أسطورة "أبو درع".. كيف يتواطأ مجتمع على غسل تاريخ أمراء الدم؟

المجتمع العراقي تعلّم كيف يتعايش مع شخصيات من نوع أبو درع، ويعيد دمجها في المشهد العام، كأن سنوات الدم يمكن أن تتحول مع الوقت إلى مجرد سيرة قديمة.

عماد حسين | موقع "جُمّار"

17 أيّار / مايو 2026

لا تقتصر الخطورة على الوجود المادي لأمراء الحرب والمجرمين الذين أفرزتهم الصراعات المتلاحقة في مجتمعات ما بعد النزاع؛ الكارثة الحقيقية تكمن في المنهجية المجتمعية لتدوير سجلاتهم الجنائية وتحويلهم إلى واجهات اجتماعية. حالة إسماعيل حافظ اللامي، المعروف بـ”أبو درع” أو “زرقاوي الشيعة”، تقدم نموذجاً تطبيقياً صارخاً لهذه الظاهرة. هو لا يمثل مجرد فرد ارتبط بحقبة العنف الطائفي الممتدة بين عامي 2006 و2008، بل يجسد قالباً متكرراً يمكن إسقاطه بوضوح على شخصيات عديدة تحظى بنفوذ واسع اليوم في مختلف المحافظات العراقية. نحن نقف أمام أسطورة وهمية غُذّيت بدماء الضحايا في غفلة أو تغافل من سلطة القانون.

تتسع دائرة الخراب عندما يقرر المجتمع، مدفوعاً بالخوف أو الانتهازية، غسل تاريخ هذه الشخصيات الملطخ بالانتهاكات. حيث تجري عملية سحب منهجية لهم من زوايا العتمة وخنادق الجريمة، ليُصار إلى تتويجهم كـ”قامات وأعيان” يتصدرون المشهد العام والمجالس العشائرية. هذا التواطؤ الجمعي يمنح أمراء الدم شرعية مجانية تتيح لهم توزيع صكوك الوطنية وفرض الإملاءات، وتوفر لهم غطاءً مجتمعياً آمناً يشرعنون من خلاله ابتزاز الدولة ومؤسساتها الرسمية تحت مرأى ومسمع الجميع.

هذه المتلازمة تعكس خللاً هيكلياً يمحو الخطوط الفاصلة بين “السلّاب” والوجيه الاجتماعي. الحصانة المنيعة التي يتمتع بها أمثال اللامي اليوم لم تُنتزع بقوة الترهيب وحدها، هي في جوهرها حصانة مُنحت لهم عبر استسلام مجتمعي يتغاضى عن الماضي المرعب، طمعاً في مكاسب الحاضر أو هرباً من مواجهة استحقاقات الحقيقة. هكذا تُصنع أساطير الخوف، ليؤسس المجتمع بنفسه لمرحلة جديدة يتم فيها استثمار رصيد الرعب القديم في مشاريع نفوذ حديثة.

التحول الاقتصادي وانسلاخ الأيديولوجيا 

لم يتوقف مسار “أبو درع” عند حدود السرديات الطائفية التي رافقت بروزه الميداني بين عامي 2006 و2008. التحول الفعلي والموثق في حركته تجسد في استغلال رصيده الدموي والاجتماعي السابق كأداة مباشرة للابتزاز المالي والسيطرة العقارية. في الـ27 من نيسان 2026، أخذ هذا التحول شكلاً جنائياً صريحاً حين اقتحم اللامي بصحبة مجموعة مسلحة مبنى “دائرة العقارات” التابعة لأمانة بغداد. الهدف لم يكن استعراضاً لقوة عقائدية، وإنما إجبار الموظفين واللجان الرسمية بقوة السلاح والتهديد المباشر على إرساء مزاد علني لبيع قطع أراضٍ مميزة لصالحه.

هذا الحدث يمثل انتقالاً دقيقاً وموثَّقاً في سلوكه؛ من قيادة مجاميع مسلحة تحت غطاء الصراعات الأهلية القديمة إلى ممارسة نشاطات مافياوية بحتة تستهدف مقدرات العاصمة. السمعة التي بُنيت على ترهيب المدنيين قديماً تُستثمر اليوم للسيطرة على مؤسسات الدولة، بغية تأمين مكاسب اقتصادية شخصية مجردة من أي غطاء سياسي أو ديني.

مشرط التوثيق وسقوط الهالة الوهمية 

في حقبة العنف الأولى، استندت قوة إسماعيل اللامي إلى الشائعات المتناقلة وغياب التوثيق المرئي، مما ساهم في تضخيم هالته المرعبة. في نيسان 2026، اختلفت قواعد اللعبة كلياً؛ فكاميرات المراقبة، وأدوات الاستقصاء المعتمدة على المصادر المفتوحة (OSINT)، والتحليل السريع للبيانات المكانية والمرئية، جردت الرجل من حصانته الوهمية في غضون ساعات. التوثيق الدقيق لعملية الاقتحام أدى في الـ28 من نيسان إلى تحرك سريع؛ حيث أصدرت محكمة التحقيق المركزية 16 مذكرة قبض بحقه وبحق معاونيه وأبنائه وفق المادة 430 من قانون العقوبات (التهديد).

أسفرت المداهمات الأمنية التي استهدفت مقاره عن مصادرة 13 عجلة، وكميات ضخمة من الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والذخائر، فضلاً عن مبالغ نقدية. التقنيات الحديثة في الرصد والتحقق أثبتت أن الهالات المصطنعة تسقط فوراً أمام الأدلة الرقمية الدقيقة، محوِّلةً أسطورة قديمة إلى مجرد مطلوب جنائي هارب وعصابة سطو لا تصمد أمام التمحيص الاستقصائي ومقاطعة المعلومات.

صحوة مشروطة وبقاء الآلاف في الظل 

وفي الوقت نفسه، فإن المداهمات الأمنية التي أعقبت حادثة أمانة بغداد، وما رافقها من مصادرة للأسلحة وصدور مذكرات قبض قضائية، قد تُسوّق إعلامياً للوهلة الأولى على أنها انتفاضة حقيقية لاستعادة هيبة الدولة وكسر المحرمات. غير أن قراءة متأنية وموضوعية لخلفيات المشهد تفرض تشاؤماً مبرراً ومراً. الحقيقة الواضحة تتجلى في كون أجهزة إنفاذ القانون لم تتخذ أي خطوة فعلية طوال السنوات الماضية لردع هذه التجاوزات المستمرة، ولم تتشجع على الاقتراب من معاقل “أبو درع” أو المساس به إلا بعد صدور كتاب براءة واضح وصريح من زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، بحق أفراد عائلته وعصابته.

هذا الارتباط الوثيق بين التحرك الأمني والضوء الأخضر السياسي يفرغ فرضية سيادة القانون من محتواها الفعلي. الدولة هنا لم تبادر من تلقاء نفسها لفرض النظام، هي تحركت فقط ضمن المساحة التي سُمح لها بالعمل فيها بمجرد رفع الغطاء الديني والسياسي والاجتماعي عن المطلوبين.

سقوط هذه الأسطورة في هذه اللحظة بالذات لا يمثل تعافياً هيكلياً عميقاً لمؤسسات الردع، إنما يعكس في جوهره انتهاء الصلاحية السياسية لعصابة إجرامية وتحولها إلى عبء ثقيل على حلفاء الأمس.

خلف ضجيج هذه المداهمات والاحتفاء بمجرد المساس باسم رنان، يقبع مئات، وربما آلاف، من أشباه هذه الشخصية. نتحدث عن أفراد ومجاميع مسلحة لا تمتلك الشهرة الإعلامية الصاخبة ذاتها، غير أنها تمارس الإجرام والفساد المالي والابتزاز الممنهج بكل أريحية.

هؤلاء ما يزالون يرتعون في مفاصل الدولة، ويتحكمون بمقدرات دوائر بأكملها، متمتعين بحصانات مطلقة لسبب بسيط جداً: قادتهم لم يصدروا كتب براءة بحقهم حتى هذه اللحظة.

مقالات ذات صلة

إنهاء حقبة “اللامساس” جذرياً لا يتحقق باصطياد شخصية تخلّى عنها رعاتها، إنما يبدأ حقيقة عندما تمتلك المؤسسات الرسمية زمام المبادرة لمحاسبة الجناة، بمعزل تام عن مزاج القيادات السياسية وموافقاتها المسبقة.

  • تنشر المادة بالشراكة مع الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية “نيريج”.

وسوم:

مقالات من العراق

من إينانا إلى محمد عبد الجبار.. الغناء والقداسة والتحريم في ذي قار

منذ آلاف السنين حتّى العصر الحديث، امتدت الموسيقى وعلا صوت الغناء واتّسعَت مساحات الفنون بالرفض والثورات، بالصمود والتضحية تشكّلت هُوية المدينة، تشرّبها أهلها وعُرِفتْ بها، لكن هنالك من لم يعجبه...

حربٌ واحدة تتجدد

ديمة ياسين 2026-04-23

دُفِنت أمي في بلد بارد لا تعرفها أرضه، وعشتُ أنا أبحثُ عن أرض تشبهني و فشلتُ في كل مرة. كنت أظنه قدراً علينا أن نتقبله، لكنني اليوم أدرك أكثر من...

للكاتب/ة

من إينانا إلى محمد عبد الجبار.. الغناء والقداسة والتحريم في ذي قار

منذ آلاف السنين حتّى العصر الحديث، امتدت الموسيقى وعلا صوت الغناء واتّسعَت مساحات الفنون بالرفض والثورات، بالصمود والتضحية تشكّلت هُوية المدينة، تشرّبها أهلها وعُرِفتْ بها، لكن هنالك من لم يعجبه...

موسم الهجرة إلى الحرب... "توابون جدد" و"وطنجية" على جبهات الرأي العام

بين "التوابين" و"الوطنجية"، ينفجر انقسام جيل حاول بناء هوية وطنية، ليعود في زمن الحرب الإقليمية إلى اصطفافات تعيد تعريفه بين الدين والدولة، فيما تتآكل شرعية القوى الشيعية وتتقدّم الفصائل كبديل......