هل يبتلع الصندوق السيادي قلاع الدواء المصرية؟

هل يتحول الدواء من خدمة استراتيجية تدعمها الدولة إلى سلعة تخضع لقوانين السوق الاستثمارية؟ وفي حال تَقرّر نقل ملكية تلك الشركات إلى الصندوق السيادي، فلماذا تلجأ الحكومة إلى فك ارتباطها المباشِر بشركات أثبتت بحسب مؤشراتها المالية أنها تدر أرباحاً على ميزانية الدولة؟ وهل يُمهِّد هذا المسار إلى تخارج الدولة من دورها كضامن للصحة العامة، واكتفائها بدور الميسّر لعمليات الاستحواذ المرتقبة؟
2026-04-09

شارك
مصنع "سيد" للأدوية، مصر

في شباط/ فبراير الماضي، أعلنت السلطات المصرية عن إلغاء وزارة قطاع الأعمال في التشكيل الوزاري الجديد، بعد عشر سنوات من بداية عملها في العام 2016. الأمر أثار جدلاً واسعاً وتساؤلات عن مصير الشركات المملوكة للدولة التي تديرها الوزارة (146 شركة، تعمل في قطاعات أبرزها: السياحة، والفندقة، والسينما، والأدوية، والصناعات الكيماوية والمعدنية، والغزل والنسيج، والتشييد، والنقل... وتُمثِّل حوالي 26 في المئة من إجمالي الشركات المملوكة للدولة البالغ عددها 561 شركة). وقد كشف رئيس الحكومة، مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحافي عن أن الوزارة جاءت كمرحلة انتقالية منذ تأسيسها، إلى حين دراسة تعظيم الاستفادة من أصول تلك الشركات التي تصل قيمتها إلى حوالي تريليون جنيه مصري.

وبحسب الموقع الرسمي لوزارة قطاع الأعمال الملغاة، فإنها تدير مجموعة من الشركات في قطاعات مهمة، منها 6 شركات قابضة (أي الشركة الأم التي تملك وتدير مجموعة من الشركات الأخرى)، من بينها الشركة القابضة للأدوية والمستلزمات الطبية، التي تتبعها 9 شركات تعمل في قطاع الدواء والمستلزمات الطبية والكيماويات وواحدة في قطاع السيارات[1]. وعلى الرغم من أن المؤشرات الصادرة عن الوزارة في كانون الثاني/ يناير من العام الجاري أظهرت أن شركاتها حققت في العام المالي 2024– 2025 إيرادات بلغت حوالي 126 مليار جنيه، بنمو يقارب 20 في المئة مقارنة بالعام المالي السابق له، وصافي أرباح بلغ حوالي 24 مليار جنيه، فيما حققت الشركة القابضة للأدوية والكيماويات والمستلزمات الطبية، إيرادات مجمَّعة بلغت 11.6 مليار جنيه في 2024-2025 بنسبة نمو 79 في المئة مقارنة بالعام السابق، إلا أن السلطات تواجه تساؤلات عن غياب آليات الإفصاح، في ظل ندرة البيانات الرسمية المتاحة. ويظهر - وبحسب تصريحات رئيس الحكومة - أنها بدأت في خططها لتحويل الدفة إلى صندوق مصر السيادي، ليصبح هو من يدير تلك الأصول (بحسب تصريحات رئيس الحكومة، فإن شركات قطاع الأعمال تُدْرس تبعيتها لصندوق مصر السيادي أو نقلها إلى الوزارات المختصة)، ربما تمهيداً لطرحها أمام الاستثمار الأجنبي تحت لافتة تعظيم العائد.

وما يرجح نية الحكومة في نقل الشركات إلى الصندوق، أنه وبحسب تقارير صحافية، فإن شركات أدوية مثل الإسكندرية والعربية وسِيد والقاهرة، سيتم نقلها ضمن 40 شركة إلى الصندوق السيادي، يكون للحكومة 50 في المئة من أرباحها، فيما يستثمر الصندوق باقي النسبة بمعرفته. وستقوم اللجنة المشرفة على شركات قطاع الأعمال العام بحلول نهاية العام المالي الجاري، بطرح خطط نقل الشركات الرابحة بين البورصة والصندوق السيادي، ونقل تبعية الشركات الخاسرة أو منخفضة الأرباح إلى الوزارات المعنية، ودمج شركات أخرى... ما يطرح تساؤلاً: هل يتحول الدواء من خدمة استراتيجية تدعمها الدولة إلى سلعة تخضع لقوانين السوق الاستثمارية؟

هذا المشهد يثير مفارقة استراتيجية في حال تَقرّر نقل ملكية تلك الشركات إلى الصندوق السيادي: لماذا تلجأ الحكومة إلى فك ارتباطها المباشر بشركات أثبتت بحسب مؤشراتها المالية أنها تدر أرباحاً على ميزانية الدولة؟ وهل يمهد هذا المسار إلى تخارج الدولة من دورها كضامن للصحة العامة واكتفائها بدور الميسِّر لعمليات الاستحواذ المرتقبة؟

الصندوق السيادي.. "ثقب أسود"

لم يعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال مجرد إعادة ترتيب للأوراق الإدارية، بل استمراراً في حقبة الخصخصة عبر بوابة الصندوق السيادي. يضع هذا أصولاً تتجاوز قيمتها تريليون جنيه في مسار استثماري، يخضع لمعايير الربحية وطرح الشركات الوطنية للمستثمرين الأجانب. وتكمن الخطورة بحسب تقرير مركز حلول للسياسات البديلة في وجود فجوة في الشفافية تتعلق بآليات نقل ملكية الأصول، إذ يتم تحويل الأصول العامة إلى ملكية الصندوق بقرارات من رئاسة الجمهورية، تلغي صفتها كمنفعة عامة. كما يثير الجدل في الأوساط المهتمة بالحقوق الاقتصادية، ما حدث من تحصين، من خلال قصر حق الطعن في هذه القرارات على المالك الأصلي أو الصندوق فقط، مع إلزام المحاكم برفض أية دعاوى من أطراف أخرى - بما فيها المواطنون الذين يمتلكون تلك الأصول في الحقيقة - وحظر الطعن في العقود إلا في حال وجود حكم جنائي يثبت وقوع جريمة، وذلك بحسب المادة 6 مكرر من قانون إنشاء صندوق مصر رقم 177 لسنة 2018 وتعديلاته التي أقرها البرلمان في 2020 [2].

وفي هذا السياق وبموجب تلك المادة، فقد تنتقل شركات الأدوية الحكومية - التي من المرجح انتقالها إلى ملكية الصندوق - من الفضاء العام والملكية العامة إلى حيز قانوني محصَّن لا يمكن الطعن فيه، ما يعني تجريد المواطنين، أو حتى نواب البرلمان أو الجهات الحقوقية المهتمة، من حقهم الدستوري في اللجوء إلى القضاء الإداري للاعتراض على صفقات قد تشوبها شبهات متعلقة بحقوق الدولة والمواطنين. وهكذا يتصدر مشهد يتم فيه سحب صناعة الدواء من تحت قبة مجلس النواب وعيون الأجهزة الرقابية، لتوضع في الغرف المغلقة والخلفية للصندوق.

لم يعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال مجرد إعادة ترتيب للأوراق الإدارية، بل استمراراً في حقبة الخصخصة عبر بوابة الصندوق السيادي. يضع هذا أصولاً تتجاوز قيمتها تريليون جنيه في مسار استثماري، يخضع لمعايير الربحية وطرح الشركات الوطنية للمستثمرين الأجانب. وتكمن الخطورة في وجود فجوة في الشفافية تتعلق بآليات نقل ملكية الأصول، إذ يتم تحويل الأصول العامة إلى ملكية الصندوق بقرارات من رئاسة الجمهورية، تُلغي صفتها كمنفعة عامة. 

قد تنتقل شركات الأدوية الحكومية من الفضاء العام والملكية العامة إلى حيز قانوني محصَّن لا يمكن الطعن فيه، ما يعني تجريد المواطنين، أو حتى نواب البرلمان أو الجهات الحقوقية المهتمة، من حقهم الدستوري في اللجوء إلى القضاء الإداري للاعتراض على صفقات قد تشوبها شبهات متعلقة بحقوق الدولة والمواطنين. وهكذا يتصدر مشهد يتم فيه سحب صناعة الدواء من تحت قبة مجلس النواب وعيون الأجهزة الرقابية، لتوضع في الغرف المغلقة والخلفية للصندوق. 

هذا الانتقال يحول شركات تاريخية مثل "سِيد للأدوية" التابعة لقطاع الأعمال التي تأسست في العام 1947 (وهي تُعتبر الشركة المسؤولة عن توفير احتياجات وزارة الصحة في مجال تنظيم الأسرة وأدوية معالجة الجفاف والإسهال عند الأطفال)، أو شركة "النيل للأدوية" التي تأسست في العام 1962 (تمتلك الشركة عدداً من الخطوط الإنتاجية مثل خط إنتاج وتعبئة المحاليل التعويضية، ومصنع إنتاج أدوية البايوتكنولوجى، وخط إنتاج الإنسولين)، من مؤسسات دوائية ذات دور استراتيجي وشعبي، إلى أصول مالية في محفظة استثمارية مغلقة لا يفصح المسؤولون فيها عن مزيد من البيانات حولها. خاصة وأن الصندوق يملك صلاحية إبرام صفقات استحواذ أو شراكات إقليمية بالأمر المباشر، بعيداً عن منظومة المناقصات والمزايدات العلنية، مستنداً إلى تفويض يمنح رئيس الجمهورية حق نقل الملكية من دون التقيد بالإجراءات المقررة، ما ينزع عن قلاع الدواء صفة المال العام بمفهومه التقليدي، ويحولها إلى ما يشبه المال الخاص للدولة، إذ لا تلتزم الإدارة بنشر تفاصيل التعاقدات الفنية أو التقييمات المالية. وهذا يحدث في الوقت الذي يتصاعد فيه التساؤل عن كيف يضمن المواطن عدم التفريط في أصول مهمة، بقيمة تقل عن سعرها العادل، في ظل غياب الرقابة اللاحقة للقضاء ومصادرة حق المجتمع في المساءلة الدستورية؟

ولا يعد هذا التخوف الوحيد، بل يُضاف إلى ذلك تخوّفٌ بخصوص تفكيك القلاع الدوائية التي من المتوقع طرحها للاستثمار. ففي آذار/ مارس من العام 2020، نشرت الجريدة الرسمية في عددها (11 مكرر. أ)، قرار مجلس الوزراء رقم 633 لسنة 2020، بشأن تنظيم التصرف في الأصول العقارية المملوكة لشركات القطاع العام. ويقضي القرار بأحقية رئيس الحكومة في إصدار قرارات التصرف، بعد تقارير من 3 مقيِّمين معتمَدين من البنك المركزي المصري. فتح هذا القرار الباب على مصراعيه أمام إمكانية تفكيك ممتلكات شركات القطاع العام، بما يشملها من قلاع الدواء التاريخية، للاستثمار في منشآتها وأصولها.

هنا، لا يتوقف الطموح السيادي عند حدود إدارة الإنتاج، إذ يمتد إلى ما تملكه شركات الأدوية التابعة للدولة من مساحات شاسعة ومميزة من الأراضي والعقارات والمصانع المغلقة في قلب العاصمة القاهرة والمحافظات المختلفة. وهذا يثير مخاوفَ من إمكانية فصل الأصول العقارية غير المستغَلة عن النشاط الصناعي الخاص بتلك الشركات. وبموجب صلاحيات الصندوق السيادي، يمكن تحويل تلك الأراضي إلى مشاريع سياحية أو تجارية كبرى، بدعوى تعظيم العائد، ما يُقلِّص المساحات المتاحة للتوسعات الصناعية المستقبلية لهذه الشركات بمصانعها المتعددة. وهو ما حدث بالفعل في حقبة محمد شيمي الوزير الأخير لوزارة قطاع الأعمال، الذي تولى مهامه في العام 2024، إذ تراجع في عهده عدد شركات قطاع الأعمال من 317 شركة، كانت تمثل ما يقرب من 44.7 في المئة من إجمالي الشركات المملوكة للدولة في عام توليه الوزارة، إلى 146 شركة فقط في العام 2025، بنسبة تراجع بلغت 26 في المئة. سبق هذا إعلان الشركة القابضة للأدوية عن طرح 9500 متر مربع من أراضٍ غير مستغَلة مملوكة لشركتى المصرية لتجارة الأدوية، وشركة سيد للأدوية، للبيع في مزاد علني.

هل يدفع المريض ثمن "تعظيم الأرباح"؟

لم تكن شركات الدواء التابعة لقطاع الأعمال العام، مجرد شركات اقتصادية، بل لعبت دوراً اجتماعياً تاريخياً في توفير أصناف دوائية لا تستطيع الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل الحصول عليها، لتصبح الملاذ الأخير لإنتاج أصناف حيوية محلية الصنع، تخدم قطاعات عريضة من المواطنين (مثل أدوية المليمات أو المحاليل التقليدية وأدوية الأمراض المزمنة كأمراض القلب أو السكر التي تُباع بأسعار زهيدة مقابل نظيرتها المستورَدة).

يمتد الطموح السيادي إلى ما تملكه شركات الأدوية التابعة للدولة من مساحات شاسعة ومميّزة من الأراضي والعقارات والمصانع المغلقة في قلب العاصمة والمحافظات المختلفة. وهذا يثير مخاوفَ من إمكانية فصل الأصول العقارية غير المستغَلة عن النشاط الصناعي الخاص بتلك الشركات. وبموجب صلاحيات الصندوق السيادي، يمكن تحويل تلك الأراضي إلى مشاريع سياحية أو تجارية كبرى، بدعوى تعظيم العائد، ما يُقلِّص المساحات المتاحة للتوسعات الصناعية المستقبلية لهذه الشركات بمصانعها المتعددة.

وعلى الرغم من أن خطة الأطروحات للشركات الحكومية المتخصصة في قطاع الدواء لم تُعلن بعد، إلا أن المواطنين يعانون بالفعل من ارتفاع أسعار الدواء نتيجة ارتفاع تكلفة الشحن بحوالي 50 في المئة مطلع العام الجاري، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، بحسب تصريحات رسمية الشهر الجاري، ما يُنذر بارتفاع أسعار الأدوية بنسبة قد تصل إلى 30 في المئة خلال الثلاثة الأشهر المقبلة. وفي حين يعاني المواطِن من ارتفاع مستمر لأسعار الدواء، إلا أن السلطة ترى أن الدواء في مصر هو الأرخص عالمياً في أسعاره، ما يظهر نيتها في تحريك أسعار الدواء بشكل مستمر، مثلما حدث في العام 2025، إذ تحركت الأسعار نحو زيادة بنسبة 42 في المئة عن العام السابق له.

ولا يكمن الخوف فقط في بيع الأصول، بل في إعادة هندسة قائمة المنتَجات التي تنتجها شركات الأدوية المصرية. فالمستثمر الشريك للصندوق السيادي لن يقبل بالاستمرار في إنتاج أدوية المليمات أو المحاليل التقليدية وأدوية الأمراض المزمنة التي تُباع بأسعار تبدو ملائمة للفقراء ومحدودي الدخل، والتي غالباً ما يتراجع القطاع الخاص عن إنتاجها لضآلة هامش ربحها، ما لم يتم رفع أسعارها أو استبدالها بأصناف أكثر ربحية. التساؤل الأكثر إلحاحاً هو عن كيف ستدار اللعبة؟ فبينما حققت تلك الشركات نمواً بنسبة 79 في المئة تحت مظلة الدولة، فما سقف الأرباح الذي يطمح إليها الصندوق السيادي؟ وهل سيكون الفارق بين الربح الحالي والربح المستهدَف مستقطعاً من جيب المريض؟ ما يُظهِر أن استحواذ الصندوق السيادي المرتقب على هذه الشركات يعني بالضرورة تهميش البعد الاجتماعي، لتصبح الصحة وقطاع الدواء في مصر خاضعين لمعادلات السوق المرتبطة بالعرض والطلب، في وقت لم تعد فيه مظلة التأمين الصحي قادرة على تغطية الفجوة التي سيخلِّفها انسحاب الدولة من دور المنتِج المباشر.

______________________

  1. - تأسست الشركة القابضة للأدوية والمستلزمات الطبية وفق قانون شركات قطاع الأعمال العام رقم 203 لسنة 1991، ويتبعها شركات: (النصر للكيماويات، العبوات الدوائية، القاهرة للأدوية والصناعات الكيماوية، ممفيس للكيماويات، سيد/ تنمية الصناعات الكيماوية، العربية للأدوية والصناعات الكيماوية إدكو، مصر للمستحضرات الطبية، النيل للأدوية، الإسكندرية للأدوية، النيل لصناعة وإصلاح السيارات). للمزيد يُنظر: https://shorturl.at/kU9ETid=2
  2. - تنص المادة المذكورة على: ".. يكون الطعن في قرار رئيس الجمهورية بنقل ملكية الأصول أو الإجراءات التي اتُخذت بناء على هذا القرار من الجهة المالكة للأصل أو الصندوق المنقول إليه الملكية دون غيرهما، ولا ترفع الدعاوي ببطلان العقود التي يبرمها الصندوق أو التصرفات التي يتخذها لتحقيق أهدافه، أو الإجراءات التي اتخذت استناداً لتلك العقود أو التصرفات إلا من أطراف التعاقد دون غيرهم..". للاطلاع على القانون كاملاً: https://manshurat.org/node/71107

مقالات من مصر

حقوق وأحقاد حول الآثار المصرية

منى سليم 2026-03-12

في مقابل التعنت والإيغال في السرقة في بلدان أوروبية وفي أمريكا، كان هناك موقف مصري رائد في جولة استرداد الآثار المصرية التي نهبتها إسرائيل، تحت اسم الكشف العلمي خلال احتلالها...