غلاف "ليسبريسو" الإيطاليّة والهوس الإسرائيلي بالصورة

وجهها في الصورة عليه علامات الاضطراب والألم، ووجهه عليه علامات سخرية "ضبْعيّة" منتشِية، جاهزة للنهش. في أسفل الصورة هذه، وبالخطّ العريض، كتبت كلمة واحدة: "L'ABUSO" - الاعتداء.
2026-04-15

شارك
جزء من صورة غلاف مجلّة "ليسبريسو" الإيطالية الصادرة في 10 نيسان/ أبريل 2026.

هو مستوطن شاب يرتدي، إلى جانب لباسه الزيتي والجعب والسلاح، "الكيباه" على رأسه وينزل خصلتين من الشعر على صدغيه دلالة على انتمائه لجماعات المستوطنين الأرثوذكس. يمتشق هاتفه المحمول، وبابتسامة عريضة تُظهِر كلّ أسنانه، يتابع تصوير الشخص الثاني في الصورة: امرأة فلسطينية تنظر بعيداً عنه. الفرق بين ملامحهما صاعق: وجهها عليه علامات الاضطراب والألم، ووجهه عليه علامات سخرية "ضبْعيّة" منتشِية، جاهزة للنهش. في أسفل الصورة هذه، وبالخطّ العريض، كتبت كلمة واحدة: "L'ABUSO" - الاعتداء.

كان هذا غلاف مجلة "ليسبريسو"، إحدى مجلات إيطاليا الأعرق والأشهر، الصادرة في 10 نيسان/ أبريل 2026، وقد تلا إصدارها موجة جدلٍ تحولت إلى أزمة ديبلوماسية بين دولة الاحتلال الإسرائيلي وإيطاليا. سارع السفير الإسرائيلي في إيطاليا، جوناثان بيليد، إلى كتابة منشور على موقع "إكس" يدين فيه ما سمّاه "الاستخدام المتلاعِب" للصورة على غلاف المجلة، مدّعياً أنها "تشوه" ما سمّاه "الواقع المعقّد"، و"تروّج للصور التنميطية والكراهية"، محاضِراً الصحافة الإيطالية حول "معايير الدقة" - ما يقصد به غالباً أن الصحافة لا تكون مقبولة إلا بانحيازها لإسرائيل.

استُخدِمت، بالطبع، تهَم "معاداة السامية" لوصف الصورة والمجلّة الناشِرة، واعترضت جماعات صهيونية في إيطاليا على "إظهار المستوطن قبيحاً وبوضعية مهدِّدة"، ورُوّج لرواية كاذبة تدّعي بأنّ الصورة مفتعلة، بينما هي صورة واقعية تماماً، مأخوذة من مشروع وثائقي للمصوّر الإيطالي بييترو ماستوزو في الضفة الغربية. كما أنها ليست بصورة غير مسبوقة، إذ أنها تحصل أمام الكاميرات وبدونها مئات المرات وعلى امتداد السنوات، وذلك في الضفة الغربية التي يُغير عليها المستوطنون بأبشع الأشكال الهمجية، بحماية الشرطة الإسرائيلية، وبدون أدنى خجل من العدسات. بل لعلّ المستوطِن المصوَّر نفسه لن يعترض على تصويره بذاك الشكل، فهو هناك بالذات للقيام - بفخرٍ- بذلك الدور!

غلاف المجلة

رافق تلك الصورة في المجلة مقال حول مشروع "إسرائيل الكبرى"، وحملات التطهير العرقي في الضفة بعد الإبادة في غزة. وللمفارقة، فقد انتشرت المجلة بشكلٍ أوسع بكثير عقب الاعتراض الإسرائيلي على غلافها، ولم تتراجع المجلة ورفضت الاعتذار، بل أنها نشرت الفيديو الكامل للحظة التقاط الصورة، العائد إلى حادثة في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2025. ويظهر في مقطع الفيديو مجموعة من المستوطنين "يهشّون" الفلسطينيين بأصوات مهينة تُستعْمل مع الحيوانات، بحضور عناصر من الهلال الأحمر الفلسطيني، وهو ما تجيب عليه الصبيّة التي في الفيديو والصورة بكلمات: "مش رايحة، إوعا تمدّ إيدك! إنت كِشّ من هنا".

وفيما يحتدم الجدل حول صورة واحدة من ملايين الصور الرهيبة لـ"الاعتداء" الإسرائيلي المستمر على كل شيء، توافق حكومة الاحتلال على بناء عشرات آلاف الوحدات السكنية الاستيطانية الجديدة، على الرغم من مخالفة ذلك للقوانين الدولية وعلى الرغم من إدانة الأمم المتحدة، وبهِمّة هؤلاء المستوطنين المحصّنين من أيّ عقاب. وبينما يتحول الغلاف إلى جدلٍ هدفه التشكيك في صحة الصورة ومعايير الصحافة، تبقى دولة الاحتلال، كما مستوطنيها، بلا محاسبة عن قتلِ ما يقارب 300 صحافي وصحافية منذ عام 2023... فمِن أين يأتون بالوقاحة للمحاضرة في الإعلام؟

أزمتهم..

حسب الموقع الإيطالي "مطلوبٌ في روما"، يأتي هذا الجدل "في وقتٍ يُعيد فيه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، الذي تفاقم بفعل الحرب على إيران والقصف الإسرائيلي المستمر للبنان، تشكيل النقاش الإعلامي في أوروبا بكثافة غير مسبوقة"، وبشكلٍ يجعل كلّ صورة من المنطقة تحمل ثقلاً سياسياً يتجاوز موضوعها.

لا يمكن إنكار ثقل الصور والمحتوى المنشور عامةً على المتلقّي الغربي بشكل خاص، الذي يجد نفسه في مواجهة معطيات "جديدة" (قديمة جداً بالنسبة لنا الذين اعتدنا جرائم الاحتلال)، تقول إن صورته المتخيَّلة عن إسرائيل وأميركا أيضاً محض وهم. فيُصدَم مرة أثناء الإبادة، وعلى مدى أكثر من عامين، بمشاهد لا يمكن وصف وحشيتها، ومرة يضطرب لغلاف مجلّة، ومرة تصعقه صورة مصنوعة بالذكاء الاصطناعي كالتي شاركها ترامب لنفسه بمظهر.. المُخلِّص، السيد المسيح - لا أقلّ! عاد ترامب وتراجع عن هرطقته بعد ردود الفعل الغاضبة على الصورة، وكذب قائلاً إنها تصوّره طبيباً مداوياً، لا مسيحاً مخلّصاً. كما كتب على منصته "تروث سوشال" منشوراً نصّياً يهاجم فيه البابا ليون، رأس الكنيسة الكاثوليكية، واصفاً إياه بالـ"ضعيف" والـ"محبّ للجريمة"، وهو ما ردّ عليه البابا قائلاً إنه "ليس خائفاً من إدارة ترامب".

وعلى المقلب الآخر، هناك نتنياهو، يحاضر بدوره أوروبا بأكملها في خطاب له يوم الاثنين الماضي في 13 نيسان/ أبريل، خلال حفل لإحياء ذكرى المحرقة، قائلاً إن أوروبا "نسيت كيف تميّز بين الخير والشر"، وإن "لديها الكثير لتتعلّمه من إسرائيل"، وإنها "تعاني من ضعف أخلاقي عميق"، لأنها لم تدخل الحرب إلى جانبه وترامب ضد إيران، بدون أن ينسى تحميل أوروبا مِنّة قيامه بالدفاع عن "الحضارة ضدّ البربرية". هو نفسه المتحدّث المطلوب في جرائم أبسطها الفساد في الداخل الإسرائيلي، وأقصاها جرائم حرب ضد الإنسانية وارتكاب إبادة أمام محكمة العدل الدولية.

مقالات ذات صلة

في اليوم التالي لخطابه، أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع الإيطالية مع إسرائيل، "نظراً للوضع الراهن"، حسب تصريح لها لوكالة "أنسا" الإيطالية للأنباء في 14 نيسان/ أبريل الحالي، بدون أن تفسّر كثيراً. حتى ميلوني اليمينية بشراسة تختار مصلحة بلدها على المضي مع المجنونَين.

العته يقود مسار أميركا وإسرائيل، في سعيهما المحموم و المأزوم لإعادة كسب تأييد العالم الذي بدأ، بعد فوات الأوان، يراهما مجنونين، يشكلان خطراً حتى على حلفائهما الأقرب. لهذا السبب يهاجم ترامب ونتنياهو كلّ ما لا يساعد مشروعهما الجهنمي، مِن بابا الكنيسة إلى صورة على غلاف مجلة.

مقالات من فلسطين

الخط الأصفر وخطوط أخرى

صار مصطلح الخط الأصفر شيئاً عادياً في حياة الفلسطيني الغزّاوي. مرّت خمسة أشهر على وقف إطلاق النار و"انتهاء" الحرب بالمعنى الرسمي والإعلامي، ومنذ ذلك الحين صار هذا الخط شيئاً يومياً...

من يحمل عبء الذاكرة يا غزة؟

الذاكرة انتقائية، فهي تتمسّك بالتفاصيل الصغيرة، وتعلّقنا بها، وهي سرعان ما تُهاجمني. ينزلُ المطر، وعلى الرغم من غرقنا وانهيار كلّ شيء من حولنا، من شبابيك المنزل المتهرئة والمرقّعة، وجرينا السريع...