للموريتانيين عاداتهم الخاصة، التي تميز تنوعهم العرقي والثقافي، وتاريخهم المرتوي من مشارب شتى، إذ تختزل البلاد في صيامها مشهداً بهياً، تتمازج فيه الروافد العربيةُ والإفريقيةُ والصنهاجية.
"زغبة رمضان".. حكايةُ التّطهر وفلسفةُ الزّمن
تبدأُ حكايةُ الموريتانيين مع رمضان بفيضٍ من العاداتِ التحضيرية التي تمزجُ بين الروح والمادة، لعلَّ أشهرَها وأكثرَها تجذراً ما يُعرف بـ "زغبة رمضان". فعلى أعتابِ الشهر الفضيل، وتحديداً مع ليلة "الشك"، يتأهبُ الرجال والفتية لاستقبالِ الشهر بحلاقةِ رؤوسهم "على الصفر"، في فعلٍ رمزيٍ يُدشنُ أولَ فصولِ الشهرِ قبل الإمساكِ عن الزاد، معتبرين ذلك تطهيراً للجسدِ من رتابة العام الراحل وأوزاره.
وكأن لسان حالهم يبوح علناً، ويقول: "نحن لا نستقبلُ رمضان بقديم ما نملك"، إذ ينزعون عنهم "شعرَ الفانية"، ليستنبتوا "زغبةً" مباركة، يوقنون أنها نبتت من طُهر الجوع وصفاء الروح. لذا يسودُ الاعتقاد بأنَّ الشعرَ النابتَ في كنف الصيام، يأتي أكثرَ ليونةً ونقاءً، ليكون شاهداً جسدياً على مجهود العبادة.
رمضان موريتانيا المزين بآلاف النجمات
10-08-2012
ومع مرور الأيام، يتحسسُ الصائمُ رأسه كمن يرقبُ "ساعةً رمليةً" بيولوجية، فيقرأُ في طولِ شعره مِقدارَ ما انقضى من أيام الشهر، ويقيسُ به صبره وجَلَدَه الذي ينتقل من "عشرية الخيل" في سرعةِ البدايات، إلى "عشرية الإبل" في مقام الصبر والمكابدة، وصولاً إلى "عشرية الحمير" التي تُكنّي عن بطءِ الخواتيم وشدة الإرهاق.
وكان هذا الطقس شأناً عائلياً محضاً، إذ تقوم النساء بحلاقة رؤوس الأطفال في كنف الخيمة، لكن رياح العولمة وزحف الحداثة نقلا الممارسةَ من "يد النساء" إلى صالوناتِ الحلاقةِ العصريةِ في نواكشوط. وعلى الرغم من هذا التحولِ الشكلي، وموجات الترك التي طالت البعض، لا تزال هذه العادة تقاوم الاندثار. ففي الصالونات المزدحمة، تتوحد الملامح وتغيب الفوارق بين الغني والفقيرِ خلفَ مظهرِ "الرؤوس الحليقة".
المائدة الرمضانية الموريتانية.. أصالة "المذق" وحداثة "البطبوط"
تتغير ملامح المائدة الموريتانية بمناسبة شهر رمضان، الذي له مذاقه الخاص. وقد شهدت المائدة عبر العقود تحولاتٍ سوسيولوجية عميقة، وانفتاحاً ثقافيا تجاوز حدود الصحراء الشاسعة. فبعد أزمان من الاكتفاء بـ "لوحة فطرية بسيطة"، صارت المائدة اليوم مسرحاً لامتزاج المشرق بالمغرب، في توليفة تجمع بين عبق التقاليد وصرعات العصرنة.
ففي الماضي القريب، كان "المذق" (الزريق) هو سيد الموقف. ذلك المزيج المنساب من اللبن والماء الذي يطفئ لهيب الظمأ، ترافقه حبات التمر، وكؤوس الشاي الثلاثة التي تمثل طقساً مقدساً. وكانت الوجبات الموريتانية تدور في فلك "أطاجين" اللحم والكسكس المحلي التقليدي، وذروة سنام الكرم الموريتاني المتمثلة في "التيشطار" (اللحم المجفف) الذي يحمل في أليافه ذاكرة البدواة.
موريتانيا وألعابها.. تراث ثري بالتفاصيل
05-03-2017
غير أن رياح العولمة الرقمية والفضائيات غيّرت ملامح هذا المشهد، إذ تسللت مفردات غذائية وافدة لتقاسم "العيش" الموريتاني مكانه. فظهرت "الحريرة" المغربية، و"البطبوط"، و"السمبوسة"، و"خلية النحل"، وتحولت البيوت إلى مختبرات لإنتاج معجنات وحلويات كانت حصراً على جاليات المشرق والمغرب العربي، بل صارت هذه الأطباق مادة دسمة لـ "الاستعراض الاجتماعي"، عبر منصات التواصل، حيث يُحتفى بالصورة قدر الاحتفاء باللقمة.
هذا التحول "الجمالي" في المائدة لم يمر من دون ضريبة صحية. فبينما يرى خبراء التغذية أن الفطور القديم (التمر والنشا واللبن) كان "نموذجاً مثالياً" يوفر الكربوهيدرات والدهون والبروتينات بنقاء طبيعي، يثير النمط الحديث تساؤلات مقلقة. فالانفتاح ركّز على "المعجنات" والكربوهيدرات البسيطة والمقليات، متجاهلاً "ثقافة السَلطات" والخضروات التي يفتقر إليها المطبخ الموريتاني تاريخياً.
التراويح وليلةُ السابع والعشرين من الشهر
يجد الموريتانيون في صلاة التراويح ضالتهم لمزيد من البذل، إذ تتحول مساجد نواكشوط ومدنِ الداخل إلى تظاهرةٍ إيمانية، وتصدحُ المآذن بالقرآن الكريم. وتُعدُّ ليلةُ السابع والعشرين هي "درة الشهر"، إذ يوقنُ الوجدان الشعبي أنها "مظنّةُ ليلةِ القدر". وهي نفسها ليلةُ "الختمات"، حيثُ تضجُّ المنابرُ بالدعاء.
وتنفردُ هذه الليلةُ بعاداتٍ تمزجُ بين البرِّ والابتهاج، إذ يحرص الموريتانيون على "الإنفاقِ السخي" وتوزيعِ الصدقاتِ وإطعام الفقراء، تيمناً ببركة الليلة التي هي "خيرٌ من ألف شهر". فهي في الوجدان "ليلة القدر" المرجوّ بركتها، لكنها في الوقت نفسه ليلة "محفوفة بالمخاطر". وينبع هذا التوجس من اعتقادٍ راسخ لدى البعض بأن هذه الليلة تُطلق فيها الشياطين التي كانت مصفّدة في الشهر الكريم، إذ يعتقد أن المردة يطلق سراحهم في هذا التوقيت، مما يجعل الصغار باعتبارهم الفئة الأكثر ضعفاً عرضةً لغائلة المس أو التخبط. وهذا التوجس والخوف، يفرض طقوساً صارمة من "التحصين"، تتجاوز التبرك بآيات الذكر الحكيم أو "نفث" الأئمة بعد ختمات القرآن، لتبلغ ذروتها في ممارسة "الترشام".
و"الترشام" هو كيّ جسد الطفل حتى تبقى فيه علامة واضحة، وهو ما يُظن أنه يوفِر حماية غيبية ضد القوى الشريرة. وهذه العادة لا تقوم بها كل الأسر فهي ليست حالاً عامة في موريتانيا، إذ يغلب تواجدها في الريف.
موريتانيا: قصة مدينتين
22-04-2016
وهكذا يمضي رمضان في موريتانيا، رحلة تبدأ من "موسِ الحلاق"، وتمر بـ "قدحِ الزريق"، ولا تنتهي إلا في رحاب "دعاء الختم". فإذا كان العمران قد تبدّل، وصالونات الحلاقة قد زاحمت الخيام، ومفردات المائدةِ قد تلوّنت بأطباقِ الجوار، فإنَّ الروح التي تسكن هذه التفاصيل ظلت صامدة صمود النخيل في وجه العواصف.
.



