الزمن الأوروبي الذي أنهك المغاربة

لا يمكن قراءة أزمة هذا التوقيت الصيفي المستمر في المغرب، بوصفها مجرد تذمر شعبي من الاستيقاظ المبكر، بل يكمن جانبها العميق في كونها قضية "اقتصاد سياسي للزمن"، وتكثيفاً لصراع خفي بين "زمن السوق"، حيث يتجسد الوقت كأداة للإنتاج والاندماج المالي، و"زمن المغاربة" حيث يحضر الوقت باعتباره إيقاعاً طبيعياً يحكم الجسد والمعيش اليومي.
2026-04-25

سعيد ولفقير

كاتب وصحافي من المغرب


شارك
احتجاجات على الساعة الاضافية في المغرب

في أواخر عام 2018، استيقظ المغاربة على مرسوم حكومي مفاجئ، يقضي باعتماد "الساعة الإضافية" (GMT+1) توقيتاً رسمياً للبلاد طوال العام باستثناء شهر رمضان، ملغياً بذلك العودة المعتادة إلى التوقيت الشتوي. تمحورت المبررات الرسمية التي رافقت هذا القرار حول "الاقتصاد في استهلاك الطاقة" وتقليص الفاتورة النفطية. لكن بمرور السنوات، تآكلت هذه الحجة التقنية أمام واقع يومي، أثبت أن فاتورة هذا القرار تُدفع من الرصيد البيولوجي والنفسي والاجتماعي للمغاربة.

لا يمكن قراءة أزمة هذا التوقيت الصيفي المستمر في المغرب بوصفها مجرد تذمر شعبي من الاستيقاظ المبكر، بل يكمن جانبها العميق في كونها قضية "اقتصاد سياسي للزمن"، وتكثيفاً لصراع خفي بين "زمن السوق"، حيث يتجسد الوقت كأداة للإنتاج والاندماج المالي، و"زمن المغاربة" حيث يحضر الوقت باعتباره إيقاعاً طبيعياً يحكم الجسد والمعيش اليومي. لذا، لا تغدو الحملات المجتمعية المتجددة المناشِدة بإلغاء هذه الساعة بوصفها مطالبة بالراحة، بقدر ما هي مقاومة مدنية لاسترجاع السيادة على التفاصيل اليومية للمواطن، في مواجهة سياسات الهندسة الاجتماعية والاقتصادية المفروضة من الأعلى.

مقالات ذات صلة

ويطرح هذا الانتقال القسري إلى توقيت لا يتوافق مع الجغرافيا المحلية للبلد تساؤلات عميقة عن حدود سلطة الدولة على الإيقاع الحيوي لمواطنيها، وعن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه السياسات النيوليبرالية في تسليع الزمن، وإخضاعه لمنطق الربح والخسارة، بعيداً عن أي اعتبار للصحة العامة أو التماسك الاجتماعي والمعيشي للمغاربة.

"أورَبة" الزمن المغربي

لفهم الجذور الحقيقية لقرار الإبقاء على الساعة الإضافية، يجب تفكيك السياق الاقتصادي الذي يُراد للمغرب أن يتموقع فيه، إذ لم يكن القرار البيئي المتعلِّق باقتصاد الطاقة سوى واجهة لقرار اقتصادي هيكلي يهدف إلى "أوربة" الزمن المغربي، في سياق تبرير رسمي ركز على ترشيد الطاقة. لكن الواقع يشير إلى أن هذا الأمر مرتبط بمتطلبات التزامن مع الشركاء الأوروبيين. فالجغرافيا الطبيعية تضع المغرب في خط الطول الذي يطابق توقيت غرينتش (GMT)، لكن الجغرافيا الاقتصادية الجديدة التي رسمتها السياسات النيوليبرالية تقتضي شيئاً آخر تماماً. فقد راهن المغرب خلال العقدين الأخيرين على نموذج اقتصادي مبني على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة في قطاعات التصدير ذات القيمة المضافة المتوسطة من مثل: صناعة السيارات، وأجزاء الطائرات والنسيج، ومراكز النداء والاتصال (call centers)، وذلك ضمن ما يعرف بترحيل الخدمات العابرة للحدود "الأوفشورينغ".

يقتضي هذا النموذج اندماجاً تاماً في "سلاسل التوريد العالمية"، التي تتمركز إدارتها وتوجيهها في أوروبا، ويمثِّل بالنسبة إلى الرأسمال الأوروبي والمستثمِر الأجنبي هذا الفارق الزمني تكلفة للمعاملات، إذ إن تأخير ساعة (أي اعتماد التوقيت الطبيعي للبلد) يعني خسارة ساعة من التواصل المباشر والآني، وتأخيراً في حركة النقل واللوجستيك، وعدم تناغم في جداول التسليم الفوري . لذا، جاء ترسيم الساعة الإضافية كاستجابة عملية لضغوط الأقلية الاقتصادية المتحكِمة في البلد، والشركاء الاقتصاديين في الضفة الشمالية للمتوسط، حيث طُلب من المواطن المغربي أن يضبط ساعته البيولوجية والاجتماعية لتتطابق مع توقيت باريس وبرلين ومدريد، حتى تستمر عجلة الإنتاج  والتصدير والخدمات عن بعد من دون انقطاع.

يرتبط أمر الساعة الإضافية بمتطلبات التزامن مع الشركاء الأوروبيين. فالجغرافيا الطبيعية تضع المغرب في خط الطول الذي يطابق توقيت غرينتش (GMT)، لكن الجغرافيا الاقتصادية الجديدة التي رسمتها السياسات النيوليبرالية تقتضي شيئاً آخر تماماً.

راهن المغرب خلال العقدين الأخيرين على نموذج اقتصادي مبني على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، خاصة في قطاعات التصدير ذات القيمة المضافة المتوسطة، من مثل: صناعة السيارات، وأجزاء الطائرات والنسيج، ومراكز النداء والاتصال (call centers) وذلك ضمن ما يُعرف بترحيل الخدمات العابرة للحدود "الأوفشورينغ". 

تكمن  مفارقة هذا القرار في أن هذا الاندماج النيوليبرالي يتعامل مع الزمن كـ "سلعة" مجرَّدة قابلة للتعديل والتطويع بمرسوم حكومي، متجاهلاً المعطيات الجغرافية والمناخية المعقدة، خاصة في فصل الشتاء، فالقرار الذي اتُخذ لخدمة أقلية مستثمِرة وقطاعات محددة، فُرضت تكلفته على الأغلبية العاملة، وتم اقتطاع جزء من الحق الطبيعي للمغاربة في ضوء النهار، وتقديم زمنهم البيولوجي كقربان لضمان تنافسية الاقتصاد، مما يعكس بوضوح مدى تغول السياسات النيوليبرالية في أن تمتد لتصادر حتى أبسط المتطلبات الكونية مثل شروق الشمس وغروبها.

زمنٌ مُنهِكٌ

يمارس هذا القرار الحكومي ما يمكن وصفه بـ"العنف" تحت وطأة الزمن على أجساد المغاربة، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة، ففرض توقيت لا يتناسب مع دورة الشمس يولد حالة من الاغتراب الزمني، حيث يعيش المغربي في "توقيت مستقبلي" لا يطابق واقعه الجغرافي. وتتجلى أقسى صور هذا العنف خلال فصلي الخريف والشتاء، حيث يضطر الملايين من العمال المياومين، وعمال المصانع والمستخدَمين لمغادرة منازلهم في جنح الظلام الدامس وتحت قساوة الصقيع. وتتضاعف هذه الوطأة بالنسبة إلى تلاميذ المدارس العمومية في القرى والمناطق شبه الحضرية، التي تعيش في بنية تحتية هشة، وغالباً ما تنعدم الإنارة العمومية ووسائل النقل الآمنة.

في هذا السياق، أثبتت تقارير علمية أن الحرمان المزمن من النوم الكافي للناشئة، وإجبارهم على بدء التحصيل العلمي قبل شروق الشمس، يؤدي إلى اضطرابات في التركيز، وضعف في الاستيعاب، وزيادة ملحوظة في معدلات العدوانية والهدر المدرسي. فالتكلفة التربوية هنا تتجاوز بأشواط أية مكاسب مفترضة لقطاع التصدير.

منذ عام 2018، تتجدد مع كل دخول مدرسي وفصل شتاء حملات واسعة، رقمية وميدانية، تطالب بـ "إسقاط الساعة الإضافية". وما بدأ كاحتجاجات قادها تلاميذ المدارس في عدة مدن مغربية عام 2018، تحول لاحقاً إلى تعبئة مجتمعية متراكمة تجسدت في هاشتاغات موسمية ونقاشات عمومية غاضبة، ولا يمكن اختزال هذه الحملات في رغبة جماعية للاستفادة من ساعة نوم إضافية، بل يكمن في جوهرها شكل حديث من أشكال المقاومة المدنية.

من زاوية جندرية، يقع العبء الأكبر من هذه السياسة الزمنية على كاهل النساء، فالأم المغربية العاملة تجد نفسها في صراع يومي مع الزمن لتنظيم شؤون الرعاية المنزلية وإعداد الأطفال للمدارس في أوقات غير طبيعية. إضافة إلى ذلك، فإن خروج النساء إلى العمل في ساعات الفجر المظلمة يضاعف من المخاطر الأمنية وحوادث السرقة والتحرش في الفضاء العام.

وتفترض سياسة "الساعة الإضافية" ضمنياً وجود مواطن "مجرد" و"جاهز للعمل"، من دون التفات إلى تفاصيل الرعاية والهشاشة الجسدية والأمنية، وهي تفاصيل تتكبدها النساء بشكل يومي ومباشر، إذ تُستنزف الصحة النفسية للمجتمع، في سباق مرهق ضد عقارب ساعة تم فرضها قسراً. ولا يقتصر هذا الاستنزاف على الجانب البدني، بل يمتد ليشمل الإيقاع النفسي للأفراد والأسر، إذ يتم تفتيت اللحظات الأسرية الصباحية الهادئة واستبدالها بحالة من التوتر الدائم، مما يؤدي بمرور الوقت إلى نشأة مجتمع "مرهَق مزمن"، يعمل بطاقة منخفضة وإنتاجية مشتتة، وهو ما يقوِّض الحجة الاقتصادية الأساسية التي بُني عليها القرار من الأصل، إذ إن الجسد البشري لا يمكن برمجته كما تُبرمج خوارزميات التداول في البورصات والأسواق العالمية.

العريضة هي الحل؟

لم يقف المغاربة مكتوفي الأيدي أمام هذا الوضع. فمنذ عام 2018، تتجدد مع كل دخول مدرسي وفصل شتاء حملات واسعة، رقمية وميدانية، تطالب بـ "إسقاط الساعة الإضافية". وما بدأ كاحتجاجات قادها تلاميذ المدارس في عدة مدن مغربية عام 2018، تحول لاحقاً إلى تعبئة مجتمعية متراكمة تجسدت في هاشتاغات موسمية ونقاشات عمومية غاضبة، ولا يمكن اختزال هذه الحملات في  رغبة جماعية للاستفادة من ساعة نوم إضافية، بل يكمن في جوهرها شكل حديث من أشكال المقاومة المدنية وتعبير صارخ عن أزمة ثقة وعطب في آليات الديمقراطية التشاركية.

تجد الحكومة المغربية نفسها اليوم في مأزق. فمن جهة هناك ضغط شعبي كاسح يرى في الساعة الإضافية "لعنة" يومية، ومن جهة أخرى هناك التزامات تقنية واقتصادية تجاه الشركاء الأوروبيين الذين يفضلون بقاء المغرب في مدارهم الزمني. ويعكس هذا العجز عن "فك الارتباط" ضعف النموذج التنموي، الذي يرى في "المزامنة مع الخارج" شرطاً وحيداً للنجاح.

في هذا السياق، اختار نشطاء مغاربة نقل النقاش من السوشال ميديا إلى أرض الواقع عبر التوقيع على عرائض قانونية. فقد أكدت الحملة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية أنها ستطلق عريضة قانونية جديدة لجمع توقيعات المواطنين للمطالبة بالعودة إلى التوقيت الطبيعي المعتمد على غرينيتش (GMT)، بعدما تجاوزت العريضة الإلكترونية المصاحبة 300 ألف توقيع، ما يعكس موجة تفاعل مجتمعي واسعة مع الملف.

وقد كَثَّفت اللجنة الوطنية المكلفة بتقديم العريضة، في الأيام الأخيرة من مارس وأوائل أبريل 2026، مسارها المؤسساتي والقانوني، إذ أعلنت عن أن الملف دخل مرحلة جديدة، تشمل جمع التوقيعات القانونية (5000 توقيع كحد أدنى) وتقديم ملف مفصل للجهات الحكومية الرسمية. بالموازاة، دخل ملف إلغاء الساعة الإضافية مرحلة حاسمة، مع توجّه الحملة إلى الضغط المؤسسي عبر البرلمان والمجالس الدستورية.

تبعية زمنية

يكشف الإصرار الحكومي على الإبقاء على هذا التوقيت عن "التبعية الزمنية" التي يخوضها صناع القرار السياسي المغربي تجاه المركز الأوروبي، وهو ما يجعل هذه المسألة أقرب إلى تدبير بيوسياسي للزمن منه أكثر من مجرد ترتيب إداري.

ويبدو أن الحكومة المغربية تجد نفسها اليوم في مأزق. فمن جهة هناك ضغط شعبي كاسح يرى في الساعة الإضافية "لعنة" يومية، ومن جهة أخرى هناك التزامات تقنية واقتصادية تجاه الشركاء الأوروبيين الذين يفضلون بقاء المغرب في مدارهم الزمني. ويعكس هذا العجز عن "فك الارتباط" ضعف النموذج التنموي الذي يرى في "المزامنة مع الخارج" شرطاً وحيداً للنجاح، متجاهلاً أن دولاً اقتصادية كبرى مثل روسيا وتركيا قد تراجعت عن تجارب مشابهة، بعدما أدركت أن التكلفة المجتمعية تتجاوز المكاسب المادية.

إن غياب دراسات تقييمية شفافة ومستقلة للأثر "الإيجابي" لهذه الساعة منذ عام 2018 يزيد من حدة الاحتقان، إ ذ تكتفي السردية الرسمية بوعود مبهمة حول توفير الطاقة، في حين يشير الواقع إلى أن الاستهلاك الطاقي المنزلي قد يرتفع بسبب الحاجة للتدفئة والإنارة المبكرة في الصباحات المظلمة.

يعبر هذا الوضع عن ضرب من ضروب "العناد" الحكومي، الذي يرفض الاعتراف بالخطأ. ويعمِّق هذا التوجه الفوارق الطبقية داخل المجتمع، إذ تنعم النخبة القادرة على تكييف وقتها ووسائل نقلها بمرونة أكبر، بينما يظل عموم المغاربة رهينة توقيت "قسري" يستنزف قواهم قبل بدء يومهم العملي.

ومحصلة القول أن الإبقاء على هذا التوقيت ينسف وظيفة "الزمن" كرابط اجتماعي ومعيشي، لذا، يشعر المواطن أن الدولة تجاوزت نوعاً ما سلطتها لتتدخل في دورته البيولوجية. وبالتالي فإن التراجع عن هذه الساعة لا يمثل لمعارضيها هزيمة للحكومة، بقدر ما هو انتصار لـ "زمن الإنسان" المعيشي في مواجهة توحش "زمن السوق"، بغية إعادة قيمة المواطِن ضمن أولويات السياسات الحكومية.

مقالات من المغرب

السلام خارج الأمم المتحدة.. كيف أدخلت واشنطن المغرب إلى هندسة جديدة لإدارة الحروب

بنى المغرب جزءاً مُهمّاً من صورته الدولية على الالتزام بالشرعية الأممية، وعلى الدفاع عن الحلول السياسية متعددة الأطراف. لكنه يجد نفسه اليوم داخل إطار تقوده قوة عظمى أعلنت صراحة، عن...

للكاتب/ة

"المستشفى أولاً والملعب عاشراً": جيل زد المغربي يرفض الأولويات الحكومية

كثيراً ما يُوصف شباب هذا الجيل بأنهم يفتقرون إلى النزعة التأطيرية الكلاسيكية، ويَنْزعون إلى الانفعالية والعنفوان، ويحتجون من دون تبنيهم لمشروع مجتمعي مؤطَر أو رؤية ناضجة. لكن يحضر خلف هذا...