق والموظفون في طرابلس شرفات المقاهي، حيث يلعبون لعبة النرد (طاولة الزهر) حتى وقت متأخر وهم يقرعون أحجار الطاولة، ويحتسون القهوة السوداء، ويدخنون النرجيلة. تدخين النرجيلة هو أحد أكثر أوقات الفراغ المحببة لدى اللبنانيين. لا يمكن للمرء تدخين النرجيلة وهو يمشي، كالسجارة، أو في استراحة قصيرة بين العمل. بل يدخِّنها الناس هنا لساعات، مع احتساء القهوة والماء البارد. وهنا، كما يقولون، تكمن كل المتعة. في المساء، ترى مدخني النرجيلة في كل خطوة في المقاهي، على مقعد بالقرب من المنزل، في الحديقة العامة. يرتدي مدخنو النرجيلة طرابيش حمراً (الطربوش الوطني الشرقي ذو الشرابة) وسراويل فضفاضة جداً، ويمضون المساء كله وهو يمتصون المباسم الخشبية، غارقين في أفكارهم. إذا انضم صديق إلى شارب النرجيلة، ينتقل المبسم إليه، ومن ثم، أثناء الحديث، يدخن كلاهما النرجيلة. أحياناً تجتمع مجموعة كاملة، ويتداولون المبسم نفسه.

يحب اللبنانيون القهوة، لكن الطرابلسيين يعشقونها بشدة. في المعدل المتوسط، يشرب كل شخص ما بين 15 و20 فنجاناً في اليوم. تقدم القهوة في فناجين صغيرة جداً، كما لو أنها فناجين ألعاب. يُحضّرون القهوة في ركاو خاصة مخروطية الشكل، ويضيفون إليها الهال. رشفة من القهوة البنية القوية تتبعها رشفة من الماء البارد. هكذا جرت العادة على شربها هنا. كما يبدأ يوم المدخِّن الشره بسجارة، كذلك يبدأ الطرابلسي يومه بفنجان من القهوة شديدة القوة. وبعد ذلك فقط، يتناول الفطور. فالقهوة يشربها الجميع وفي كل مكان: التجار خلف الأكشاك، والسائقون وهم ينتظرون الركاب، والموظفون وهم يفرزون الأوراق، وعمال المصاعد، وباعة الصحف، ورجال الشرطة... كل واحد منهم تراه مع فنجان قهوة عدة مرات في اليوم. تجلس في كرسي الحلاق، فيُقدم لك فنجان من الشراب البنّي المتصاعد بالبخار. يمكنك الحصول على فنجان قهوة في أي مكان. فهو يُحضَّر في أي مطعم، ويحمل القهوة الباعة المتجولون. يتحزّم باعة القهوة، بأحزمة الفناجين، ويعتِلون جرة ماء نحاسية على أكتافهم لغسلها، يجوبون المدينة طوال اليوم وهم يعلنون عن وصولهم برنين طبقين نحاسيين. رنين الطبقين إعلان موجّه لعشاق القهوة حصراً.
الحمضيات والميناء
يستوقف الكاتب عشق اللبنانيين لكل جديد، يقول:
إنهم يحاولون، بقدر ما يستطيعون، تطبيق الابتكارات والإنجازات التقنية الحديثة لديهم. لكن لا يمكن التغلب على التخلف الاقتصادي العام للبلاد عن طريق شراء عدد قليل من الآلات أو حتى مصانع من الخارج. وعلاوة على ذلك، وبدون وجود كوادر تقنية خاصة بهم، يضطرون، بالتزامن مع استيراد المعدات، إلى دعوة خبراء أجانب أيضاً. النقص الحاد في الكوادر الوطنية يخفض الإنتاجية في جميع قطاعات الاقتصاد. غالباً، حتى أحدث ابتكارات الفكر التقني في الظروف اللبنانية لا تُستخدَم بكامل طاقتها، وبالتالي لا تعطي التأثير الاقتصادي المطلوب. التقنية الحديثة للغرب وأشد الأساليب والأدوات بدائية وقديمة الطراز، يلتقيان في لبنان في الوقت نفسه، وفي عملية الإنتاج عينها. لنأخذ على سبيل المثال تصدير الحمضيات...
تجهيز وتحضير البرتقال للتصدير إلى الخارج هو فرع فريد ومحدد للغاية في الاقتصاد المحلي. بعد قطف الثمار من الأشجار، تُفرز حسب الحجم والجودة، وتُنظَّف من الآفات المحتملة، وتُلف بورق سجائر رقيق وتُعبأ في صناديق. كل هذا حتى وقت قريب كان يُفعَل يدوياً. في حظيرة شبه مظلمة على أرضية أسمنتية، تعمل عشرات النساء الأجيرات بأجر يومي، تتراوح أعمارهن بين ست وستين سنة... على مدار الساعة، تستبدل كل منهن الأخرى، يقلبن أكوام الثمار، ويفرزنها ويضعنها في صناديق خشبية. أصحاب العمل يتحولون جزئياً إلى أساليب جديدة. يستبدلون انتقاء الحمضيات "بالعين المجردة" بآلات خاصة. تخضع الثمار أيضاً لمعالجة بمحلول كيميائي، يمنع تلفها ويسمح بنقلها لمسافات بعيدة.
تجهيز وتحضير البرتقال للتصدير إلى الخارج هو فرع فريد في الاقتصاد المحلي. بعد قطف الثمار من الأشجار، تُفرز حسب الحجم والجودة، وتُنظَّف من الآفات المحتملة، وتُلف بورق سجائر رقيق وتُعبَّأ في صناديق. كل هذا حتى وقت قريب كان يُفعَل يدوياً. في حظيرة شبه مظلمة على أرضية أسمنتية، تعمل عشرات النساء الأجيرات بأجر يومي، على مدار الساعة.
لن يفعلوا شيئا للتخفيف عن العامل، أو الحمّال، أو الأجير. "إنهم معتادون على ذلك". لن تسمع هذه العبارة في ميناء طرابلس فقط. بل يجيبك بها النواب ببلادة عندما يشتكي أحدهم من ظروف الحياة التي لا تُطاق. "إنهم معتادون على ذلك...". يعترض أرباب المال المتأنِقون ويُرْفِقون العبارة بابتسامة خفيفة، وهم يعدِّلون زهرة الأقحوان البيضاء في عروة معطفهم.
في مدينة طرابلس، بعد معاينة منشأة معالجة البرتقال وهي تعمل، أخذنا صاحبها إلى الميناء، حيث كانت تُحمّل البضائع إلى الباخرة. البحر قليل العمق قرب المدينة، حيث يمكن رؤية القاع، والسفن ترسو على بُعد حوالي خمسة كيلومترات من الشاطئ. يحمّل العمال صناديق البرتقال على مراكب خفيفة، وتُنقل إلى البحر المفتوح، حيث يعاد تحميلها إلى متن السفينة.

من الشاحنة إلى المركب، يحمل عتالون حفاة مرهقون الصناديق. على ظهر كل منهم، صندوقان يزن كل منهما نحو 40 كيلوغراماً. في طريقهم، كان عليهم المرور على لوح خشبي ضيق، موضوع بزاوية حادة من الرصيف الحجري إلى قاع المركب. أحد عمال الشحن، رجل عجوز أصلع نحيل، كان ينوء تحت عبء صندوقين كبيرين يبلغ وزنهما معاً خمسة بودات (البود الروسي يساوي 16.38 كيوغراماً، أي نحو 82 كيلوغراماً). كان من المؤلم النظر إليه. قدماه الحافيتان المتصلبتان كانتا تبطئان خطاهما كلما اقتربتا من اللوح المهتز. قبل أن يخطو عليه، تردد لبعض الوقت وكأنه يبحث عن طريق آخر. لكن من خلفه، كان طابور زملائه العتّالين (الحمّالين) يضغط عليه. أناس مثله، متعَبون، ينوؤون تحت الأثقال. لم يكن هناك وقت للتردد. فوضع الرجل العجوز قدمه المرتجفة على اللوح الأملس، الحاد كزحليقة الأطفال. ارتخت أصابع قدميه بشكل متشنج، وكأنها تحاول أن تنغرز في الخشب الزلق... خطوة، أخرى، ثالثة. ثم عَبر.
سألت: ألا يمكن وضع عوارض خشبية عرضية أو وضع لوح آخر على الأقل بجانبه؟
اعترض ممثل الشركة: لماذا؟ إنهم معتادون على هذا العمل.
نعم، حقاً، لقد اعتاد الرأسماليون، أرباب العمل على استغلال الإنسان بطريقة فرعونية. إنهم يهتمون بتحديث شركاتهم فقط وفقط عندما يعد ذلك بزيادة الربح. لكن لن يفعلوا شيئا للتخفيف عن العامل، أو الحمّال، أو الأجير.
طرابلس.. ساحة بثورات كثيرة
17-01-2020
"إنهم معتادون على ذلك". لن تسمع هذه العبارة في ميناء طرابلس فقط. بل يجيبك بها النواب ببلادة عندما يشتكي أحدهم من ظروف الحياة التي لا تُطاق. "إنهم معتادون على ذلك...". يعترض أرباب المال المتأنقون ويرفقون العبارة بابتسامة خفيفة، وهم يعدلون زهرة الأقحوان البيضاء في عروة معطفهم. وكل ما يخطر ببالك أن تقول لهم: "كلا، أيها السادة، أنتم من اعتدتم على انتهاك حقوق الإنسان، على استغلاله بشكل وحشي".





