هندسة المساجد الإباضيّة في جزيرة جربة: بين التنوّع والخصوصيّة

في جزيرة جربة التونسية، مساجد منقورة في باطن الأرض، موزّعة عبر مختلف أنحاء الجزيرة، وكان عددها العشرين مسجداً... لم يصمد منها سوى اثنين: جامع الوطا في سدويكش، وجامع البرداوي في مزران. هي ظاهرة معماريّة فريدة من نوعها، ففي فسحة أرض منبسطة، يُحوّطها سور قصير أبيض، وتكلِّلها من كلّ ناحية أشجار الزيتون، توجد قُبّتان متجاورتان يحذوهما باب صغير يُفضي إلى درج. تظنّ للوهلة الأولى أنّك أمام قبو قديم، ولكن سُرعان ما يتبيّنُ أنّه الجامع الذي نقصده.
2026-05-21

ضو سليم

كاتب من تونس


شارك
جامع الوطا في سدويكش - جزيرة جربة / تونس

ما إن تطأ قدماك أرض جزيرة جربة التونسيّة الواقعة أقصى الجنوب الشرقي التونسي، تلفتُ نظرك فرادة الطراز المعماري فيها وتميّزه، المُتجسّد بشكل رئيسي أوّلاً في المنازل. فهناك نمط تهيئة عمرانيّة مخصوص تتفرّد به الجزيرة، وهو عبارة عن وحدة معماريّة تتألّف من الحوش الذي يُتّخذ سكناً، تحيط به بعض المرافق الأخرى من مثل: الإسطبل، والبستان، وورشات النسيج والمعصرة.. والمتجسِّد ثانياً في المساجد، التي ناهز عددها 365 مسجداً وفق أكثر الروايات الشفويّة تداولاً في ظلّ غياب أيّ إحصائيات.

والخصوصيّة المعماريّة تجسيدٌ لمجموع الخصائص الثقافيّة والاجتماعيّة والنفسيّة لسُكّان هذه البقعة، كما هي بالنسبة إلى سائر البقاع. وتزداد هذه الخصوصيّة المعماريّة للجزيرة طرافة عندما ندرك أنها نتاج ثقافات وإثنيات وعرقيات متنوّعة، تقاطعت وأثْرت وأثّرتْ وتكاملت. فالجاليات الأوروبيّة التي وفدت إلى أرض الجزيرة، خاصّة من المالطيين الذين برعوا في أعمال البناء، والحضور اليهودي المُبكر، والتواجد العثماني منذ القرن السادس عشر..كلها أثّرت في تطوير نظام بناء المنازل ومنحه فرادة وتميّزاً، لجهة التموضع الجغرافي بعيداً عن السواحل، وتوزّعها بين البساتين والضيعات الصغيرة، ولجهة التحصينات المُعزّزة فيها، وكذلك المرافق التي تضمّها، بما يخلق منها عالَماً مُصغّراً، ومعها اِنصهار الثقافة المحليّة الأمازيغيّة بالمذهب الإباضي[1]، وما يحمله في طياته من تعاليم ومبادئ تتزهّد في الزخرف والتنميق...جميعها أثمرت هذا النظام المعماري في المساجد، التي على الرغم مما وسمها من تباين في الوظائف والمهام - علاوة على وظيفة التعبّد - تكاد تتّفقُ من جهة المكونات والخصائص، فـ"جميع مساجد جربة مبنية على النموذج نفسه ومغطاة، من الداخل والخارج، بطبقة سميكة من الجير. وتتميز بصغر حجمها وبساطتها وزهدها في كل أشكال الترف المعماري"[2]. ولعلّ التقشف وحُسن التصرّف والاكتفاء بما هو موجود من عناصر الطبيعة هو ما يُعدّ من أهمّ سمات سكّان الجزر.

وقد صنّف الباحث "علي الجربي"[3] هذه المنظومة الهائلة من المساجد إلى مجموعات، "وفقاً لمعايير وظيفية تأخذ بعين الاعتبار حجم المبنى ودوره الديني"[4]، فنجد مساجد الدّرجة الأولى، ومساجد الدّرجة الثانية، ومساجد الدّرجة الثالثة، وهي مزيج من مساجد حضريّة تنتشر ضمن التجمعات ذات الكثافة السكانيّة العالية، خاصة في مدينة حومة السوق التي تُعدّ المركز الإداري والاقتصادي للجزيرة منذ قرون، وأخرى ريفيّة تنتشر في الأحواز، بالإضافة إلى المساجد الساحليّة المنتشرة على ضفاف الجزيرة، وقد كانت تُشكّل أساساً خطوطاً دفاعيّة وأبراج مراقبة، وتَنقل إلى بعضها بعضاً شارات الإنذار عند رصد اقتراب ما يُشكّل خطراً مباغِتاً على حياة أهل الجزيرة. إلى جانب ذلك، هناك المُصلّيات العائليّة الموجودة ضمن التجمّعات السكنيّة المعروفة بمُصطلح "المنزل". ولعلّ أكثر ما يشدّ الانتباه حقاً، هي مساجد الحفر المنقورة في باطن الأرض، وهي ظاهرة معماريّة فريدة من نوعها، تثير في الزائر مشاعر الدهشة والاستغراب، وتقدح في ذهنه عشرات الأسئلة التي تظلّ تبحث عن أجوبة.

مسجد الوطا بسدويكش

في مسرب فلاحي يشقُّ غابات الزياتين (الزيتون) الكثيفة، يسير بي "صفوان التلّيلي"، الناشط الثقافي والمهتمّ بتوثيق التراث المادي واللامادي لجزيرة جربة، نحو جامع الوطا الذي يقع على امتداد الطريق الرابطة بين القنطرة الرومانية ومنطقة سدويكش، التي تُعتبر من أقدم التجمعات السكانيّة في الجزيرة، بل وأكثرها ضرباً في القدم. يُحدّثني مرافقي عن "مساجد تحت الأرض"، تلك التي كانت موزّعة عبر مختلف أنحاء الجزيرة، والتي يناهز عددها قرابة العشرين مسجداً... لم يصمد منها سوى اثنين: "جامع الوطا بسدويكش"، و"جامع البرداوي بمزران".

يزداد اِندهاشي ببداعة هندسة المكان وبساطته، فور ولوجي المدرج الذي يقود إلى قاعة مستديرة، تعلوها قبّتان دائريتان، تتخلّلهما كوّات صغيرة ينفذ من خلالها النور. في جوف حائط القاعة محرابان، إشارة إلى التيارين اللذين ينقسم عليهما المذهبُ الإباضي، الوهبيّة، والنكاريّة، حيثُ تتّخذ كلّ مجموعة محراباً لها عندما يحين ميقات الصلاة!

يلفت نظرك وأنت تجول ببصرك، الجُدران التي خُطّت جملاً دعائيّة وعبارات مٌقتضبة بقطع الفحم: (يا ربّ نجّحني، يا ربّ اِشفيلي ولدي، يا ربّ فرِّج كربي...) تختزل كمّاً هائلاً من التمثّلات الاجتماعيّة حول المقدّس.  

ينتهي بنا السير إلى فسحة منبسطة من الأرض يُحوّطها سور قصير أبيض، وتكلّلها من كلّ ناحية أشجار الزياتين، قُبّتان متجاورتان يحذوهما باب صغير يُفضي إلى درج، تظنّ للوهلة الأولى أنّك أمام قبو قديم، سُرعان ما أتبيّنُ أنّه هو الجامع الذي كنّا نقصده. يزداد اِندهاشي ببداعة هندسة المكان وبساطته فور ولوجي المدرج الذي يقود إلى قاعة مستديرة، تعلوها قبّتان دائريتان، تتخلّلهما كوّات صغيرة ينفذ من خلالها النور. 

في جوف حائط القاعة محرابان - وهو من أغرب ما يمكن أن يُلاحظه الزائر - إشارة إلى التيارين اللذين ينقسم عليهما المذهبُ الإباضي، الوهبيّة، والنكاريّة، حيثُ تتّخذ كلّ مجموعة محراباً لها عندما يحين ميقات الصلاة. وعلى الرغم من كون هذا المسجد قد صار شبه مهجور، ولم تعُد تُقام فيه الصلوات نظراً لبعده عن أماكن العُمران، فإنه لايزال محلّ رعاية وصيانة، نظراً لقيمته التاريخيّة العالية، فهو مُشيّدٌ منذ القرن السابع للهجرة، في فترة تاريخيّة اِتّسمت باِشتداد الهجمات الصليبيّة على الساحل الجنوبي للجزيرة. وقد بُني تحت الأرض احتماءً وتخفّياً من خطر الهجوم المباغت، ومن هنا جاءت تسمية "الوطا"، التي تعني في اللهجة المحليّة للجنوب التونسي الأرض. وتكاد لا تنعدم الزيارات إليه، إذ يرتاده السيّاح والسكّان المحليون، وكلّ من يتوق إلى استكشاف هذا المكان الذي يُعدّ تحفة معماريّة فريدة. يلفت نظرك وأنت تجول ببصرك الجُدران التي خُطّت جملاً دعائيّة وعبارات مٌقتضبة بقطع الفحم: (يا ربّ نجّحني، يا ربّ اِشفيلي ولدي، يا ربّ فرّج كربي...) تختزل كمّاً هائلاً من التمثّلات الاجتماعيّة حول المقدّس.

نتّجه غرباً ناحية منطقة آجيم وتحديداً نحو مزران، وهي قرية صغيرة على تخوم الساحل الغربي للجزيرة، وجهتنا مسجد البرداوي الذي يتقاطع وجامع الوطا في جملة من الخصائص، كغياب الصومعة، واِنتصاب بيت الصلاة في جوف الأرض، لكنّه يبدو في وضع أفضل وحُلّة أبهى، إذ يتألّف من ساحة خارجيّة، تضمّ مُدرّجين لإقامة الصلاة، هما على الأرجح إشارة إلى الفرقتين اللتين يضمّهما المذهب الإباضي. يضمّ الجامع كذلك معصرة قديمة بُنيت هي الأخرى تحت الأرض، وغير بعيد من المسجد تترامى مساحات شاسعة من غابات الزياتين، التي تتحد مع زرقة البحر في مشهد بهيج.

هذه الظاهرة الهندسيّة في تصميم المساجد، تطرح عدة إشكالات تحتاج إلى التسلّح بعُدّة نقديّة وأدوات منهجيّة تنهل من دراسات علم الأنتربولوجيا وعلم الآثار وتاريخ الأديان. وأما أهمّ التأثيرات والعوامل التي تقف وراء ظاهرة بناء المساجد تحت الأرض، التي من شأنها أن تقدح اِهتمام البحّاثة وتفتح لهم آفاقاً بحثيّة مهمة، موصولة بهذه المسائل التي نعتبر أنها لا تزال موضوعات بكراً، لم تحظَ بما يكفي من الدرس والتحليل.

في محاولات مقاربة هذه الظاهرة، يقدَّم تأثير المذهب الإباضي الذي شهد كثيراً من التضييق من طرف السلطة المركزيّة الحاكمة، خلال مختلف الدول المتعاقبة على الحكم في إفريقيّا، ومحاولات الاجتثاث والطمس، وتعميم مذهب الطبقة الحاكمة. وهناك تأثير الثقافة الأمازيغيّة حيثُ كانت الكهوف أماكن عبادة للأمازيغ ومواضع للآلهة. وهناك أخيراً تأثير العوامل المناخيّة... 

أمّا في ما يخصُّ هذه العوامل فهي تتوزّع كالتّالي:

  • تأثير المذهب الإباضي:

شهد المذهب الإباضي كثيراً من التضييق من طرف السلطة المركزيّة الحاكمة، خلال مختلف الدول المتعاقبة على الحكم في إفريقيّا، ومحاولات الاجتثاث والطمس، وتعميم مذهب الطبقة الحاكمة، وجعله هو المذهب الرسمي الساري. وهذا ما جعل كثيراً من الباحثين يدعون إلى "ربط بناء هذا النوع من المساجد بالسياق التاريخي الصعب الذي عاشه الإباضيون، وهو ما يفسر استخدامهم لهذه المخابئ تحت الأرض، لا سيما أن فترة الظهور، أو التوطيد السياسي للإباضيين، لم تدم سوى ما يزيد قليلاً عن قرن، لتحل محلها فترة الكتمان - أي السرية - التي طبعت ما تبقى من تاريخ الإباضيين. وتعكس المباني تحت الأرض هذا السياق التاريخي من الناحية المعمارية"[5]. ولعلّ في بناء هذه المساجد وسط غابات الزياتين، بطريقة الحفر تحت الأرض، ما يُساعد حقّاً على التمويه والإخفاء عن أعين الغزاة، وبذلك حمايتها من الاِستهداف.

  • تأثير الثقافة الأمازيغيّة:

يُفسّر البعض ظاهرة بناء مُصلّيات تحت الأرض بأنها اِمتداد لتقليد ثقافي أمازيغي، حيثُ كانت الكهوف أماكن عبادة للأمازيغ ومواضع للآلهة، وتواصل هذا التقليد مع الديانات التوحيديّة التي تعاقبت عليهم. ولمّا كان المذهب الإباضي قد نما وتشكّل ضمن الثقافة الأمازيغيّة بشكل خاص، ووجد فيها حاضنة مهمة اِستطاع أن يستمرّ من خلالها، فلا عجب والحالئذٍ أن تتدعّم ظاهرة بناء المساجد تحت الأرض في تعبير دال على تقاطع الديني مع العرقي والثقافي، وتكون بذلك هذه المساجد مُستجيبة في جوهرها لمعتقد أمازيغي قديم، يؤكّد أن يكون كلّ شيءٍ مُجسِّداً لمعنى الخضوع والسجود لله. ولهذا نلحظ أنّ المساجد تتخذ هيئة السجود لله، وتجسّم في بعض الحالات الأخرى اسم الله، وهي ملاحظة تفطّن إليها كثيرون ممّن قاربوا هذه الظاهرة. ولعلّ هذه النظريّة هي ما يُفسّر تنامي ظاهرة بناء المعاصر ودور العبادة وحتّى المساكن في جوف الأرض، في المناطق الأمازيغيّة التي تمركز فيها المذهب الإباضي. وهنا يمكن أن نُشير إلى مسجد علولة (565 هجري) الواقع وسط هضبة مرتفعة، في جبال دمر في منطقة بني خداش، وجامع النخلة وجامع الكرمة في قرية الدويرات من ولاية تطاوين - وهي من المناطق القليلة التي لا تزال تحافظ على الهويّة الأمازيغيّة - على الرغم من أن لا دليل يؤكّد أنّهما مسجدان إباضيّان

  • تأثير العوامل المناخيّة

يميل قسم كبير من الباحثين إلى إرجاع هذه الظاهرة إلى أسباب مناخيّة بيئيّة أساساً. فالمناخ الجاف شبه الصحراوي للجزيرة، دفع نحو بناء هذه المنشآت تحت الأرض بشكل يجعل منها دافئة شتاء باردة صيفاً، وهو ما يُوفّر أسباب الخشوع في الصلاة من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت معظم هذه المساجد أماكن خاصّة بطلب العلم أو التباحث في مسائل الفقه والفُتيا. نُشير هنا مثلاً إلى غار مجماج (القرن الرابع الهجري)، وهو ما يستوجب المكوث فيه فترات تقصر أو تطول، ومن الطبيعي أن تكون هذه المساجد مهيأة لذلك.

إنّ كافّة هذه النظريات تظلّ كلّها مجرّد فرضيات واحتمالات، تحتاج إلى مزيد من التمعّن والنظر والتمحيص، وتظلّ هذه المساجد ظاهرة معماريّة فريدة ومميّزة، وشاهداً على مرحلة تاريخيّة مهمّة عاشها المذهب الإباضي في شمال إفريقيا، ألا وهي "مرحلة الكتمان"، التي حاول خلالها الإباضيون الحفاظ على استمرارية المذهب ونشر تعاليمه بعيداً عن قبضة السلطة المتربّصة به.

______________

  1. - مذهب اسلامي ينسبه البعض الى الخوارج، على الرغم من نفي الاباضيين لهذه الصفة. منتشر في عُمان وفي بعض الانحاء من ليبيا وتونس.
  2. Zouhair Teghlet, Les manifestations de la croyance religieuse dans l’architecture ibadite L’exemple de Djerba, p.62
  3. Ali Djerbi , L’Architecture vernaculaire de Djerba, Tunis, R.M.R. Editions, 2011, cité par Zouhair Teghlet dans son article « Les manifestations de la croyance religieuse dans l’architecture ibadite L’exemple de Djerba », p.62
  4. Zouhair TEGHLET, Les manifestations de la croyance religieuse dans l’architecture ibadite L’exemple de Djerba, p.62
  5. Zouhair TEGHLET, Les manifestations de la croyance religieuse dans l’architecture ibadite L’exemple de Djerba, p.69

مقالات من تونس

للكاتب/ة

دار الجيلاني في جربة، جماليّة المعمار وصخب التراث

ضو سليم 2025-12-16

المشروع في جوهرهِ تجسيد واضح لمبادرة الاقتصاد الاجتماعي التضامني، التي ترمي إلى وضع استراتيجية واضحة تمكِّن من الاستغلال الأمثل للموارد المادية والبشرية، وتقاوم هنّات المنوال الليبرالي ونقائصه الفادحة على مستوى...

القيروان أمُّ المدائن ورابعة الثلاث

ضو سليم 2023-05-18

للمولد في مدينة القيروان رونقه الخاصّ وطعمه المميّز، فالمدينة تُعدُّ من أوّل العواصم الإسلاميّة بشمال إفريقيا، وكانت مركز ومنطلق الفتوحات نحو بلاد المغرب والأندلس وأجزاء من البحر الأبيض المتوسّط، وفيها...