إيمراغن.. سدنة البحر في موريتانيا

تظل شراكة "إيمراغن" مع الدلافين الحكاية الأكثر إدهاشاً، إذ تبدو وكأنها مختطَفة من الأساطير الإغريقية، حيث يقف "المُراقِب" على تلة عالية، وحين يلمح أسراب البوري، يضرب الصيادون سطح الماء بعصيهم ويصدرون صفارات خاصة. عندها، تهرع دلافين "البوتوز" من الأعماق لتشكل جداراً حياً يدفع الأسماك نحو شباك الصيادين، ولتستفيد هي أيضاً في رحلتها من أجل الغذاء.
2026-03-01

أحمد ولد جدو

كاتب ومدون من موريتانيا


شارك
قرية بلواخ، موريتانيا. تصوير أحمد ولد جدو

حين قادتني خطاي في آب/أغسطس المنصرم إلى قرية "بلواخ" الموريتانية، كنتُ أمضي نحو تخوم الدهشة، حيث استوقفتني تلك القرية الغافية على بعد خمسين كيلو متراً شمال العاصمة نواكشوط، وبدأت تتكشف لي أول فصول ملحمة "إيمراغن"، ذلك العالم العصي على التكرار، حيث يبرم الإنسان مع الدلافين عهداً أزلياً، ويصيغان معاً لغةً لا يفهمها إلا الموج، ليقتطفا من لدن البحر رزقاً ومعنى. وقد لمست ذلك يقيناً حين فتحتُ عيني ذات صباح على ملامح الصيادين، وهم يكتبون سطوراً جديدة في ملحمة كدحهم اليومي.

لقد كانت رحلتي تلك أول تماسٍّ حيٍّ مع ذاكرة هؤلاء الصيادين والسكان الذين يستوطنون اليوم الساحل، من '"بلواخ"، وصولاً إلى "حوض أرغين".

إيمراغن.. حين يتخذ الإنسان الموج وطناً

إيمراغن هم مجموعة الصيادين التي استوطنت شواطئ الأطلسي في جانبه الموريتاني منذ القدم. والتسمية ذات الأصل الصنهاجي تعني "الصيادين"، وقد تميزوا في أرض يغلب عليها الطابع البدوي، وتسيطر عليها ثقافة الصحراء، إذ اختار هؤلاء أن يكسروا القاعدة، فحولوا الساحل، خاصة أماكن وجودهم من بلواخ وصولاً إلى حوض آرغين إلى موطن، واتخذوا من زرقة الأطلسي أفقاً لهويتهم الثقافية والاقتصادية.

وعلى الرغم من انتمائهم لأصحاب الهوية الثقافية العربية في موريتانيا (الناطقين بالحسانية)، إلا أن إيمراغن ظلوا حالة استثنائية فريدة. إذ استطاعوا عبر قرون من العزلة الاختيارية والتعايش مع هدير البحر، صياغة شخصية متجذرة في الماء وسط محيط صحراوي، ليمثلوا ذاكرة المحيط الأطلسي الحية، وصموداً بشرياً في وجه النسيان، متسلحين بتقاليد تليدة لم تنل منها الحداثة ولا التكنولوجيا.

أما المجتمع الموريتاني الناطق بالعربية، فبعضهم من أصل عربي وبعضهم الآخر ينحدر من أصل أمازيغي، لكنّه تعرّب. ويتحدثون باللهجة الحسانية وهي لهجة عربية ملحونة، وينقسمون طبقياً إلى فئات عدة، منها فئتان "أرستقراطيتان" هما: "العرب" وهم المحاربون وحمَلة السلاح، وفئة "الزوايا" المهتمة بالعلوم الدينية والجوانب الثقافية.

كما تأتي شرائح أخرى في أسفل التنظيم الطبقي، مثل فئة "إيكاون" وهي الفئة المختصة بالغناء، وفئة المعلمين وهي الفئة المختصة بالحدادة والأعمال الحرفية، ثم فئة أخرى تختص في الرعي تدعى "أزناكة"، وهي عبارة عن جماعة اضطرتها ظروف وهزائم إلى أن تتبع إحدى الفئتين الأرستقراطيتين. ثم تأتي فئة الحرّاطين وهم العبيد المحرَّرون أو من رفضوا العبودية، ثم تأتي في أسفل السلم فئة العبيد.

من بلواخ إلى آرغين.. جغرافيا الذاكرة والمصائد

يتجسد اليوم وجود "إيمراغن" في تجمعات سكنية وقرى تسمى "لكصور" على شاطئ المحيط الأطلسي، بعضها يقع داخل حوض آرغين، والآخر بين نواكشوط والحوض. وتتألف مباني تجمعات إيمراغن في الغالب من أعرشة وأكواخ صُنعت من الشجر والحشيش، ويسمى العريش الواحد عندهم "التيكيت"، وعلى الرغم من أن بعض قراهم قد صارت تضم مبانيَ إسمنتية، خاصة تلك الواقعة خارج فضاء الحوض، إلا أن إيمراغن أقاموا تجمعاتهم أصلاً في مصائد عُرِفت بوفرة أسماكها وسهولة الصيد فيها، حيث كان لحركة السمك على الشاطئ دور أساسي في تشكّل هذه القرى.

بعض المجتمع الموريتاني الناطق بالعربية، هم من أصل عربي، وبعضهم الآخر ينحدر من أصل أمازيغي، لكنّه تعرّب. والجميع يتحدثون باللهجة الحسّانية وهي لهجة عربية ملحونة، وينقسمون طبقياً إلى فئات عدة، منها فئتان "أرستقراطيتان" هما: "العرب"، وهم المحاربون وحمَلة السلاح، و"الزوايا" المهتمين بالعلوم الدينية والجوانب الثقافية.

هناك شرائح أخرى في أسفل التنظيم الطبقي، مثل فئة "إيكاون"، المختصة بالغناء، وفئة المعلمين المختصة بالحدادة والأعمال الحرفية، ثم فئة تختص في الرعي تدعى "أزناكة"، وهي عبارة عن جماعة اضطرتها ظروف وهزائم إلى أن تتبع إحدى الفئتين الأرستقراطيتين. وأخيراً فئة الحرّاطين، وهم العبيد المحرَّرون أو من رفضوا العبودية، وفي أسفل السلم فئة العبيد. 

ومن أشهر قرى إيمراغن: بلواخ، وتُعد وجهة للسياحة البيئية والرياضات المائية المحدودة، وأنوامغار، وتشتهر بكونها أفضل موقع لمراقبة الطيور والتعاون مع الدلافين، وأوكج، والمسيد، وتيشطُ، وهي مركز رئيسي لإنتاج سمك البوري المجفف المعروف محلياً بـ"تيشطار الحوت"، وتنعلول، وهي قرية ساحلية تتميز بضحالة شديدة لمياهها، وتشتهر بتقنيات الصيد التقليدي مشياً على الأقدام، وأگادير، والتي تقع بمحاذاة جروف صخرية ساحلية، وتعكس عمارتها العمارة التقليدية المتكيفة مع الرياح العاتية. وتُعد إيويك وآركييس لؤلؤتي حوض آرغين، حيث يمتزج عبق التاريخ البحري بمجاديف إيمراغن الذين طوّعوا الشراع لصيدٍ يحترم الطبيعة. وهما موطن الطيور المهاجرة. وهناك قرى أخرى مثل تويليت، وامحيجرات.

صيادان من إيمراغن أثناء رحلة صيد، تصوير محمد الأمين ولد الراجل

سمكة " أزول".. ترياق البحر وعهد الدلافين

في فلسفة إيمراغن، يُعد السمك غذاءً ودواءً، ويبرز هنا سمك أزول (البوري الكبير)، كأيقونة مقدسة للشفاء، حيث يقصد الزوار من باقي مناطق موريتانيا هذه القرى، طلباً لفوائد صحية يراها السكان ضرورية لبقاء الجسد وقوة الروح.

ويستخلص السكان العاملون في هذا المجال الدهون من رؤوس أزول، بعد غليها وتصفيتها، لتعالج أمراض الربو، والسكري، وضغط الدم. وللحصول على الفائدة القصوى، يجب أن تُجفف السمكة وهي طرية، بعيداً عن الشمس المباشِرة، لتبقى محتفظة بـ "سرها". أما مائدة إيمراغن، فهي ملحمة تباه بخيرات الأطلسي، بدءاً من وجبة الخليع، التي تمزج السمك المجفف بالبيض والدهن والسكر، إلى التيشطار والمجمر.

وتظل شراكة "إيمراغن" مع الدلافين الحكاية الأكثر إدهاشاً، إذ تبدو وكأنها مختطَفة من الأساطير الإغريقية، حيث يقف "المراقِب" على تلة عالية، وحين يلمح أسراب البوري، يضرب الصيادون سطح الماء بعصيهم ويصدرون صفارات خاصة. عندها، تهرع دلافين "البوتوز" من الأعماق لتشكل جداراً حياً يدفع الأسماك نحو شباك الصيادين، ولتستفيد هي أيضاً في رحلتها من أجل الغذاء.

في فلسفة إيمراغن، يُعد السمك غذاءً ودواءً، ويبرز هنا سمك أزول (البوري الكبير)، كأيقونة مقدسة للشفاء، حيث يقصد الزوار من باقي مناطق موريتانيا هذه القرى، طلباً لفوائد صحية يراها السكان ضرورية لبقاء الجسد وقوة الروح.

أضحى "إيمراغن" اليوم مهددين بالاضمحلال، ككيان ثقافي واجتماعي يمثِّل "النموذج الحي" للعلاقة المتوازنة بين الإنسان والطبيعة. والحفاظ على هذا التراث والتقاليد هو ضرورة إنسانية قبل أن تكون وطنية. فإيمراغن يمثلون "رأس مال معرفي" لا يمكن تعويضه باستبداله بأحدث التقنيات، لأنهم الحراس الأوفياء لمحيط يعلِّمنا كل يوم أن الرزق لا يأتي من القوة، بل من التناغم مع الطبيعة، وفهم لغة السواحل. 

ولإيمراغن قصتهم مع"حظيرة حوض آرغين الوطنية"، التي تعتبر القلب النابض لهذا المجتمع. وتمتد الحظيرة على مساحة اثني عشر ألف كيلو متراً مربعاً من الجَمال الأخاذ والفوائد الجمة، حيث تلتقي المياه الضحلة بالتيارات الصاعدة الغنية بالمواد المغذِّية، لتتحول المنطقة إلى أكبر حاضنة للأسماك في غرب إفريقيا، وأحد أفضل الملاذات العالمية للطيور المهاجرة بحثاً عن الدفء. هناك، يمارس "إيمراغن" صيدهم بوسائل بدائية تُصنع يدوياً، مثل شباك "تتارك" المنسوجة من ألياف شجر الصحراء، التي تتطلب مهارةً فائقة في ضبط "عيونها" وفقاً لنوع الصيد.

مجموعة من إيمراغن أثناء رحلة صيد، تصوير محمد الأمين ولد الراجل

وإلى يومنا هذا، لا يزال "اللنش" (القارب الشراعي الخشبي) هو السيد المطلق لهذه المياه. وهي القوارب التي دخلت المنطقة قديماً بوصفها تطوراً في أدوات الصيد، غير أن "التامونانت" البدائية والأقدم، لا تزال مستخدمة بدورها. ولأسباب بيئية صارمة، يُمنع استخدام المحركات قانونياً، ليبقى الريحُ هو المحرك الوحيد في فضاء "حوض آرغين" الفسيح.

القلق من الانحسار

يواجه عالم "إيمراغن" المدهش اليوم رياح التغيير العاتية. فبفعل المتغيرات العصرية ونزوح الشباب نحو المدن الكبرى بحثاً عن حياة أفضل، وفرص تعليم وعمل تضمن مستقبلاً واعداً، فضلاً عن تراجع وفرة الصيد وصعوبة الحياة، بدأ عدد الحاملين لهذه التقاليد التليدة في التناقص. لذا، أضحى "إيمراغن" اليوم مهددين بالاضمحلال، ككيان ثقافي واجتماعي يمثِّل "النموذج الحي" للعلاقة المتوازنة بين الإنسان والطبيعة. والحفاظ على هذا التراث والتقاليد هو ضرورة إنسانية قبل أن تكون وطنية. فإيمراغن يمثلون "رأس مال معرفي" لا يمكن تعويضه باستبداله بأحدث التقنيات، لأنهم الحراس الأوفياء لمحيط يعلِّمنا كل يوم أن الرزق لا يأتي من القوة، بل من التناغم مع الطبيعة، وفهم لغة السواحل.

حين غادرتُ بلواخ، تركتُ خلفي صيادين، يكتبون بمداد الملح سطوراً جديدة من كدحهم، تاركين لي وللعالم سؤالاً معلّقاً: هل سنسمح باندثار هذا الإرث البهي؟

للكاتب/ة

أزمة مالي المتفاقمة تلقي بظلالها على الجالية الموريتانية

أزمة مالي مركبة، ولها جذور قديمة، مثل مطالب سكان الشمال للاستقلال عن البلاد، وتحديداً منطقة أزواد، حيث تتركز المجموعات الطارقية والعربية، وكذلك مجموعة السونغاي، بالإضافة إلى أقلية من الفلان. ومنذ...

تقرير محكمة الحسابات الموريتانية.. بين كشف الفساد وإدارة العاصفة

الطريقة المثلى لمحاربة الفساد بجدية، وتحدي الواقع المتردي الحامي له، هي ضمان وجود شفافية مؤسسية دائمة، عبر نشر تقارير محكمة الحسابات والمفتشية العامة بشكل دوري وعلني، وليس موسمياً أو تحت...