مرّ شهر على النزوح الكبير الذي بدأ مطلع آذار الماضي، مع تصاعد موجة جديدة من العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان منذ أيلول/ سبتمبر 2024. في هذه الموجة، تَدفق الناس نحو العاصمة من الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية. اكتظت أرصفة واجهة بيروت البحرية بالآلاف في الأسبوع الأول من آذار/ مارس 2026، لكن فصل الربيع لم يحمل معه ربيعاً هذا العام، إذ استمرت السماء بإغداق خيراتها على المدينة، ما حال دون تحويل هذه الأرصفة إلى تجمعات نزوح.
عشرات الآلاف قضوا ليلة أو ليلتين على الأرصفة قبل أن يجدوا لهم أماكن في مراكز إيواء افتُتحت في مدارس العاصمة، أو انتقلوا شمالاً، أو وجدوا مَن يستضيفهم من الأصحاب والأقارب... إلا أن مئات النازحين لم يرحلوا. صمدوا في أماكنهم على الواجهة البحرية، قاوموا المطر المتدفق والبرد، ولم يأبهوا بتصريحات "مسؤولين" عن أن وجودهم هناك يشوّه وجه العاصمة من جهة، أو أن شرفات شقق الأبنية الفاخرة، التي يصل سعر الواحدة منها إلى ملايين الدولارات، تطلّ على بؤسهم اليومي، ما قد يُشعِر أصحابها، ربما، بالتقزز والنفور. على أية حال، تلك الشقق معظمها فارغ، ولا يطل أحد من شرفاتها على خيام مرتَجلة تقتلعها الرياح كل مرّة ليبقى النازحون الذين كانت تؤويهم بلا سقف أو غطاء.
"الفحمات الكبار"
هي الجولة الحادية عشرة في الأيام المشمسة جزئياً من الشهر الممطر بسخاء والبارد بقسوة، كما يقول المثل السائر: "خبّي فحماتك الكبار لآذار". تمتد الواجهة البحرية من قرب لوحة "مدينة بيروت" الزرقاء، قرب مدخل فندق "سمرلند" حتى معرض "البيال"، وهذان الاسمان متعارَف عليهما، على أن الفندق والمعرض يحملان اسمين آخرين اليوم. وتستغرق المسافة إليهما حوالي ساعة وثلث الساعة مش لتَخطّي الكيلو مترات الستة.
حَافظ موقف السيارات المهجور، ذو البوابة الحديدية المقفلة، على حضور كثيف للنازحين طوال الشهر. تَغيرت أماكن الخيام بين جولة وأخرى. قبل النزوح، شكّل الموقف المغلق فسحة النزهة الأسبوعية لعشرات العائلات السورية التي تقصده لقضاء يوم العطلة، ففيه مساحة كبيرة شبه آمنة للعب الأطفال. النازحون اليوم خليط من لبنانيي الضاحية الجنوبية وسورييها، يحاولون تحسين خيامهم وتدعيمها بين منخفض جوي وآخر، وتتناثر أغراضهم بين الخيام، وعلى سور الموقف ينشرون الفُرش والأغطية كي تجف قبل نقلها إلى داخل الخيام. على الجانب الآخر من الطريق، يجتمع أفراد عائلة حول طنجرة كبيرة فوق عين غاز ينظرون نحو وجبة غدائهم، وتتكدس قربهم ربطات الخبز.
الرملة البيضاء
ننطلق إلى محلة الرملة البيضاء، مارين بفندق "إيدن باي" الذي حطّ ككتلة إسمنتية ضخمة فوق الأملاك العامة والأنفاس. كانت قد أثيرت حوله كثير من الشبهات، إلا أنه صار أمراً واقعاً قبل عقد، مثله كمثل جميع الأملاك البحرية المسلوبة من الناس، إذ أسْكت الساسة التحقيقات بشأن المخالفات المرتكَبة من قبل الفندق والقيّمين عليه، والتي بدت ثابتة، فحظي الفندق المخالِف بغطاء سياسي يحميه.
لبنان: ريع من نوع خاص
12-11-2020
لعقود خلت، كنتُ أتعجبُ كيف تَرك حيتان المال للبيارتة تلك الفسحة الصغيرة من الشاطئ. كيف لم يلتهموا الرملة البيضاء؟ مع هذا التعدي زال العجب، ليتبين أنهم كانوا يتحضرون للإجهاز على المتنفس الأخير لسكان العاصمة. لكن كيف غدتْ تلك الرمال وزبد موج البحر، والأفق المتصل بشمس المغيب، ملكاً للساسة؟ مَن الذي سمح بخصخصة ذكريات الناس ومنح ملكيتها إلى الغيلان؟ كما أن تصنيف الشواطئ الرملية كجزء من الأملاك الوطنية العامّة، لم يمنع الساسة من جعل مفهومي "العامة" و"الوطنية" مطّاطين.
اختُزلت الرملة البيضاء. تلك الفسحة تضخ بعض الهواء، في رئة غابة الإسمنت التي صارتها بيروت. نحن أبناء الحرب الأهلية، كنا نقف أطفالاً على الرملة نراقب بحماسة كبيرة المدمِّرة الأميركية نيوجيرسي وهي تصب حممها، أو نراقب سباق السيارات والدراجات النارية على الجانب الآخر من الطريق. وإن تعبنا نتكئ على أحد الإكسبرسات، أو نركض ليحتضننا البحر. أما الذين سبقونا فقد شكلت لهم تلك الفسحة، التي يحتلها الفندق اليوم، متنزههم في "أربعة أيوب" (عيد تراثي محليّ يوم الأربعاء الأخير من شهر نيسان/ أبريل) و"سيبانة رمضان" (نزهة عائلية وغداء في الأسبوع الأخير من شعبان)، وعيدَي الفطر والأضحى.. كانوا يهبطون إليها من أحياء بيروت، يصلون إلى تلة الخيّاط ثم ينحدرون نحو زرقة المتوسط.
لا تكمن غصّة بيروت فحسب في سرقة أرزاق الناس وتحويلها إلى أسهم في بورصة فاشلة، وفي تغيير واجهتها البحرية وفق الوصفة الرأسمالية النهّابة، إذ لم يبق من المباني التاريخية سوى مسجد المجيدية، بل تكمن في جريمة خطيرة لم يُحاسَب مرتكِبوها. أزالت الشركة بالتواطؤ مع بلدية بيروت مقبرتين تاريخيتين، فإذا كانت "مقبرة الغرباء" بلا أهل، فأجداد البيارتة كانوا مدفونين في "مقبرة السنطية"، التي جرفتها البلدوزرات ورمت بشواهد المدافن ومحتويات القبور تحت أطنان من الردم، لاستحداث هذا القسم من الواجهة البحرية. أسكت حيتان المال الأفواه آنذاك، وحلّ صمت مطبق...
بطبيعة الحال، لا توجد خيام للنازحين قرب الفندق اليوم. ومن يجرؤ على الاقتراب منه! لكن، غير بعيد عنه، في نزلة الرملة البيضاء، بضع خيام أفادت من الجدار فصار ظهرها إليه ووجهها نحو البحر.
تحت كورنيش الرملة البيضاء، كانت الخيام كذلك تستند إلى الجدار، لكن العدو قصفها بشكل مباشر ليلة 12 آذار/ مارس، وقتل 8 نازحين وجرح أكثر من ثلاثين. كانت تهمة العدو والأبواق المحلية المطبِّلة له جاهزة، أي أنه استهدف أحد عناصر المقاومة، لكن النازحين المستهدَفين كانوا مدنيين، فالعدو الذي تمرّس على استهداف خيام النازحين وقتلهم على شواطئ رفح وخانيونس ودير البلح، لم يرحمهم على شاطئ الرملة البيضاء كذلك. إثر تلك الحادثة خاف النازحون ونقلوا خيامهم إلى الطريق العلوي، حيث نصبت عشرات الخيام مستفيدة من الدرابزين في تثبيتها، كما احتلت أخرى المساحة الخضراء على المنحدر بين الأبنية الشاهقة، بين السفارة الكويتية الجديدة وطلعة مستشفى الشرق الأوسط المقفل.
نحو الروشة
كيلو متر واحد يفصل بين مدخل المسبح الشعبي وصخرة الروشة. في الأسبوعين الأولين من شهر النزوح كان الرصيف عبارة عن غابة بشرية. قضى الناس لياليهم عليه في سياراتهم أو على فرش الإسفنج قربها، في انتظار أن ينتقلوا إلى أماكن أخرى. ومع كل تحذير يصدره جيش الاحتلال، تتوافد أعداد جديدة من النازحين إليه، ثم تقل أعدادهم بشكل ملحوظ، إذ يعودون إلى منازلهم في الضاحية. أما القسم الأخير منه، فقصته مختلفة.
جرح النازحين النازف
12-03-2026
بعد فندق "الموفمبيك"، الذي يلتهم الواجهة البحرية، تنحدر الطريق الترابية نحو الدالية، وهناك عشرات الخيام المرتَجلة وصولاً إلى التل المشرف على الصخرة. أما فوق التل العشبي، وراء سور الرصيف، فعشرات الخيام الأخرى، وسيارات مركونة مفتوحة أبوابها على الرصيف وبجانبها فرش إسفنجية. فوق الفرش شراشف مثبتة بسقف السيارة وأطرافها الأخرى على الأرض بحجارة، تمنح المسْتلقين عليها بعضاً من الخصوصية وتحجبهم جزئياً عن الناظرين. أناس ينامون متكئين بعضهم على بعض فوق المقاعد الإسمنتية على الكورنيش، آخرون وراءهم على فرش... مشهد صباحي مخيف يلي كل تحذير بقصف الضاحية. في النصف الثاني من الشهر، صارت تحذيرات العدو شبه يومية، ولم تحدِّد مكاناً على خريطة أو شارعاً بالاسم، بل أحياء كاملة: حارة حريك، الغبيري، الليلكي، الحدث، المريجة، برج البراجنة، تحويطة الغدير، الشياح... أي أن الضاحية التي قُدِّر عدد سكانها قبل النزوح بحوالي 900 ألف نسمة، لم يستثن العدو منها سوى حيث أحياء السلّم والعمروسية التابعيَن لبلدية الشويفات، ولا يُستبعَد إن ساءت الأمور أن يستهدفهما كذلك.
بين مطر وآخر، عندما تظهر الشمس خجولة من بين الغيوم، تصطف فرش الإسفنج والشراشف والأغطية وثياب النازحين على الدرابزين لتجف. النازحون لا يتمشون على الرصيف العريض. ليسوا في نزهة، ولا يغيرهم المنظر الأبدي المهيب لصخرتي الروشة. يمرّ بهم المهروِلون والمتمشّون ويتجنبون النظر إليهم. يتنقل الكبار بين رصيف وآخر لشراء كوب من القهوة أو لاستخدام مرحاض أحد المطاعم المنتشرة إلى يمين الطريق، فيما يبقى الصغار داخل السيارات بين نائم ومتفرس في شاشة هاتف محمول. مجتمع طارئ يربط الخوف على الحياة بين أفراده، المتغيِرين بين جولة قصف وأخرى، على أمل عودة سريعة إلى منزل في الضاحية لم يطله القصف، حيث الدفء والماء.
مياه الخدمة في هذا القسم من المدينة مالحة. والفنادق الصغيرة (معظمها غير مصنّف وبدون نجوم) المنتشرة بين شارعي أستراليا وكراكاس تضطر إلى شراء كميات كبيرة من المياه العذبة كي تلبي احتياجات زبائنها. تقف "السيترنات" (شاحنات تحمل خزانات المياه) أمام كل فندق أو مبنى للشقق المستأجَرة وتدير موتيراها، لتضخ المياه بخراطيم كبيرة نحو أسطح المباني الشاهقة. تَلوث صوتي يومي اعتاد سكان الشارعين عليه. أما اليوم، فتستقبل هذه الفنادق زبائن من نوع آخر. قفزت الأسعار مطلع آذار/ مارس من 40-50 دولاراً للغرفة في الليلة الواحدة إلى 70- 80 دولاراً. قد تتمكن الأسرة النازحة إلى الرصيف من استئجار غرفة لليلة أو عدد من الليالي، بغض النظر عن عدد أفرادها، ويكون الهدف استخدام المرحاض والاغتسال والاستحمام بما يؤمنه الفندق من مياه عذبة ساخنة. لكن معظم النازحين من الطبقة المعْدمة، فإن كانت العودة إلى الضاحية متعذِرة سيتحتم عليهم الانتظار.. لا شيء سوى الانتظار.
من المنارة إلى الزيتونة
لم يجرؤ النازحون على نصب خيامهم على الرصيف الذي يتسع أمام "الحمام العسكري" (النادي العسكري المركزي)، فبعد النزلة الحادة قرب مطعم دبيبو المهجور، وملعب النجمة ومدينة الملاهي، يتسع الرصيف وصولاً إلى الفنار (المنارة)، وهناك ينحرف شرقاً قرب مقهيين موزعين طائفياً وفق صيغة المحاصصة اللبنانية. على بعد كيلو متر آخر يتكاثف تواجد النازحين شيئاً فشيئاً بعد عمود الجامعة (الأمريكية)، بعضهم يفترش الأرض قرب النخلات القليلات، وآخرون يستندون إلى المقاعد الإسمنتية أو يمدون أرجلهم من سياراتهم المركونة إلى جانب الرصيف. يشكل رصيف عين المريسة تجاه المسجد التاريخي ملعباً للأطفال، وتحته رصيف ضيق قرب البحر ينحدر إليه من يمكنهم، بسنارة أن يحصلوا على سمكهم قوت يومهم من المياه الداكنة بفعل مجاري الصرف الصحي.
مئات النازحين لم يرحلوا. صمدوا في أماكنهم على الواجهة البحرية، قاوموا المطر المتدفق والبرد، ولم يأبهوا بتصريحات "مسؤولين" عن أن وجودهم هناك يشوّه وجه العاصمة من جهة، أو أن شرفات شقق الأبنية الفاخرة، التي يصل سعر الواحدة منها إلى ملايين الدولارات، تطلّ على بؤسهم اليومي، ما قد يُشعِر أصحابها، ربما، بالتقزز والنفور. على أية حال، تلك الشقق معظمها فارغ، ولا يطل أحد من شرفاتها على خيام مرتَجلة تقتلعها الرياح كل مرّة ليبقى النازحون الذين كانت تؤويهم بلا سقف أو غطاء.
بعد المسجد، ينظر جمال عبد الناصر إلى العابرين والنازحين، من النصب التذكاري الذي شيّده مطلع الثمانينيات الاتحاد الاشتراكي العربي – التنظيم الناصري. بعد اجتياح بيروت صيف 1982، وإيصال الصهاينة "زلمتهم" إلى سدة الحكم، غُطّي عبد الناصر وحُجِب النصب المثلث الشكل عن الأنظار بعلم لبناني بلاستيكي، ثم استردته المنطقة بعد سقوط معاهدة الذل التي سمّيت بـ"اتفاق 17 أيار".
بعد النصب، فَتح مطعم كبير مراحيضه للنازحين يستخدمونها مجاناً. يضيق الرصيف قبل "بيت المحترف اللبناني" الذي سُرق ثم أُحرق خلال حربنا الأهلية، وأعيد افتتاحه وتنشيطه تحت رعاية وزارة الشؤون الاجتماعية في عام 1993، قبل أن يخسر أكثر من نصف مساحته، فتحوّل بقسم منه إلى مطعم وقسم آخر إلى مسبح. فالسياحة أكثر نفعاً من الثقافة عند الساسة. بعده "الحمام الفرنسي" الذي بلغ ذروة مجده في مرحلة الاحتلال الفرنسي لبيروت وتسمية الشارع المقابل بـ"جادة الإفرنسيين"، ثم نَصْب رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري ينظر إلى "خربة السان جورج"، الفندق الشهير الذي احتلت صوره البطاقات البريدية السياحية يوم كانت بيروت عاصمة سويسرا الشرق في الستينيات. أما اليوم فيقف الفندق شاهداً على مرحلة الرأسمالية المتوحشة، يوم احتلت شركة "سوليدير" بيروت وأعادت قولبتها في قالب "معك ليرة بتسوى ليرة".
لا نازحون هناك، ولا قرب خليج مار جرجس الذي يحمل اسم "الزيتونة باي"، منذ حوَّله رأس المال إلى واجهة سياحية لرواد المطاعم الفاخرة وأصحاب اليخوت. لكنهم كانوا هناك في الأسبوع الأول، نصبوا خيامهم على الرصيف المؤدي إلى البحر، إلا أنهم اقتُلعوا ليلاً، فـ"برستيج" المكان لا يسمح بوجودهم.
مدينة من الخيام
إلى اليسار، يمتد القسم المستحْدَث من واجهة بيروت البحرية على مساحة 300 ألف متر مربع. عُرف في حقبة الحرب الأهلية (1975-1991) بمكب النورماندي، وكان مكباً للنفايات بحكم الأمر الواقع آنذاك. بعد انتهاء الحرب، وسيطرة "سوليدير" على المدينة، امتدت أعمال استصلاح المكب لتنظيف الواجهة البحرية وتوسيعها، فرُدمت مساحة شاسعة من البحر بالأتربة وبقايا الأبنية والردم، وخلال عقد من الزمن أنشئ مجمّع مركز بيروت للمعارض والترفيه الذي افتتح سنة 2001.
تلك الأبنية الشاهقة التي تمتد طويلاً إلى جانب الطريق، وصولاً إلى مبنى بيضاوي ضخم مهجور من تصميم زها حديد، هي ملك الفئات "الأكثر حظاً" أو "الأكثر سطوة" في زمن ما بعد الحرب الأهلية والوصاية السورية. هياكل ضخمة بلا روح تطل على ما كان يوماً مكباً للنفايات وصار أرضاً للمعارض والممرات الرياضية.
محنة لبنان
03-09-2020
لا تكمن غصّة بيروت فحسب في سرقة أرزاق الناس وتحويلها إلى أسهم في بورصة فاشلة، وفي تغيير واجهتها البحرية وفق الوصفة الرأسمالية ، إذ لم يبق من المباني التاريخية سوى مسجد المجيدية، بل تكمن في جريمة خطيرة لم يُحاسَب مرتكِبوها. أزالت الشركة بالتواطؤ مع بلدية بيروت مقبرتين تاريخيتين، فإذا كانت "مقبرة الغرباء" بلا أهل، فأجداد البيارتة كانوا مدفونين في "مقبرة السنطية"، التي جرفتها بلدوزرات الرأسمالية ورمت بشواهد المدافن ومحتويات القبور تحت أطنان من الردم، لاستحداث هذا القسم من الواجهة البحرية. أسكت حيتان المال الأفواه آنذاك، وحلّ صمت مطبق...
صمت يشبه صمت الصباح في المدينة – المخيم اليوم.
تتناثر خيام رياضية صغيرة فوق المساحات المهمَلة المغطاة بطبقة من بحص البيسكورس (حصى البناء). وزعت إحدى الجمعيات هذه الخيام الصغيرة التي تصلح للجلوس فيها فقط، فإذا ما اراد ساكنها النوم يضطر إلى إخراج قدميه منها. خيام ملونة زاد البعض عليها شراشف وبطانيات، وألصقها البعض الآخر بما يمكن أن يسندها من عمود أو دعامة إسمنتية. تصطف الخيام قرب الطرق المستقيمة التي تقود إلى البحر. لم تسمح الرياح بالاستقرار فكل شتوة تقتلع الخيام من أماكنها. لكن مع كل صحو، يعيد أصحابها بناءها وتدعيمها بما تيسر. بعضهم رفع الخيمة فوق طبلية خشبية كي تمر مياه الأمطار من تحتها، فالخيمة من حيث المساحة تعادل مساحة الطبلية المضلّعة المستخدمة في عمليات الشحن والتخزين عادة.
تستيقظ المدينة – المخيم من سباتها شيئاً فشيئاً. أرضها نظيفة نسبياً وتتوزع فيها مكبات النفايات على جوانب أرصفتها. قبل نحو أسبوعين، في منطقة الكرنتينا، في الأسواق الاستهلاكية (قرب سوق السمك)، في مكان غير بعيد عن المدينة – المخيم، كان العمل قد أُنجز على بناء هنغار كبير وتقسيمه، وكان يُفترض أن يشكل مركز إيواء. وقد قطعت أقسام هذا الهنغار بجدران بلاستيكية كي تشبه الغرف، وكان يفترض أن يستقبل في البداية أكثر من ألف نازح. إلا أن ثائرة المطبِلين للعدوان الإسرائيلي ثارت، "ويا غيرة الدين!". صار النازحون أعداء "السيادة"، ومقدمة لتغيير الديموغرافيا النقية، ومقدمة كذلك لاحتلال المناطق التي يرضى العدو عن أهلها! كان يمكن لهذا المخيم -الكرنتينا أن يُؤمِّن مياه الخدمة والنظافة الشخصية، وبعض الخصوصية للفتيات والنساء، والظروف الأكثر ملاءمة للفئات الهشة، وخاصة للنازحين المعوقين... على أية حال توقف العمل بناء على قدرة قادر وأُقفِل المخيم.
في مدينة النزوح التي تضم المئات اليوم، يتجمع عدد من الرجال حول "فان" (ميكروباص) أحمر حوّله نازح من الجنوب، معه زوجته، إلى دكان لبيع القهوة والدخان والخبز، وهي السلع الأساسية لبدء نهار نزوح آخر. مصادر المياه الوحيدة غالونات (عبوات) بلاستيكية تُحْمَل من السيارات إلى قرب الخيام.
عن مكتبة في صُور.. لم تنزح مع النازحين
13-03-2026
طريق صيدا – صور: عن العبور في كارثة عابرة
11-12-2025
عند أحد مداخل هذه المدينة نصب رجل ستيني ثلاث طبليات وربطها بعضها ببعض وفرش فوقها شادراً وجلس فوق كرسي بلاستيكي. ينظر إلى السيارات القليلة العابرة وينتظر. يتحرك من مكانه ما إن تتوقف سيارة أمام شاحنة صغيرة تتكدس في صندوقها أكياس بلاستيكية سود، بين أرجل ثلاثة مراهقين سوريين مستأجَرين لأداء مهمّة. يبدو أن امرأة موسرة رغبت في توزيع حصص غذائية على أهل المدينة. امرأة تجلس بهدوء في سيارتها تنظر إلى شاشة هاتفها المحمول قرب السائق، وخلفها، قرب الشاحنة، يتقاطر النازحون مشكِّلين زحاماً بشريّاً كبيراً بأياد ممدودة إلى العمال الثلاثة الذين ستنتهي مهمتهم مع آخر كيس يرمونه نحو الأيدي. أنجزوا مهمتهم وطرقوا الزجاج الذي يحول بينهم وبين سائق الشاحنة. أطلق الرجل الزمور (المنبّه) مرتين موعِزاً إلى فاعلة الخير بأن تتحرك. أخيراً، تحركت الشاحنة فركض خلفها جمع من الأطفال. هزّ الستيني رأسه راضياً وعاد إلى كرسيّه.
يتكرر المشهد نفسه تقريباً مع كل شاحنة أو سيارة تتوقف في الطريق. أناس يرغبون في المساعدة ويريدون أن يتأكدوا من أنها تصل إلى أيدي النازحين، جمعيات توزع وجبات يُفترض أن تكون ساخنة لكنها تصل باردة، وتحرص على تصوير عمليات التوزيع...
مدينة ولدت منذ شهر... لكنها بلا مراحيض أو حمّامات. يتقلص فيها الحيز الشخصي إلى حدوده الدنيا. نظرات وجِلة مترقبة من بين شقوق الخيام.
انتظار. لا شيء سوى الانتظار.





