حربٌ واحدة تتجدد

دُفِنت أمي في بلد بارد لا تعرفها أرضه، وعشتُ أنا أبحثُ عن أرض تشبهني و فشلتُ في كل مرة. كنت أظنه قدراً علينا أن نتقبله، لكنني اليوم أدرك أكثر من أي وقت مضى، أنه ليس قدراً، بل صنيعة، استهداف مباشر لكل واحد فينا، لوجودنا، لولادتنا، لأرضنا الممتدة، لارتباطنا بها. وكلما فشلت الحرب في إبادتنا، اختلقت الاختلاف، فحملنا نحن سكاكين نغرسها في قلوب بعضنا البعض، من دون أن نعي بأننا نغرسها في الوقت نفسه في قلوبنا نحن، وقلوب أولادنا وأولاد أولادنا.
2026-04-23

ديمة ياسين

كاتبة صحافية، من العراق


شارك
بغداد في 2003 تحت القصف الامريكي

وُلدتُ في بيروت في بداية الحرب الأهلية. كانت رائحة المتوسط هي الرائحة الأولى التي عرفتها بعد رائحة أمي. عندما عدتُ إلى بيروت وأنا امرأة، بعد أن تركتها طفلة، بحثتُ عن البيت الذي سكَنته العائلة. كنت أجوبُ شوارع المدينة مع صديقتي التي أهدتني إياها بيروت أيضاً، وهي تحاول أن تلملم حيرتي. عندما وجدتُ البناية، وقفتُ أمامها طويلاً ثم أرسلت صورتها إلى أمي، فأكدتْ لي أنني وصلت. لم أدخل إلى البناية، بل لم أحاول الدخول، فقد كان الوصول بالنسبة إليّ كافياً لأتتبع ذلك الخط الوهمي إلى شاطئ المتوسط. ركضتُ إليه متلهفة، ولم أتردد ثانية. وما أن بللتْ مياهه قدميّ حتى شعرتُ بالعودة الكاملة حيثُ بدأ كل شئ، حيث بدأتُ أنا.

"لبنانية حلوة وحبابة"، كانت عائلتي تمازحني طوال الوقت بهذه الجملة، التي أخبروني بأنني كنت أرددها وأنا طفلة، ما أن بدأتُ بتكوين جمل بسيطة، طفلة لم يكسرثقتها العالم بعد. كنت أرددها بلهجة لبنانية مخلوطة باللهجة العراقية، كانت جديرة بأن تثير ضحك الكبار فيلحون على سؤالي: أكثر "إنتِ من وين؟".

اشتدَّت الحرب في لبنان، ومعها تكررتْ زياراتنا إلى الملاجئ. كانت أمي حاملاً بأخي الأصغر عندما قرر والدي أن يعود بنا إلى العراق. لا أذكر رحلة العودة، لكنني أذكر جيداً بأنني حافظتُ على إجابتي على سؤال الكبار لسنوات، حتى تلاشى السؤال ومعه ثقة الإجابة. ظننتُ دائماً أن الحرب في لبنان ستنتهي قريباً وسنعود إلى بيتنا في بيروت. عندما بدأتْ حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران، عشتُ بعدها سنوات طويلة وفي داخلي هاجسٌ لا يفارقني بأن الحروب تلاحقني. كنت أرددها بمزاح: "ربما أنا السبب، أنا آتي بالحروب أينما ذهبتُ". كان جزء مني يصدِّقها، حتى اكتشفتُ بأن الهاجس نفسه كان مرافقاً لكثيرين من أبناء جيلي، وربما من الأجيال التي تلتنا من أبناء المنطقة. فالحروب كانت تلاحقنا فعلاً كأنها القدر، ما أن تنتهي واحدة حتى تبدأ أخرى.

عندما بدأ الاعتداء الأخير على لبنان، أصابني الخرس، ثم الرعب، ثم استسلمتُ لحزن عميق لا زلتُ لا أقوى على التخلص منه. لا زلتُ أبحثُ كل يوم عن تذاكر سفر تأخذني الى أرض بدايتي، علني إنْ وصلتُ إلى هناك أستطيع التخلص من هذا الثقل الجاثم على قلبي، ذاك الإحساس الرهيب بذنب النجاة والعجز الذي ينتابني كلما أدركتُ أني أعيش في أمان.

ارتبطتْ عائلتي ارتباطاً قوياً بلبنان وإن كان عن بعد، ربما لأنهم خسروا في الحرب الأهلية أصدقاء أحبوهم، فبقيت ذكرياتهم وهم أحياء مرتبطة بالمكان، ربما لأنهم شعروا بأنهم غادروها على عجل هرباً من الحرب من دون رغبة حقيقية منهم، وبالتأكيد لأن للبنان أثراً وروحاً لا يغادران من يعيش فيه أبداً. كبرتُ في بيتٍ يسمع الأغاني اللبنانية السبعينية بكثافة، وتختلط فيه رائحة الأكلات اللبنانية بتلك العراقية طوال الوقت، والكثير الكثير من الصور، صور للبحر والجبل والأصدقاء. انتهت حرب الثماني سنوات مع إيران وبدأت حرب الخليج الأولى عام 1991، و حرب لبنان كانت تسحب أقدامها سحباً، كأنها قدر يأبى الرحيل.

مقالات ذات صلة

كانت شوارع بغداد مظلمة، بينما سماؤها تنيرها القنابل والصواريخ ومضادات الصواريخ، "تشبه شجرة عيد الميلاد" كما صرح مبتهجاً بقتلنا رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي في حرب الخليج الثانية. وفي إحدى تلك الليالي التي اشتد فيها القصف، سمعنا طرقاً على باب بيتنا الداخلي. من سيأتينا في هذه الساعة من الليل وتحت كل هذا القصف؟ فتح والدي الباب الخشبي لغرفة الضيوف، التي قررنا أن تكون مأوانا الجماعي في الحرب، لنضمن موتنا أو نجاتنا معاً في حال وجدنا أحد صواريخ التحالف. كان لغرفة الضيوف، مثل معظم بيوت بغداد آنذاك، مدخلٌ صغيرٌ به بابٌ خشبي يؤدي إلى حديقة المنزل الخارجية. سمعنا صوت والدي يأتي من المدخل صائحاً بتعجب فَرِح: "لك عبدو إش جابك؟! كيف وصلت إلى هنا يا مجنون؟". ركضنا نحوه لنجد رجلاً طويلاً ونحيفاً خط الشيب شعره الخفيف، تملأ الضحكة وجهه، يحتضن والدي و ويطبطب بدفء على ظهره، ويردد بلهجة لبنانية حلوة: "جيت أتطمن عنكن يا صديقي العزيز". بينما والدي يردد وهو يضحك: "مجنون.. مجنون".

كبرتُ في بيتٍ يسمع الأغاني اللبنانية السبعينية بكثافة، وتختلط فيه رائحة الأكلات اللبنانية بتلك العراقية طوال الوقت، والكثير الكثير من الصور، صور للبحر والجبل والأصدقاء. انتهت حرب الثماني سنوات مع إيران وبدأت حرب الخليج الأولى عام 1991، و حرب لبنان كانت تسحب أقدامها سحباً، كأنها قدر يأبى الرحيل.

ظننتُ دائماً أن الحرب في لبنان ستنتهي قريباً، وسنعود إلى بيتنا في بيروت. عندما بدأتْ حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران، عشتُ بعدها سنوات طويلة وفي داخلي هاجسٌ لا يفارقني بأن الحروب تلاحقني. 

ملأ هذا "المجنون" بيتنا بدفء عجيب، كنا نتحلق حوله كأنه نسمة هواء صافية أنعشتنا تحت سماء تمطر علينا بصواريخ 30 دولة قررت أننا، نحن من نسكن تلك الرقعة الجغرافية من العالم فقط، نستحق العقاب الجماعي. كان وجهه النحيل الضاحك يومض في ضوء الشموع، وكان إخوتي الكبار ينادونه بـ"عمو عبدو"، وهو يمازحهم ويضحك معهم، كنت أراقبه من بعيد عندما نظر إليّ مبتسماً: "بعدك لبنانية حلوة وحبابة ولا كبرتِ ونسيتينا؟". كل ما أذكره يومها أن أمي وأبي حاولا قدر إمكانهما أن يفهما كيف وصل صديقهما القديم عبدو من لبنان إلى بغداد، من حربٍ إلى حربٍ أكثر جنوناً، إلا أنه لم يجب سوى بابتسامة هادئة يشوبها مكرٌ محبب. لم يبق عمو عبدو معنا طويلاً، غادرنا بعد فترة قصيرة رافضاً البقاء، ليعود إلى حربٍ أخرى لم تكتمل تماماً بعد، لكنه ترك لنا قصةً فرحة رددناها لأيام قبل أن نعود إلى قصص الصواريخ و القنابل. بقي ذاك الرجل الطويل النحيل، الذي ظهر في منتصف ليلة قصف عنيفة، ليطمئن على أصدقائه، ويعود إلى بلده الغارق في الدم هو الآخر، شبحاً طيباً في مخيلتي. لا أعرف لماذا تخيلتُ أنه أتى ماشياً على قدميه، عابراً الحدود بخطواتٍ كبيرة كشبح لا يراه أحد، حتى وصل إلى باب بيتنا. ظهر وكأن لبنان الذي كانت تفاصيله قد بدأت تذوي من ذاكرتي، قد تجسد أمامي في بغداد تلك الليلة.

حرب واحدة تتجدد

آخر مرة كنت فيها في لبنان كانت 2019. كانت بيروت تضج بالمظاهرات ضد الفساد، حتى مع وجود الانقسام المعهود في الشارع، كان هناك إحساس جمعي بالوحدة، بأن هناك إمكانية للبنان واحد لا تقف فيه الطوائف والمذاهب في مواجهةٍ مع بعضها. تنقلتُ في تلك الرحلة بين بغداد وبيروت كأنني أبحث عن جذوري التي اقتُلعتْ رغماً عني من هذين البلدين الذَين ربطتني بهما البدايات كما الحروب. جبت شوارع بيروت، بحثت عن بيتي الأول، والمستشفى التي أبصرتُ فيها النور، وأول شاطئ "تعمدت" في مياهه، وربما عن بقايا من نفسي على جدران المدينة. في بغداد بحثت عن مدرستي، عن بيت جدي، عن بيت العائلة الذي آوانا في السلم والحرب، والذي زارنا فيه عمو عبدو، عن نخلتيه اللتين زَرعت فسائلهما أمي في الحديقة، فلم أجد البيت ولا النخلتين. كانت بغداد أيضاً تضج بالتظاهرات ضد الفساد، وكان اسم بيروت يتردد في بغداد مثلما يتردد اسم بغداد في شوارع بيروت. مدينتان عرفتا الحرب والفوضى معاً، وأنا عرفتهما كجزئين من نسيج روحي. 

كانت شوارع بغداد مظلمة، بينما سماؤها تنيرها القنابل والصواريخ ومضادات الصواريخ، "تشبه شجرة عيد الميلاد" كما صرح مبتهجاً بقتلنا رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي في حرب الخليج الثانية.

لم يبق عمو عبدو معنا طويلاً، غادرنا بعد فترة قصيرة رافضاً البقاء، ليعود إلى حربٍ أخرى لم تكتمل تماماً بعد، لكنه ترك لنا قصةً فرحة رددناها لأيام قبل أن نعود إلى قصص الصواريخ والقنابل. بقي ذاك الرجل الطويل النحيل، الذي ظهر في منتصف ليلة قصف عنيفة ليطمئن على أصدقائه، ويعود إلى بلده الغارق في الدم هو الآخر، شبحاً طيباً في مخيلتي. 

عندما حدث انفجار المرفأ في الرابع من آب/ أغسطس في بيروت، وخز الألم قلبي فكرهت بلد لجوئي البعيد الآمن. وعندما بدأ الاعتداء الأخير على لبنان، أصابني الخرس، ثم الرعب، ثم استسلمتُ لحزن عميق لا زلتُ لا أقوى على التخلص منه. لا زلتُ أبحثُ كل يوم عن تذاكر سفر تأخذني إلى أرض بدايتي، علني إنْ وصلتُ إلى هناك أستطيع التخلص من هذا الثقل الجاثم على قلبي، ذاك الإحساس الرهيب بذنب النجاة والعجز الذي ينتابني كلما أدركتُ أني أعيش في أمان. الحرب لم تلاحقني هنا، على الرغم من أنها لاحقت جذوري وشكلت قصة حياتي كلها. لكنها لاحقت بشراً يشبهونني لم ينجوا كما نجوتُ أنا، ولم تأتِ في طريقهم صدفة أنقذت حياتهم كما صادفتني أنا. لا فرق بيننا، سوى أن الصدفة جعلت مني محظوظة ناجية من 3 حروب، وآلاف من كسرات القلب التي لا تزال تحدث. 

____________
من دفاتر السفير العربي
عشـرون عامـاً على الحرب على العـراق
____________

أنا واحدة من ملايين البشر الذين دفعتهم الحروب إلى البحث عن بلدانٍ بديلة لن تصبح ابداً أوطاناً. تركتُ دفتر مذكراتي الذي كتبت فيه يوميات الحرب في بغداد، تماماً مثلما تركتْ أختي الأكبر مني دفتر مذكراتها عن يوميات الحرب الأهلية في بيروت. دفنتُ أمي في بلد بارد لا تعرفها أرضه، وعشتُ أنا أبحثُ عن أرض تشبهني و فشلتُ في كل مرة. كنت أظنه قدراً علينا أن نتقبله، لكنني اليوم أدرك أكثر من أي وقت مضى، أنه ليس قدراً، بل صنيعة، استهداف مباشر لكل واحد فينا، لوجودنا، لولادتنا، لأرضنا الممتدة، لارتباطنا بها. ليست الحرب من تلاحقنا، بل ذلك الحقد الغريب الذي يخص العدو به هويتنا بالتحديد، ويوهمنا بخبثٍ قذر بأنه يفضِّل أحدنا على الآخر، فيما يودُ محوَنا جميعاً بضربة واحدة. كلما فشل في إبادتنا، اختلق الاختلاف، فحملنا نحن سكاكين نغرسها في قلوب بعضنا البعض، من دون أن نعي بأننا نغرسها في الوقت نفسه في قلوبنا نحن، وقلوب أولادنا وأولاد أولادنا. نحيي هذه الأيام الذكرى ال51 لبداية الحرب الأهلية في لبنان، والذكرى ال23 للاحتلال الأمريكي للعراق. نحييها ونحن مدركين تماماً أن الحرب ضدنا لم تمتْ، هي فقط تتجدد بموجات جديدة أكثر قذارة من سابقاتها. ولا نزال، على الرغم من حتمية وعينا بذلك، نرد عليها بالانقسام.

لا فرق بيننا، سوى أن الصدفة جعلت مني محظوظة ناجية من 3 حروب، وآلاف من كسرات القلب التي لا تزال تحدث. أنا واحدة من ملايين من البشر الذين دفعتهم الحروب إلى البحث عن بلدانٍ بديلة لن تصبح ابداً أوطاناً.

في آخر مرة وقفتُ على شاطئ المتوسط في بيروت، التقطتُ من دون وعي تام خشبة صغيرة كانت مدفونة بين رماله، وبدأتُ بالكتابة على الرمل. كنت أكتب جملاً للبحر فيمحوها بأمواجه أحياناً، ويترك بعضاً منها أحياناً أُخر، كأنه يجيب على أسئلتي ويبادلني الحديث. كتبتُ له يومها أعده بالعودة قريباً، لكنني أخلفتُ الوعد. كم أتمنى اليوم لو أني ألححت على عمو عبدو ليعلمني كيف مشى من بيروت إلى بغداد كالشبح، ودق بابنا تحت القصف ليطمئن على أصدقائه، ليته علمني!

مقالات من العراق

موسم الهجرة إلى الحرب... "توابون جدد" و"وطنجية" على جبهات الرأي العام

بين "التوابين" و"الوطنجية"، ينفجر انقسام جيل حاول بناء هوية وطنية، ليعود في زمن الحرب الإقليمية إلى اصطفافات تعيد تعريفه بين الدين والدولة، فيما تتآكل شرعية القوى الشيعية وتتقدّم الفصائل كبديل......

للكاتب/ة

"ما الذي بينك وبين الله يا بان؟"

ديمة ياسين 2025-08-19

السؤال الأكثر ترديداً على منصات التواصل الإجتماعي في العراق، منذ تفجُّر حادثة الطبيبة الراحلة بان زياد هو: "ما الذي بينك و بين الله يا بان، الذي جعل موتك يُطلِق فينا...